وأصل الرغبة في راحة الريف. واتخاد الهواية، هو أننا ننشد - عن جهل - ما نسميه السعادة، ولكن هذه السعادة تخدر النفس، أما الهموم والاهتمامات فتنبهها. ولن نحس الحياة على أعمقها إلا حين نكافح، بل الكفاح هو الذي يجعلنا نحس أننا أحياء.
ومع ذلك إذا كانت الهواية كفاحا فأنعم بها. ولكن هذه الكلمة عندئذ تخالف معناها المألوف.
وهناك وسائل كثيرة للتربية الذاتية ولكن أعظم هذه الوسائل وأجداها هو الكفاح من أجل الخير في العالم. فأنت تكافح كي تغير حالا قائمة ولكنك أنت أيضا تتغير بهذا الكفاح؛ وذلك لأنك ستحتاج إلى الدرس والتفكير، وستلاقي الصعوبات والعقبات. وقد تنجح أو تخيب، وكل هذا تربية لك وزيادة في عقلك وبصيرتك. إن الماضي ميت.
وأنت حين تكافح تختار المعارف الحية التي تغير الدنيا والأخلاق والآمال. فأنت حين تدرس وتتربى يتجه تفكيرك بالمعارف الحية نحو المستقبل أي نحو التغيير. أما إذا اخترت المعارف الميتة فإن تفكيرك يتجه نحو الماضي، وليس في الماضي مكان للتغيير. إن الماضي ميت.
وهنا الفرق بين كاتب وكاتب، بين أديب وأديب، بين مفكر وغير مفكر.
إن المفكرين المكافحين يفكرون في المستقبل ويخططونه بينما غير المفكرين يكتبون عن الماضي وكأن ليس لهم شأن بالمستقبل، ليس لهم كفاح.
إن الشيخوخة، سن السبعين أو الثمانين، قد تكون بشيرا لك، أيها الشاب، أو نذيرا. فهي بشير إذا كنت قد عودت نفسك - منذ شبابك - العادات الحسنة، الإيجابية والسلبية، وأول هذه العادات الاهتمام بالدنيا والإنسانية والسياسة والثقافة ومستقبل بلادك بل مستقبل الإنسان ... فإذا اهتممت بكل هذه الأشياء السامية فإنك أنت ستسمو بها كما تتربى وتكبر شخصيتك ويحد ذكاؤك. وهذا الاهتمام نفسه سيشغلك عن العادات السيئة التي تفشو كثيرا بين الفارغين التافهين الذين يستهلكون كل يوم عشرات الفناجين من القهوة والشاي ويدخنون إلى حد إفساد الجو حولهم. وقد يتسلون عن فراغهم وسأمهم بالانغماس في الخمور أو نحوها.
لا تكن شابا أجوف، لا تكن شابا تافها. اهتم بالدنيا وبالإنسانية. واهتمامك هذا يربيك ويجعلك شابا وأنت في سن السبعين والثمانين. واجعل من الفلسفة أكبر لذاتك التي تحيا معك إلى يوم وفاتك والتي تفوق كل ما يقوله التافهون عن الملذات الأخرى.
مؤلفاتي التي وجهتني
نحن المؤلفون نؤلف الكتب ونوجه بها الأفكار ثم تعود هي فتؤلفنا وتوجهنا ، والأغلب أن الكتاب الأول الذي ألفناه وشغفنا بإخراجه وتهيأنا له بالتفكير البكر، أو ما ظننا أنه بكر، هذا الكتاب هو الحلقة الأولى من سلسلة للكتب التي نخرجها بعد ذلك وفق البذور التي بذرناها في هذا الكتاب الأول. ثم نحن في تأليف هذه الكتب نحرص على رباطنا بالكتاب الأول. فلا نحيد ولا ننحرف.
نامعلوم صفحہ