تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
ناشر
دار الكتب العلمية
پبلشر کا مقام
لبنان
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وصل الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله أَجْمَعِينَ أخبرنَا عبد الله الثِّقَة بن الْمَأْمُون الْهَرَوِيّ قَالَ أخبرنَا أبي قَالَ أخبرنَا أَبُو عبد الله قَالَ أخبرنَا ابو عبيد الله مَحْمُود بن مُحَمَّد الرَّازِيّ قَالَ أخبرنَا عمار بن عبد الْمجِيد الْهَرَوِيّ قَالَ أخبرنَا عَليّ بن إِسْحَق السَّمرقَنْدِي عَن مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الْكَلْبِيّ عَن ابي صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الْبَاء بهاء الله وبهجته وبلاؤه وبركته وَابْتِدَاء اسْمه بارىء السِّين سناؤه وسموه أَي أرتفاعه وَابْتِدَاء اسْمه سميع الْمِيم ملكه ومجده ومنته على عباده الَّذين هدَاهُم الله تَعَالَى للايمان وَابْتِدَاء اسْمه مجيد الله مَعْنَاهُ الْخلق يألهون ويتألهون إِلَيْهِ إِي يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ عِنْد الْحَوَائِج ونزول الشدائد الرَّحْمَن العاطف على الْبر والفاجر بالرزق لَهُم وَدفع الْآيَات عَنْهُم الرَّحِيم خَاصَّة على الْمُؤمنِينَ بالمغفرة وأدخالهم الْجنَّة وَمَعْنَاهُ الَّذِي يستر عَلَيْهِم الذُّنُوب فِي الدُّنْيَا ويرحمهم فِي الْآخِرَة فيدخلهم الْجنَّة
وَمن سُورَة فَاتِحَة الْكتاب وَهِي مَدَنِيَّة وَيُقَال مَكِّيَّة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وبإسناده عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى
﴿الْحَمد لِلَّهِ﴾ يَقُول الشُّكْر لله وَهُوَ أَن صنع إِلَى خلقه فحمدوه وَيُقَال الشُّكْر لله بنعمه السوابغ على عباده الَّذين هدَاهُم للْإيمَان وَيُقَال الشُّكْر والوحدانية والإلهية لله الَّذِي لَا ولد لَهُ وَلَا شريك لَهُ وَلَا معِين لَهُ وَلَا وَزِير لَهُ ﴿رَبِّ الْعَالمين﴾ رب كل ذِي روح دب على وَجه الأَرْض وَمن أهل السَّمَاء وَيُقَال سيد الْجِنّ وَالْإِنْس وَيُقَال خَالق الْخلق ورازقهم ومحولهم من حَال إِلَى حَال
﴿الرَّحْمَن﴾ الرَّقِيق من الرقة وَهِي الرَّحْمَة ﴿الرَّحِيم﴾ الرفيق
﴿مَالك يَوْمِ الدّين﴾ قَاضِي يَوْم الدّين وَهُوَ يَوْم الْحساب وَالْقَضَاء فِيهِ بَين الْخَلَائق أَي يَوْم يدان فِيهِ النَّاس بأعمالهم لاقاضي غَيره
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لَك نوحد وَلَك نطيع ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نستعين بك على عبادتك ومنك نستوثق على طَاعَتك
﴿اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم﴾ أرشدنا للدّين الْقَائِم الَّذِي ترضاه وَهُوَ الْإِسْلَام وَيُقَال ثبتنا عَلَيْهِ وَيُقَال هُوَ كتاب الله يَقُول اهدنا إِلَى حَلَاله وَحَرَامه وَبَيَان مافيه
﴿صِرَاطَ الَّذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ دين الَّذين مننت عَلَيْهِم بِالدينِ وهم أَصْحَاب مُوسَى من قبل أَن تغير عَلَيْهِم نعم الله بِأَن ظلل عَلَيْهِم الْغَمَام وَأنزل عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى فِي التيه وَيُقَال هم النَّبِيُّونَ ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ غير دين الْيَهُود الَّذين غضِبت عَلَيْهِم وخذلتهم وَلم تحفظ قُلُوبهم حَتَّى تهودوا ﴿وَلاَ الضآلين﴾ وَلَا دين النَّصَارَى الَّذين ضلوا عَن الْإِسْلَام آمِينْ كَذَلِك تكون أمنته وَيُقَال فَلْيَكُن كَذَلِك وَيُقَال رَبنَا افْعَل بِنَا كَمَا سألناك وَالله أعلم
1 / 2
وَمن السُّورَة الَّتِي تذكر فِيهَا الْبَقَرَة وَهِي كلهَا مَدَنِيَّة وَيُقَال مَكِّيَّة أَيْضا آياتها مِائَتَان وَثَمَانُونَ وكلامها ثَلَاثَة آلَاف وَمِائَة وحروفها خمس وَعِشْرُونَ ألفا وَخَمْسمِائة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وبإسناده عَن عبد الله بن الْمُبَارك قَالَ حَدثنَا عَليّ بن إِسْحَق السَّمرقَنْدِي عَن مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى
﴿الم﴾ يَقُول ألف الله لَام جِبْرِيل مِيم مُحَمَّد وَيُقَال ألف آلاؤه لَام لطفه مِيم ملكه وَيُقَال ألف ابْتِدَاء اسْمه الله لَام ابْتِدَاء اسْمه لطيف مِيم ابْتِدَاء اسْمه مجيد وَيُقَال أَنا الله أعلم وَيُقَال قسم أقسم بِهِ
﴿ذَلِكَ الْكتاب﴾ أَي هَذَا الْكتاب الَّذِي يَقْرَؤُهُ عَلَيْكُم مُحَمَّد ﷺ ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ لَا شكّ فِيهِ أَنه من عِنْدِي فَإِن آمنتم بِهِ هديتكم وَإِن لم تؤمنوا بِهِ عذبتكم وَيُقَال ذَلِك الْكتاب يَعْنِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَيُقَال ذَلِك الْكتاب الَّذِي وعدتك يَوْم الْمِيثَاق بِهِ أَن أوحيه إِلَيْك وَيُقَال ذَلِك الْكتاب يَعْنِي التَّوْرَاة أَو الْإِنْجِيل لَا ريب فِيهِ لَا شكّ فِيهِ أَن فيهمَا صفة مُحَمَّد ونعته ﴿هُدَى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي الْقُرْآن بَيَان لِلْمُتقين الْكفْر والشرك وَالْفَوَاحِش وَيُقَال كَرَامَة للْمُؤْمِنين وَيُقَال رَحْمَة لِلْمُتقين لأمة مُحَمَّد ﷺ
