تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
فأجابهم القوم أما مسكنه ففوق السموات العلا مستو على عرشه لا يحصى عدد جنوده وكل شيء من الخلق له عبد لو أمر البحر لطم على البر ولو أمر الأنهار لغارت في عنصرها لا يرى ولا يعرف قراره وهو صديق أسا وناصره فجعل الأمناء يكتبون كل شيء أخبروا به من أمر أسا وقضية أمره فدخل بعض هؤلاء الأمناء عليه فقالوا يأيها الملك إن معنا هدية نريد أن نهديها لك من طرائف بلادنا أو تشتري منا فنرخصه عليك
قال لهم ائتوني بذلك حتى أنظر إليه فلما أتوه به قال لهم هل يبقى هذا لأهله ويبقون له قالوا بل يفنى هذا ويفنى أهله قال لهم أسا لا حاجة لي فيه إنما طلبتي ما تبقى بهجته لأهله لا تزول ولا يزولون عنه
فخرجوا من عنده ورد عليهم هديتهم فساروا من بيت المقدس متوجهين إلى زرح الهندي ملكهم فلما أتوه نشروا له كتاب خبرهم وأنبئوه بما انتهى إليهم من أمر ملكهم وأخبروه بصديق أسا فلما سمع زرح كلامهم استحلفهم بعزته وبالشمس والقمر اللذين يعبدونهما ولهما يصلون ألا يكتموه من خبر ما رأوا في بني إسرائيل شيئا فصدقوه
فلم افرغوا من خبرهم وخبر أسا ملكهم وصديقه قال لهم زرح إن بني إسرائيل لما علموا أنكم جواسيس وأنكم قد اطلعتم على عوراتهم ذكروا لكم صديق أسا وهم كاذبون أرادوا بذلك ترهيبكم إن صديق أسا لا يطيق أن يأتي بأكثر من جندي ولا بأكمل من عدتي ولا بأقسى قلوبا ولا أجرأ على القتال من قومي إن لقيني بألف لقيته بأكثر من ذلك
ثم عمد زرح عند ذلك فكتب إلى كل من في طاعته أن يجهزوا من كل مخلاف جندا بعدتهم حتى استمد يأجوج ومأجوج والترك وفارس مع من سواهم من الأمم ممن جرت عليه لزرح طاعة كتب
من زرح الجبار الهندي ملك الأرضين إلى من بلغته كتبي أما بعد فإن لي أرضا قد دنا حصادها وأينع ثمرها وأردت أن تبعثوا إلي بعمال أغنمهم ما حصدوا منها وهم قوم قصوا عني وغلبوا على أطراف من أرضي وقهروا من تحت أيديهم من رقيقي وقد منحتهم من نهض إليهم معي فإن قصرت بكم قوة فعندي قوتكم فإنه لا تتعطل خزائني
فاجتمعوا إليه من كل ناحية وأمدوه بالخيل والفرسان والرجالة والعدة فلما اجتمعوا عنده أمكنهم من السلام والجهاز من خزائنه ثم أمر بإحصاء عددهم وتعبيتهم فبلغ عددهم ألف ألف ومائة ألف سوى أهل بلادهم وأمر بمائة مركب فقرن له البغال كل أربعة أبغل جميعا عليها سرير وقبة وفي كل قبة منها جارية ومع كل مركب عشرة من الخدم وخمسة أفيال من فيلته فبلغ في كل عسكر من عساكره مائة ألف وجعل خاصته الذين يركبون معه مائة من رؤوسهم وجعل في كل عسكر عرفاء وخطبهم وحرضهم على القتال فلما نظر إليهم سار فيهم تعزز وتعظم شأنه في قلوب من حضره ثم قال زرح أين صديق أسا هل يستطيع أن يعصمه مني أو من يطيق غلبتي فلو أن أسا وصديقه ينظران إلي وإلى جندي ما اجترآ على قتالي لأن عندي بكل واحد من جنده ألفا من جنودي ليدخلن أسا أرضي أسيرا ولأقدمن بقومه سبيا في جنودي
صفحہ 308