تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
فلما سمع القوم مقالة بهرام هذه وما وعد من نفسه استبشروا بذلك وانبسطت آمالهم وقالوا فيما بينهم إنا لسنا نقدر على رد قول بهرام مع أنا إن تممنا على صرف الملك عنه نتخوف أن يكون في ذلك هلاكنا لكثرة من استمد واستجاش من العرب ولكنا نمتحنه بما عرض علينا مما لم يدعه إليه إلا ثقة بقوته وبطشه وجرأته فإن يكن على ما وصف به نفسه فليس لنا رأي إلا تسليم الملك إليه والسمع والطاعة له وإن يهلك ضعفا ومعجزة فنحن من هلكته برآء ولشره وغائلته آمنون وتفرقوا على هذا الرأي فعاد بهرام بعد أن تكلم بهذا الكلام وجلس كمجلسه الذي كان فيه بالأمس وحضره من كان يحاده فقال لهم إما أن تجيبوني فيما تكلمت أمس وإما أن تسكتوا باخعين لي بالطاعة فقال القوم أما نحن فقد اخترنا لتدبير الملك كسرى ولم نر منه إلا ما نحب ولكنا قد رضينا مع ذلك أن يوضع التاح والزينة كما ذكرت بين أسدين وتتنازعانهما أنت وكسرى فأيكما تناولها من بينهما سلمنا له الملك
فرضي بهرام بمقالتهم فأتي بالتاج والزينة موبذان موبذ الموكل كان بعقد التاج على رأس كل ملك يملك فوضعهما في ناحية وجاء بسطام إصبهبذ بأسدين ضاريين مجوعين مشبلين فوقف أحدهما عن جانب الموضع الذي وضع فيه التاج والزينة والآخر بحذائه وأرخى وثاقهما ثم قال بهرام لكسرى دونك التاج والزينة فقال كسرى أنت أولى بالبدء وبتناولهما مني لأنك تطلب الملك بوارثة وأنا فيه مغتصب فلم يكره بهرام قوله لثقته كانت ببطشه وقوته وحمل جرزا وتوجه نحو التاج والزينة فقال له موبذان موبذ استماتتك في هذا الأمر الذي أقدمت عليه إنما هو تطوع منك لا عن رأي أحد من الفرس ونحن برآء إلى الله من إتلافك نفسك فقال بهرام أنتم من ذلك برآء ولا وزر عليكم فيه ثم أسرع نحو الأسدين فلما رأى موبذان موبذ جده في لقائهما هتف به وقال بح بذنوبك وتب منها ثم أقدم إن كنت لا محالة مقدما فباح بهرام بما سلف من ذنوبه ثم مشى نحو الأسدين فبدر إليه أحدهما فلما دنا من بهرام وثب وثبة فعلا ظهره وعصر جنبي الأسد بفخذيه عصرا أثخنه وجعل يضرب على رأسه بالجرز الذي كان حمل ثم شد الأسد الآخر عليه فقبض على أذنيه وعركهما بكلتا يديه فلم يزل يضرب رأسه برأس الأسد الذي كان راكبه حتى دمغهما ثم قتلهما كليهما على رأسهما بالجرز الذي كان حمله وكان ذلك من صنيعه بمرأى من كسرى ومن حضر ذلك المحفل
فتناول بهرام بعد ذلك التاج والزينة فكان كسرى أول من هتف به وقال عمرك الله بهرام الذي من حوله سامعون وله مطيعون ورزقه ملك أقاليم الأرض السبعة ثم هتف به جميع الحضر وقالوا قد أذعنا للملك بهرام وخضعنا له ورضينا به ملكا وأكثروا الدعاء له وإن العظماء وأهل البيوتات وأصحاب الولايات والوزراء لقوا المنذر بعد ذلك اليوم وسألوه أن يكلم بهرام في التغمد لإساءتهم في أمره والصفح والتجاوز عنهم فكلم المنذر بهرام فيما سألوه من ذلك واستوهبه ما كان احتمل عليهم في نفسه فأسعفه بهرام فيما سأل وبسط آمالهم
وإن بهرام ملك وهو ابن عشرين سنة وأمر من يومه ذلك أن يلزم رعيته راحة ودعة وجلس للناس بعد ذلك سبعة أيام متوالية يعدهم الخير من نفسه ويأمرهم بتقوى الله وطاعته
صفحہ 409