﴿الَّذين يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ بِمَا غَابَ عَنْهُم من الْجنَّة وَالنَّار والصراط وَالْمِيزَان والبعث والحساب وَغير ذَلِك وَيُقَال الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ بِمَا أنزل من الْقُرْآن وَبِمَا لم ينزل وَيُقَال الْغَيْب هُوَ الله ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة﴾ يتمون الصَّلَوَات الْخمس بوضوئها وركوعها وسجودها وَمَا يجب فِيهَا من مواقيتها ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وَمِمَّا أعطيناهم من الْأَمْوَال يتصدقون وَيُقَال يؤدون زَكَاة أَمْوَالهم وَهُوَ أَبُو بكر الصّديق وَأَصْحَابه
﴿وَالَّذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من الْقُرْآن ﴿ومآ أنزل من قبلك﴾ على سَائِر الْأَنْبِيَاء من الْكتب ﴿وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وبالبعث بعد الْمَوْت ونعيم الْجنَّة هم يصدقون وَهُوَ عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه
1 / 3
﴿أُولَئِكَ﴾ أهل هَذِه الصّفة ﴿على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ على كَرَامَة وَرَحْمَة وَبَيَان نزل من رَبهم ﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ الناجون من السخط وَالْعَذَاب وَيُقَال أُولَئِكَ الَّذين أدركوا ووجدوا مَا طلبُوا ونجوا من شَرّ مامنه هربوا وهم أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ
﴿إِنَّ الَّذين كَفَرُواْ﴾ وثبتوا على الْكفْر ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِم﴾ العظة ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ خوفتهم بِالْقُرْآنِ ﴿أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ لم تخوفهم لَا يُؤمنُونَ لَا يُرِيدُونَ أَن يُؤمنُوا وَيُقَال ﴿لَا يُؤمنُونَ﴾ فِي علم الله
﴿خَتَمَ الله على قُلُوبهِمْ﴾ طبع الله على قُلُوبهم ﴿وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ غطاء ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ شَدِيد فِي الْآخِرَة وهم الْيَهُود كَعْب بن الْأَشْرَف وَحي ابْن أَخطب وجدي بن أَخطب وَيُقَال هم مشركو أهل مَكَّة عتبَة وَشَيْبَة والوليد
﴿وَمِنَ النَّاس مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّه﴾ فِي السِّرّ وصدقنا بإيماننا بِاللَّه ﴿وباليوم الآخر﴾ وبالبعث بعد الْمَوْت الَّذِي فِيهِ جَزَاء الْأَعْمَال ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ فِي السِّرّ وَلَا مُصدقين فِي إِيمَانهم
﴿يُخَادِعُونَ الله﴾ يخالفون الله ويكذبونه فِي السِّرّ وَيُقَال اجترعوا على الله حَتَّى ظنُّوا أَنهم يخادعون الله ﴿وَالَّذين آمَنُواْ﴾ أَبَا بكر وَسَائِر أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ يكذبُون ﴿إِلاَّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ وَمَا يعلمُونَ أَن الله يطلع نبيه على سر قُلُوبهم
﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ شكّ ونفاق وَخلاف وظلمة ﴿فَزَادَهُم الله مَرضا﴾ شكا ونفاقا وحلافا وظلمة ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وجيع فِي لآخر يخلص وَجَعه الى قُلُوبهم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فِي السِّرّ وهم المُنَافِقُونَ عبد الله بن أبي وجد بن قيس ومعتب بن قُشَيْر
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ يَعْنِي الْيَهُود ﴿لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْض﴾ بتعويق النَّاس عَن دين مُحَمَّد ﷺ ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ لَهَا بِالطَّاعَةِ
﴿أَلا إِنَّهُم﴾ بل إِنَّهُم ﴿هُمُ المفسدون﴾ لَهَا بالتعويق ﴿وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ لَا يعلم سفلتهم أَن رؤساءهم هم الَّذين يضلونهم
﴿وَإِذا قيل لَهُم﴾ للْيَهُود ﴿آمنُوا﴾ بِمُحَمد ﵊ وَالْقُرْآن ﴿كَمَا آمن النَّاس﴾ عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه ﴿قَالُوا أنؤمن﴾ بِمُحَمد ﵊ وَالْقُرْآن ﴿كَمَآ آمَنَ السفهآء﴾ الْجُهَّال الخرقى ﴿أَلا إِنَّهُمْ﴾ بلَى إِنَّهُم ﴿هُمُ السفهآء﴾ الْجُهَّال الخرقى ﴿وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِك
﴿وَإِذَا لَقُواْ﴾ يَعْنِي الْمُنَافِقين ﴿الَّذين آمَنُواْ﴾ يَعْنِي أَبَا بكر وَأَصْحَابه ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ فِي السِّرّ وصدقنا بإيماننا كَمَا آمنتم لَهُ فِي السِّرّ وصدقتم بِهِ ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ﴾ رجعُوا ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ كهنتهم ورؤساءهم وهم خَمْسَة نفر كَعْب بن الْأَشْرَف بِالْمَدِينَةِ وَأَبُو بردة الْأَسْلَمِيّ فِي بني أسلم وَابْن السَّوْدَاء بِالشَّام وَعبد الدَّار فِي جُهَيْنَة وعَوْف بن عَامر فِي بني عَامر ﴿قَالُوا﴾ لرؤسائهم ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ على دينكُمْ فِي السِّرّ ﴿إِنَّمَا نَحن مستهزؤون﴾ بِمُحَمد ﵊ وَأَصْحَابه بِلَا إِلَه إِلَّا الله
﴿الله يستهزئ بِهِمْ﴾ فِي الْآخِرَة يَعْنِي يفتح لَهُم بَابا إِلَى الْجنَّة ثمَّ يغلق دونهم فيستهزىء بهم الْمُؤْمِنُونَ ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتركهم فِي الدُّنْيَا فِي كفرهم وضلالتهم يعمهون يمضون عمهة لَا يبصرون
﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الضَّلَالَة بِالْهدى﴾ اخْتَارُوا الْكفْر على الْإِيمَان وَبَاعُوا الْهدى بالضلالة
1 / 4
﴿فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ لم يربحوا فِي تِجَارَتهمْ بل خسروا ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ من الضَّلَالَة
