تاريخ الطبري
تاريخ الطبري
قال ابو مخنف وحدثني سعيد بن مدرك بن عمارة أن عمارة بن عقبة بعث غلاما له يدعى قيسا فجاءه بقلة عليها منديل ومعه قدح فصب فيه ماء ثم سقاه فأخذ كلما شرب امتلأ القدح دما فلما ملأ القدح المرة الثالثة ذهب ليشرب فسقطت ثنيتاه فيه فقال الحمد لله لو كان لي من الرزق المقسوم شربته وأدخل مسلم على ابن زياد فلم يسلم عليه بالإمرة فقال له الحرسي ألا تسلم على الأمير فقال له إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه وإن كان لا يريد قتلي فلعمري ليكثرن سلامي عليه فقال له ابن زياد لعمري لتقتلن قال كذلك قال نعم قال فدعني أوص إلى بعض قومي فنظر إلى جلساء عبيدالله وفيهم عمر بن سعد فقال يا عمر إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وقد يجب لي عليك نجح حاجتي وهو سر فأبى أن يمكنه من ذكرها فقال له عبدالله لا تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك فقام معه فجلس حيث ينظر إليه ابن زياد فقال له إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد فوارها وابعث إلى حسين من يرده فإني قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه ولا أراه إلا مقبلا فقال عمر لابن زياد أتدري ما قال لي إنه ذكر كذا وكذا قال له ابن زياد إنه لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن أما مالك فهو لك ولسنا نمنعك أن تصنع فيه ما أحببت وأما حسين فإنه إن لم يردنا لم نرده وإن أرادنا لم نكف عنه وأما جثته فإنا لن نشفعك فيها إنه ليس بأهل منا لذلك قد جاهدنا وخالفنا وجهد على هلاكنا وزعموا أنه قال أما جثته فإنا لا نبالي إذ قتلناه ما صنع بها ثم إن ابن زياد قال إيه يا بن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على بعض قال كلا لست أتيت ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب قال وما أنت وذاك يا فاسق أولم نكن نعمل بذاك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر قال أنا أشرب الخمر والله إن الله ليعلم أنك غير صادق وأنك قلت بغير علم وأني لست كما ذكرت وإن أحق بشرب الخمر مني وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغا فيقتل النفس التي حرم الله قتلها ويقتل النفس بغير النفس ويسفك الدم الحرام ويقتل على الغضب والعداوة وسوء الظن وهو يلهو ويلعب كأن لم يصنع شيئا فقال له ابن زياد يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونه ولم يرك أهلا قال فمن أهله يابن زياد قال أمير المؤمنين يزيد فقال الحمد لله على كل حال رضينا بالله حكما بيننا وبينكم قال كأنك تظن أن لكم في الأمر شيئا قال والله ما هو بالظن ولكنه اليقين قال قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام قال أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ولا أحد من الناس أحق بها منك وأقبل ابن سمية يشتمه ويشتم حسينا وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلمه وزعم أهل العلم أن عبيدالله أمر له بماء فسقي بخزفة ثم قال له إنه لم يمنعنا أن نسقيك فيها إلا كراهة أن تحرم بالشرب فيها ثم نقتلك ولذلك سفيناك في هذا ثم قال اصعدوا به فوق القصر فاضربوا عنقه ثم أتبعوا جسده رأسه فقال يابن الأشعث أما والله لولا أنك آمنتني ما استسلمت قم بسيفك دوني فقد أخفرت ذمتك ثم قال يابن زياد أما والله لو كانت بيني وبينك قرابة ما قتلتني ثم قال ابن زياد أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف وعاتقه فدعي فقال اصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه فصعد به وهو يكبر ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ورسله وهو يقول اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا وأشرف به على موضع الجزارين اليوم فضربت عنقه وأتبع جسده رأسه
قال أبو مخنف حدثني الصقعب بن زهير عن عون بن أبي جحيفة قال نزل الأحمري بكير بن حمران الذي قتل مسلما فقال له ابن زياد قتلته قال نعم قال فما كان يوقل وأنتم تصعدون به قال كان يكبر ويسبح ويستغفر فلما أدنيته لأقتله قال اللهم احكم بيننا وبين قوم كذبونا وغرونا وخذلونا وقتلونا فقلت له ادن مني الحمد الله الذي اقادني منك فضربته ضربة لم تغن شيئا فقال أما ترى في خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد فقال ابن زياد أوفخرا عند الموت قال ثم ضربته الثانية فقتلته
قال وقام محمد بن الأشعث إلى عبيدالله بن زياد فكلمه في هانئ بن عروة وقال إنك قد عرفت منزلة هانئ بن عروة في المصر وبيته في العشيرة وقد علم قومه أني وصاحبي سقناه إليك فأنشدك الله لما وهبته لي فإني أكره عداوة قومه هم أعز أهل المصر وعدد أهل اليمن
قال فوعده أن يفعل فلما كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان بدا له فيه وأبى أن يفي له بما قال
قال فأمر بهانئ بن عروة حين قتل مسلم بن عقيل فقال أخرجوا إلى السوق فاضربوا عنقه قال فأخرج بهانئ حتى انتهى إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم وهو مكتوف فجعل يقول وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم وامذحجاه وأين مني مذحج فلما رأى أن أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم
قال أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يجاحش به رجل عن نفسه قال ووثبوا إليه فشدوه وثاقا ثم قيل له امدد عنقك فقال ما أنا بها مجد سخي وما أنا بمعينكم على نفسي
قال فضربه مولى لعبيدالله بن زياد تركي يقال له رشيد بالسيف فلم يصنع سيفه شيئا فقال هانيء إلى الله المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك ثم ضربه أخرى فقتله
صفحہ 292