﴿مثلهم﴾ مثل الْمُنَافِقين مَعَ مُحَمَّد ﷺ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي استوقد نَارًا﴾ أوقد نَارا فِي ظلمَة لكَي يَأْمَن بهَا على أَهله وَمَاله وَنَفسه ﴿فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ استضاءت وَرَأى مَا حوله وَأمن بهَا على نَفسه وَأَهله وَمَاله طفئت ناره فَكَذَلِك المُنَافِقُونَ آمنُوا بِمُحَمد ﵊ وَالْقُرْآن فَأمنُوا بِهِ على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ وأهاليهم من السَّبي وَالْقَتْل فَلَمَّا مَاتُوا ﴿ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ﴾ بِمَنْفَعَة إِيمَانهم ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فِي شَدَائِد الْقَبْر ﴿لاَّ يُبْصِرُونَ﴾ الرخَاء بعد ذَلِك وَيُقَال مثلهم أَي مثل الْيَهُود مَعَ مُحَمَّد ﷺ كَمثل رجل أَقَامَ علما فِي هزيمَة فَاجْتمع إِلَيْهِ مهزمون فقلبوا علمهمْ فَذَهَبت منفعتهم وأمنهم بِهِ كَذَلِك الْيَهُود كَانُوا يستنصرون بِمُحَمد ﷺ وَالْقُرْآن قبل خُرُوجه فَلَمَّا خرج كفرُوا بِهِ فَذهب الله بنورهم برغبة إِيمَانهم وَمَنْفَعَة إِيمَانهم لأَنهم أَرَادوا أَن يُؤمنُوا بِمُحَمد ﵊ فَلم يُؤمنُوا وتركهم فِي ظلمات فِي ضَلَالَة الْيَهُودِيَّة لَا يبصرون الْهدى
﴿صُمٌّ﴾ يتصاممون ﴿بُكْمٌ﴾ يتباكمون ﴿عُمْيٌ﴾ يتعامون ﴿فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ عَن كفرهم وضلالتهم
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء﴾ وَهَذَا مثل آخر يَقُول مثل الْمُنَافِقين وَالْيَهُود مَعَ الْقُرْآن كصيب كمطر نزل من السَّمَاء لَيْلًا على قوم فِي مفازة ﴿فِيهِ﴾ فِي اللَّيْل ﴿ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وبرق﴾ وَكَذَلِكَ الْقُرْآن نزل من الله فِيهِ ظلمات بَيَان الْفِتَن ورعد زجر وتخويف وبرق بَيَان وتبصرة ووعدًا ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِق﴾ من صَوت الرَّعْد ﴿حَذَرَ الْمَوْت﴾ مَخَافَة البوائق وَالْمَوْت كَذَلِك المُنَافِقُونَ وَالْيَهُود كَانُوا يجْعَلُونَ أَصَابِعهم فِي آذانهم من الصَّوَاعِق من بَيَان الْقُرْآن ووعده ووعيده حذر الْمَوْت مَخَافَة ميل الْقلب إِلَيْهِ ﴿وَالله مُحِيطٌ بالكافرين﴾ وَالْمُنَافِقِينَ أَي عَالم بهم وجامعهم فِي النَّار
﴿يَكَادُ الْبَرْق﴾ النَّار ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يذهب بأبصار الْكَافرين كَذَلِك الْبَيَان أَرَادَ أَن يذهب بأبصار ضلالتهم ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُمْ﴾ الْبَرْق ﴿مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ فِي ضوء الْبَرْق ﴿وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ بقوا فِي الظلمَة كَذَلِك المُنَافِقُونَ لما آمنُوا مَشوا فِيمَا بَين الْمُؤمنِينَ لأَنهم تقبل إِيمَانهم فَلَمَّا مَاتُوا بقوا فِي ظلمَة الْقَبْر ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ بالرعد ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ بالبرق كَذَلِك لَو شَاءَ الله لذهب بسمع الْمُنَافِقين وَالْيَهُود بزجر مَا فِي الْقُرْآن ووعيد مَا فِيهِ وأبصارهم بِالْبَيَانِ ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء﴾ من ذهَاب السّمع وَالْبَصَر ﴿قدير﴾
﴿يَا أَيهَا النَّاس﴾ يَا أهل مَكَّة وَيُقَال هم الْيَهُود ﴿اعبدوا رَبَّكُمُ﴾ وحدوا ربكُم ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ نسمًا من النُّطْفَة ﴿وَالَّذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ وَخلق الَّذين من قبلكُمْ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكَي تتقوا السخطة وَالْعَذَاب وتطيعوا الله
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْض فِرَاشًا﴾ بساطًا ومنامًا ﴿والسمآء بِنَآءً﴾ سقفًا مَرْفُوعا ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ مَطَرا ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ فأنبت بالمطر ﴿مِنَ الثمرات﴾ من ألوان الثمرات ﴿رِزْقًا لَّكُمْ﴾ طَعَاما لكم ولسائر الْخلق ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا﴾ فَلَا تَقولُوا لله أعدالًا وأشكالًا وأشباهًا ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أَنِّي صانع هَذِه الْأَشْيَاء وَيُقَال وَأَنْتُم تعلمُونَ فِي كتابكُمْ أَنه لَيْسَ لَهُ ولد وَلَا شَبيه وَلَا ند
﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ فِي شكّ ﴿مِّمَّا نَزَّلْنَا﴾ بِمَا نزلنَا جِبْرِيل ﴿على عَبْدِنَا﴾ مُحَمَّد أَنه يختلقه من تِلْقَاء نَفسه ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ فجيئوا بِسُورَة من مثل سُورَة الْبَقَرَة ﴿وَادعوا شُهَدَآءَكُم﴾ وَاسْتَعِينُوا بآلهتكم الَّتِي تَعْبدُونَ ﴿مِّن دُونِ الله﴾ وَيُقَال برؤسائكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فِي مَقَالَتَكُمْ
﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ﴾ وَهَذَا مقدم ومؤخر يَقُول لن تَفعلُوا أَي لن تقدروا أَن تجيئوا بِمثلِهِ فَإِن لم تَفعلُوا فَإِن لم تقدروا أَن تجيئوا ﴿فَاتَّقُوا النَّار﴾ فاخشوا النَّار إِن لم تؤمنوا ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاس﴾ حطبها الْكفَّار ﴿وَالْحِجَارَة﴾ حجارةِ الكبريت
1 / 5
﴿أُعِدَّتْ﴾ خلقت وهيئت واعتدت وقدرت ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ثمَّ ذكر كَرَامَة الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة فَقَالَ
﴿وَبشر الَّذين آمنُوا﴾ بِمُحَمد ﷺ وَالْقُرْآن ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَات﴾ الطَّاعَات فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَيُقَال الصَّالِحَات من الْأَعْمَال ﴿أَنَّ لَهُمْ﴾ بِأَن لَهُم ﴿جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا﴾ من تَحت شَجَرهَا ومساكنها ﴿الْأَنْهَار﴾ أَنهَار الْخمر وَاللَّبن وَالْعَسَل وَالْمَاء ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا﴾ كلما أطعموا فِيهَا فِي الْجنَّة ﴿مِن ثَمَرَةٍ﴾ من ألوان الثمرات ﴿رِّزْقًا﴾ طَعَاما ﴿قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ أطعمنَا من قبل هَذَا ﴿وَأُتُواْ بِهِ﴾ جيئوا بِهِ بِالطَّعَامِ ﴿مُتَشَابِهًا﴾ فِي اللَّوْن مُخْتَلفا فِي الطّعْم ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ﴾ فِي الْجنَّة ﴿أَزْوَاجٌ﴾ جوَار ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾ مهذبة من الْحيض والأدناس ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾ فِي الْجنَّة ﴿خَالِدُونَ﴾ دائمون لَا يموتون وَلَا يخرجُون
ثمَّ ذكر إِنْكَار الْيَهُود لأمثال الْقُرْآن فَقَالَ ﴿إِن الله لَا يستحيي﴾ لَا يتْرك وَكَيف يستحيي من ذكر شَيْء لَو اجْتمع الْخَلَائق كلهم على تخليقه مَا قدرُوا عَلَيْهِ وَلَا يمنعهُ الْحيَاء ﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ أَن يبين لِلْخلقِ مثلا ﴿مَّا بَعُوضَةً﴾ فِي بعوضة ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فَكيف مَا فَوْقهَا يَعْنِي الذُّبَاب وَالْعَنْكَبُوت وَيُقَال مَا دونهَا ﴿فَأَمَّا الَّذين آمَنُواْ﴾ بِمُحَمد وَالْقُرْآن ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ يَعْنِي الْمثل ﴿الْحق﴾ أَي هُوَ الْحق ﴿مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذين كَفَرُواْ﴾ بِمُحَمد وَالْقُرْآن ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بِهَذَا مَثَلًا﴾ أَي بِهَذَا الْمثل قل يَا مُحَمَّد إِن الله أَرَادَ بِهَذَا الْمثل أَنه ﴿يضل بِهِ كثيرا﴾ من الْيَهُود عَن الدّين ﴿وَيهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ من الْمُؤمنِينَ ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ﴾ بِالْمثلِ ﴿إِلاَّ الْفَاسِقين﴾ الْيَهُود
﴿الَّذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله﴾ فِي هَذَا النَّبِي ﷺ ﴿مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ تغليظه وتشديده وتأكيده ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ﴾ من الْإِيمَان والأرحام ﴿أَن يُوصَلَ﴾ بِمُحَمد ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْض﴾ بتعويق النَّاس عَن مُحَمَّد ﷺ وَالْقُرْآن ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسرون﴾ المغبونون بذهاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّه﴾ على وَجه التعجيب ﴿وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا﴾ نطفًا فِي أصلاب آبائكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ فِي أَرْحَام أُمَّهَاتكُم ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عِنْد انْقِطَاع آجالكم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فِي الْآخِرَة فيجزيكم بأعمالكم
ثمَّ ذكر منته عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ سخر لكم ﴿مَّا فِي الأَرْض﴾ من الدَّوَابّ والنبات وَغير ذَلِك ﴿جَمِيعًا﴾ منَّة مِنْهُ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السمآء﴾ أَي ثمَّ عمد إِلَى خلق السَّمَاء ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ فجعلهن ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مستويات على الأَرْض ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ﴿عَلِيمٌ﴾
ثمَّ ذكر قصَّة الْمَلَائِكَة الَّذين أمروا بِالسُّجُود لآدَم فَقَالَ ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ وَقد قَالَ ﴿رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ الَّذين كَانُوا فِي الأَرْض ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾ خَالق أخلق ﴿فِي الأَرْض﴾ من الأَرْض ﴿خَلِيفَةً﴾ بَدَلا مِنْكُم ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أتخلق فِيهَا ﴿مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بِالْمَعَاصِي ﴿وَيَسْفِكُ الدمآء﴾ بالظلم ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ نصلي لَك بِأَمْرك
1 / 6
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ونذكرك بِالطَّهَارَةِ ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ﴾ مَا يكون من ذَلِك الْخَلِيفَة ﴿مَا لاَ تعلمُونَ﴾
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ أَسمَاء الذُّرِّيَّة وَيُقَال أَسمَاء الدَّوَابّ وَغير ذَلِك حَتَّى الْقَصعَة والقصيعة والسكرجة ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ على مَذْهَب الشخوص ﴿عَلَى الْمَلَائِكَة﴾ الَّذين أمروا بِالسُّجُود ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾ أخبروني ﴿بِأَسْمَآءِ هَؤُلَاءِ﴾ الْخلق والذرية ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ فِي مَقَالَتَكُمْ الأولى
﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ﴾ تبنا إِلَيْك من ذَلِك ﴿لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ﴾ ألهمتنا ﴿إِنَّكَ أَنْت الْعَلِيم﴾ بقلوبهم ﴿الْحَكِيم﴾ بأمرنا وبأمرهم
﴿قَالَ يَا آدم أَنبِئْهُمْ﴾ أخْبرهُم ﴿بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ﴾ أخْبرهُم ﴿بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ غيب مَا يكون فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ مَا تظْهرُونَ لربكم من الطَّاعَة لآدَم ﴿وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ مِنْهُ وَيُقَال مَا ابدىء لَهُم إِبْلِيس وَمَا كُنْتُم مِنْهُم
﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وَقد قُلْنَا ﴿لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لآدَمَ﴾ سَجْدَة التَّحِيَّة ﴿فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى﴾ عَن أَمر الله ﴿واستكبر﴾ تعاظم عَن السُّجُود لآدَم ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافرين﴾ بعد وَصَارَ من الْكَافرين بآبائه عَن أَمر الله وَيُقَال وَكَانَ فِي علم الله أَنه يصير من الْكَافرين وَيُقَال كَانَ من أول الْكَافرين
ثمَّ ذكر قصَّة آدم وحواء فَقَالَ ﴿وَقُلْنَا يَا آدم اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجنَّة﴾ ادخل أَنْت وحواء الْجنَّة ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا﴾ موسعًا عَلَيْكُمَا ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ وَمَتى شئتما ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِه الشَّجَرَة﴾ لَا تأكلا من هَذِه الشَّجَرَة شَجَرَة الْعلم عَلَيْهَا من كل لون وفن ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمين﴾ فتصيرا من الضارين لأنفسكما
﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ فاستزلهما ﴿الشَّيْطَان عَنْهَا﴾ عَن الْجنَّة ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ من الرغد ﴿وَقُلْنَا﴾ لآدَم وحواء وَطَاوُس وحية وإبليس ﴿اهبطوا﴾ انزلوا إِلَى الأَرْض ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْض مُسْتَقَرٌّ﴾ منزل ﴿وَمَتَاعٌ﴾ مَنْفَعَة ومعاش ﴿إِلَى حِينٍ﴾ إِلَى حِين الْمَوْت
﴿فَتلقى آدَمُ مِن رَّبِّهِ﴾ حفظ آدم من ربه وَيُقَال لقن فتلقن وألهم فتلهم ﴿كَلِمَاتٍ﴾ لكَي تكون سَببا لَهُ ولأولاده إِلَى التَّوْبَة ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فَتَجَاوز عَنهُ ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب﴾ المتجاوز ﴿الرَّحِيم﴾ لمن مَاتَ على التَّوْبَة
﴿قُلْنَا﴾ لآدَم وحواء وحية وَطَاوُس وإبليس ﴿اهبطوا مِنْهَا﴾ من السَّمَاء ﴿جَمِيعًا﴾ ثمَّ ذكر ذُرِّيَّة آدم فَقَالَ ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم﴾ فَلَمَّا يَأْتينكُمْ وَحين يَأْتينكُمْ وَكلما يَأْتينكُمْ ﴿مِّنِّي هُدًى﴾ كتاب وَرَسُول ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ الْكتاب وَالرَّسُول ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم﴾ فِيمَا يستقبلهم من الْعَذَاب ﴿وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ على مَا خلفوا من خَلفهم وَيُقَال بِلَا خوف عَلَيْهِم بالدوام وَلَا هم يَحْزَنُونَ بالدوام وَيُقَال فَلَا خوف عَلَيْهِم إِذا ذبح الْمَوْت وَلَا هم يَحْزَنُونَ إِذا أطبقت النَّار
﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بآياتنآ﴾ بِالْكتاب وَالرَّسُول
1 / 7
﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار﴾ أهل النَّار ﴿هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ فِي النَّار دائمون لَا يموتون وَلَا يخرجُون
ثمَّ ذكر منته على بني إِسْرَائِيل فَقَالَ ﴿يَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ يَا أَوْلَاد يَعْقُوب ﴿اذْكروا نِعْمَتِيَ﴾ اشكروا واحفظوا منتي ﴿الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ منت عَلَيْكُم بِالْكتاب وَالرَّسُول والنجاة من فِرْعَوْن وَالْغَرق والمن والسلوى وَغير ذَلِك ﴿وأوفوا بعهدي﴾ أَتموا عهدي فِي هَذَا النَّبِي ﷺ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أدخلكم الْجنَّة ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾ فخافوني فِي نقض الْعَهْد وَلَا تخافوا غَيْرِي
﴿وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ﴾ جِبْرِيل بِهِ ﴿مُصَدِّقًا﴾ مُوَافقا بِالتَّوْحِيدِ وَصفَة مُحَمَّد ﷺ ونعته وَبَعض الشَّرَائِع ﴿لِّمَا مَعَكُمْ﴾ من الْكتاب ﴿وَلَا تَكُونُوا أول كَافِر بِهِ﴾ بِمُحَمد ﷺ وَالْقُرْآن ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي﴾ بكتمان صفة مُحَمَّد ونعته ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ عوضا يَسِيرا من المأكلة ﴿وإياي فاتقون﴾ فخافوني فِي هَذَا النَّبِي ﷺ
﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ﴾ وَلَا تخلطوا الْبَاطِل بِالْحَقِّ صفة الدَّجَّال بِصفة مُحَمَّد ﷺ ﴿وَتَكْتُمُواْ الْحق﴾ وَلَا تكتموا الْحق ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بكتمانه
ثمَّ ذكر لُزُوم الشَّرَائِع عَلَيْهِم بعد الْإِيمَان فَقَالَ ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاة﴾ أَتموا الصَّلَوَات الْخمس ﴿وَآتُواْ الزَّكَاة﴾ أعْطوا زَكَاة أَمْوَالكُم ﴿واركعوا مَعَ الراكعين﴾ صلوا الصَّلَوَات الْخمس مَعَ مُحَمَّد ﷺ وَأَصْحَابه فِي الْجَمَاعَة
ثمَّ ذكر قصَّة رُؤَسَاء الْيَهُود فَقَالَ ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاس﴾ سفلَة النَّاس بِالْبرِّ بِالتَّوْحِيدِ وَاتِّبَاع مُحَمَّد ﷺ ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تتركون أَنفسكُم فَلَا تتبعونه ﴿وَأَنْتُمْ تتلون﴾ تقرءون ﴿الْكتاب﴾ عَلَيْهِم ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ فَلَيْسَ لكم ذهن الإنسانية
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ﴾ على أَدَاء فَرَائض الله وَترك الْمعاصِي ﴿وَالصَّلَاة﴾ وبكثرة الصَّلَاة على تمحيص الذُّنُوب ﴿وَإِنَّهَا﴾ يَعْنِي الصَّلَاة ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لثقيلة ﴿إِلاَّ عَلَى الخاشعين﴾ المتواضعين
﴿الَّذين يظنون﴾ يعلمُونَ ويستيقنون ﴿إِنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ﴾ معاينو رَبهم ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ بعد الْمَوْت
ثمَّ ذكر أَيْضا منته على بني إِسْرَائِيل فَقَالَ ﴿يَا بني إِسْرَائِيل﴾ يَا أَوْلَاد يَعْقُوب ﴿اذْكروا نعمتي﴾ احْفَظُوا منتي ﴿الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم﴾ مننت عَلَيْكُم ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ بِالْكتاب وَالرَّسُول وَالْإِسْلَام ﴿عَلَى الْعَالمين﴾ على عالمي زمانكم
﴿وَاتَّقوا يَوْمًا﴾ واخشوا عَذَاب يَوْم إِن لم تؤمنوا وتتوبوا من الْيَهُودِيَّة ﴿لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا﴾ لَا تغني نفس كَافِرَة عَن نفس كَافِرَة من عَذَاب الله شَيْئا ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ لَا يشفع لَهَا شَافِع ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ﴾ لَا يقبل ﴿مِنْهَا عَدْلٌ﴾ فدَاء ﴿وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمْنَعُونَ من عَذَاب الله
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من فِرْعَوْن وَقَومه ﴿يسومونكم سوء الْعَذَاب﴾ يعذبونكم بأشد الْعَذَاب ثمَّ ذكر عَذَابه عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ صغَارًا ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾ يستخدمون ﴿نِسَآءَكُمْ﴾ كبارًا ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بلَاء﴾ بلية ﴿مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ عَظِيمَة وَيُقَال نقمة من ربكُم عَظِيمَة
ثمَّ ذكر منَّة النجَاة من الْغَرق وغرق فِرْعَوْن وَقَومه فَقَالَ ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾ فلقنا ﴿بِكُمُ الْبَحْر فَأَنجَيْنَاكُمْ﴾
1 / 8
من الْغَرق ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ وَقَومه ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ إِلَيْهِم بعد ثَلَاثَة أَيَّام
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾ وَقد واعدنا ﴿مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ بِإِعْطَاء الْكتاب ﴿ثُمَّ اتخذتم الْعجل﴾ عَبدْتُمْ الْعجل ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ من بعد انطلاقه إِلَى الْجَبَل ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ ضارون
﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم﴾ تركناكم وَلم نستأصلكم ﴿مِّن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ من بعد عبادتكم الْعجل ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ لكَي تشكرو عفوي
﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ أعطينا مُوسَى التَّوْرَاة ﴿وَالْفرْقَان﴾ يَعْنِي بَينا فِيهَا الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَمر وَالنَّهْي وَغير ذَلِك وَيُقَال النُّصْرَة والدولة على فِرْعَوْن ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ لكَي تهتدوا من الضَّلَالَة
ثمَّ ذكر قصَّة مُوسَى مَعَ قومه فَقَالَ ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم﴾ ضررتم أَنفسكُم ﴿باتخاذكم الْعجل﴾ بعبادتكم الْعجل فَقَالُوا لمُوسَى فبماذا تَأْمُرنَا فَقَالَ لَهُم ﴿فتوبوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ إِلَى خالقكم قَالُوا كَيفَ نتوب فَقَالَ لَهُم ﴿فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ فليقتل الَّذِي لم يعبد الْعجل الَّذِي عَبده ﴿ذَلِكُمْ﴾ التَّوْبَة وَالْقَتْل خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ خالقكم فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَتَجَاوز عَنْكُم ﴿إِنَّهُ هُوَ التواب﴾ المتجاوز لمن تَابَ ﴿الرَّحِيم﴾ على من مَاتَ على التَّوْبَة
﴿وَإِذ قُلْتُمْ﴾ وَقد قُلْتُمْ ﴿يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ لن نصدقك فِيمَا تَقول ﴿حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ مُعَاينَة كَمَا رَأَيْت ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ فأحرقتكم النَّار ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ إِلَيْهَا
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم﴾ أحييناكم ﴿مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ حرقكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لكَي تشكروا إحيائي
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَام﴾ فِي التيه ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنّ والسلوى﴾ فِي التيه ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ﴾ حلالات ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أعطيناكم وَلَا تَرفعُوا لغد فَرفعُوا ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ وَمَا نقصونا بِمَا رفعوا ﴿وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ يضرون
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة﴾ قَرْيَة أرِيحَا ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وَمَتى مَا شِئْتُم ﴿رَغَدًا﴾ موسعًا عَلَيْكُم ﴿وادخلوا الْبَاب سُجَّدًا﴾ ركعا ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ أَن تحط عَنَّا خطايانا وَيُقَال لَا إِلَه إِلَّا الله ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ فِي حسناتهم
﴿فَبَدَّلَ الَّذين ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم وهم أَصْحَاب الحطة ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ أَمر لَهُم فَقَالُوا حِنْطَة شمقاتًا يَعْنِي الْحِنْطَة الْحَمْرَاء ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذين ظَلَمُواْ﴾ غيروا القَوْل وهم أَصْحَاب الحطة ﴿رِجْزًا﴾ طاعونًا ﴿مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ يغيرون مَا أمروا بِهِ
1 / 9
﴿وَإِذِ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ فِي التيه ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحجر﴾ الَّذِي مَعَك وَكَانَ حجرا أعطَاهُ الله إِيَّاه عَلَيْهِ اثْنَا عشر ثديًا كثدي الْمَرْأَة يخرج من كل ثدي نهر إِذا ضرب عَصَاهُ عَلَيْهِ ﴿فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ نَهرا ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ سبط ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ من نهرهم قَالَ الله لَهُم ﴿كُلُواْ﴾ من الْمَنّ والسلوى ﴿وَاشْرَبُوا﴾ من الْأَنْهَار كلهَا ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ لكم ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْض مُفْسِدِينَ﴾ وَلَا تَمْشُوا فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ وَخلاف أَمر مُوسَى
﴿وَإِذ قُلْتُمْ﴾ وَقد قُلْتُمْ ﴿يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ على أكل طَعَام وَاحِد الْمَنّ والسلوى ﴿فَادع﴾ أَي اسْأَل ﴿لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْض﴾ مِمَّا تخرج الأَرْض ﴿مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا﴾ أَي ثومها ﴿وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ﴾ لَهُم مُوسَى ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أدنى﴾ أردأ الثوم والبصل ﴿بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ أفضل وأشرف الْمَنّ والسلوى أَي تسْأَلُون الَّذِي هُوَ الرَّدِيء وتتركون الَّذِي هُوَ الشريف ﴿اهبطوا مِصْرًا﴾ الَّذِي خَرجْتُمْ مِنْهُ وَيُقَال مصرا من الْأَمْصَار ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُم﴾ فَأن ماسألتم لكم ثمَّ ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة﴾ جعلت عَلَيْهِم المذلة بالجزية ﴿والمسكنة﴾ زِيّ الْفقر ﴿وباؤوا بِغَضَبٍ﴾ استوجبوا للعنة ﴿مِّنَ الله ذَلِكَ﴾ اللَّعْنَة والذلة والمسكنة ﴿ذَلِك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله﴾ يجحدون بِمُحَمد ﷺ وَالْقُرْآن ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيين بِغَيْرِ الْحق﴾ بِغَيْر حق وَلَا جرم ﴿ذَلِك﴾ الْغَضَب ﴿بِمَا عَصَواْ﴾ لله فِي السبت ﴿وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ بقتل الْأَنْبِيَاء وَاسْتِحْلَال الْمعاصِي
ثمَّ ذكر الَّذين آمنُوا مِنْهُم فَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذين آمَنُواْ﴾ بمُوسَى وَسَائِر الْأَنْبِيَاء لَهُمْ أَجْرَهُمْ وثوابهم عِنْد رَبهم فِي الْجنَّة وَلَا خوف عَلَيْهِم بالدوام وَلا هُمْ يَحْزَنُون بالدوام وَيُقَال وَلَا خوف عَلَيْهِم فِيمَا يستقبلهم من الْعَذَاب وَلَا هم يَحْزَنُونَ على مَا خلفوا من خَلفهم وَيُقَال وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ إِذا ذبح الْمَوْت وَلاَ هم يَحْزَنُونَ إِذا أطبقت النَّار ثمَّ ذكر الَّذين لم يُؤمنُوا بمُوسَى وَسَائِر الْأَنْبِيَاء يُقَال ﴿وَالَّذين هَادُواْ﴾ مالوا عَن دين مُوسَى وهم الْيَهُود الَّذين تهودوا ﴿وَالنَّصَارَى﴾ الَّذين تنصرُوا ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قوم من النَّصَارَى يحلقون وسط رؤوسهم ويقرءون الزبُور ويعبدون الْمَلَائِكَة يَقُولُونَ صَبَأت قُلُوبنَا أَي رجعت قُلُوبنَا إِلَى الله ﴿مَنْ آمَنَ﴾ مِنْهُم ﴿بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثوابهم أَيْضا ﴿عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
! ثمَّ ذكر أَخذ الْمِيثَاق عَلَيْهِم فَقَالَ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ وَقد أَخذنَا إقراركم ﴿وَرَفَعْنَا﴾ قلعنا وحبسنا ﴿فَوْقَكُمُ﴾ فَوق رؤوسكم ﴿الطّور﴾ الْجَبَل بِأخذ الْمِيثَاق ﴿خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم﴾ اعْمَلُوا بِمَا أعطيناكم من الْكتاب ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد ومواظبة النَّفس ﴿واذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ من الثَّوَاب وَالْعِقَاب واحفظوا مَا فِيهِ من الْحَلَال وَالْحرَام ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لكَي تتقوا من السخط وَالْعَذَاب وتطيعوا الله
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتم عَن الْمِيثَاق ﴿مِّن بَعْدِ ذَلِك فَلَوْلاَ فَضْلُ الله﴾ من الله ﴿عَلَيْكُمْ﴾ بِتَأْخِير الْعَذَاب ﴿وَرَحمته﴾ بارسال مُحَمَّد ﷺ إِلَيْكُم ﴿لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين﴾ لصرتم من المغبونين بالعقوبة
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ عَرَفْتُمْ وسمعتم عُقُوبَة ﴿الَّذين اعتدوا مِنْكُمْ﴾ بِأخذ الْمِيثَاق ﴿فِي السبت﴾ يَوْم السبت فِي زمن دَاوُد ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾
1 / 10
صيروا قردة ذليلين صاغرين
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ قردة ﴿نَكَالًا﴾ عُقُوبَة ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ لما قبلهَا من الذُّنُوب ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ ولكي يَكُونُوا عِبْرَة لمن خَلفهم لكَي لَا يقتدوا بهم ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ عظة ونهيًا لِلْمُتقين لمُحَمد ﷺ وَأَصْحَابه
ثمَّ ذكر قصَّة الْبَقَرَة فَقَالَ ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ وَقد قَالَ ﴿مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ من البقور ﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هزوا﴾ أتستهزى بِنَا يَا مُوسَى قَالَ مُوسَى ﴿أَعُوذُ بِاللَّه﴾ أمتنع بِاللَّه ﴿أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلين﴾ من الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا علمُوا أَنه صَادِق
﴿قَالُواْ ادْع لَنَا رَبَّكَ﴾ سل لنا رَبك ﴿يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ﴾ صَغِيرَة أَو كَبِيرَة هِيَ قَالَ مُوسَى ﴿إِنَّهُ يَقُولُ﴾ أَي يَقُول الله ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ﴾ لَا كَبِيرَة ﴿وَلاَ بِكْرٌ﴾ وَلَا صَغِيرَة ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِك﴾ نصف أَي وسط بَين الصَّغِير وَالْكَبِير ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ وَلَا تسألوا
﴿قَالُواْ ادْع لَنَا رَبَّكَ﴾ سل لنا رَبك ﴿يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا﴾ مَا لون الْبَقَرَة ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ﴾ الظلْف والقرن سَوْدَاء الْبدن ﴿فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ صَاف لَوْنهَا ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ تعجب الناظرين إِلَيْهَا
﴿قَالُواْ ادْع لَنَا رَبَّكَ﴾ سل لنا رَبك يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ عاملة هِيَ أم لَا ﴿إِنَّ الْبَقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ تشاكل علينا ﴿وَإِنَّآ إِن شَآءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ إِلَى وصفهَا وَيُقَال إِلَى قَاتل عاميل
﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ﴾ لَا مذللة ﴿تُثِيرُ الأَرْض﴾ تحرث الأَرْض ﴿وَلاَ تَسْقِي الْحَرْث﴾ لَا يستسقى عَلَيْهَا بالسواقي الْحَرْث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ من كل عيب ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ لَا وضح فِيهَا وَلَا بَيَاض ﴿قَالُواْ الْآن جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ الْآن تبين لنا الصّفة فطلبوها واشتروها بملء مسكها ذَهَبا ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ فِي بَدْء الْأَمر وَيُقَال من غلاء ثمنهَا
ثمَّ ذكر الْمَقْتُول فَقَالَ ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ عاميل ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ فاختلفتم فِي قَتلهَا ﴿وَالله مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ من قَتلهَا
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ﴾ عَنى الْمَقْتُول ﴿بِبَعْضِهَا﴾ أَي بعضو من أعضائها وَيُقَال بذنبها وَيُقَال بلسانها ﴿كَذَلِكَ﴾ كَمَا أَحْيَا الله عاميل ﴿يُحْيِي الله الْمَوْتَى﴾ للبعث ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ إحياءه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكَي تصدقوا بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت
﴿ثُمَّ قَسَتْ﴾ جَفتْ ويبست ﴿قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِك﴾ من بعد إحْيَاء عاميل وإعلامكم قَاتله ﴿فَهِيَ كالحجارة﴾ فِي الشدَّة ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بل أَشد قسوة ثمَّ عذر الْحِجَارَة وَذكر مَنْفَعَتهَا وَعَابَ على الْقُلُوب قَالَ ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَة﴾ حِجَارَة ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ﴾ يخرج ﴿مِنْهُ الْأَنْهَار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ﴾ يَقُول يتصدع ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ يَقُول يتدحرج من أَعلَى الْجَبَل إِلَى أَسْفَله ﴿مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ وقلوبكم لَا تتحرك من خوف الله ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ﴾ بتارك عُقُوبَة ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من الْمعاصِي وَيُقَال مَا تكتمون من الْمعاصِي
1 / 11