ويجري ابن مسكويه - وغيره من مفكري العرب أجمعين - على نسق اليونان، فيحلل النفس الإنسانية تحليلا يردها إلى قوى ثلاث، ففيها الشهوة إلى إشباع حاجات للبدن، وفيها الغضب الذي يستثار دفاعا عن النفس، وفيها العقل، ولكل من هذه القوى فضيلته ورذيلته، فالفضيلة في الاشتهاء هي العفة وضدها هو الشره، والفضيلة في الغضب هي الشجاعة وضدها هو الجبن، والفضيلة في العقل هي الحكمة وضدها هو الجهل، وإذا اجتمعت هذه الفضائل الثلاث كان من اجتماعها فضيلة رابعة هي العدل. على أن القوى الثلاث التي ذكرناها، ليست كلها على درجة واحدة، بل فيها ما هو أعلى وما هو أدنى، والعقل أعلاها، وهو الذي من شأنه أن يلجم الغضب وأن يحد من الشهوة، ليقف كلا منهما عند الدرجة التي ترضاها الحكمة، كأنه هو القائد في مركبة يجرها جوادان - إذا استخدمنا التشبيه المعروف الذي صور به أفلاطون حقيقة الإنسان في حالة كماله - فهو يسوس الجوادين بالزمام في يده ليضمن للعربة اعتدال السير.
وإن الناس ليتفاوتون في الطرق التي يسوسون بها حياتهم وفق حكمة العقل، تفاوتا ليس له نظير في أفراد نوع آخر؛ لأن سائر ضروب الكائنات الحية تسير على قوانين طبائعها، ليس لها في ذلك اختيار فلا فرق يذكر بين نمر ونمر ولا بين قط وقط إذا ترك وطبيعته، أما الإنسان ففي فطرته أن يختار؛ ولذا فمن واجبه أن يكون مسئولا عن اختياره. ومن هنا جاء التفاوت الفسيح بين إنسان وإنسان في مقدار احتكامه للعقل حين يختار. ويذكر لنا ابن مسكويه في هذا السياق حديثا شريفا: «ليس شيء خيرا من ألف مثله إلا الإنسان.» كما يذكر كذلك هذا البيت من الشعر:
ولم أر أمثال الرجال تفاوتا
إلى المجد، حتى عد ألف بواحد
على أنني أحب ألا أمضي بالحديث عند هذه النقطة، دون أن أنبه القارئ إلى فكرة هامة، لو أفلتت من أيدينا فقد أفلت ركن ركين في بنية الفكر العربي، ألا وهي أنهم - أعني أسلافنا من مفكري العرب - لم يتصوروا قط أن يقتصر الإنسان على حكمة العقل دون أن يمدها إلى فعل يؤديه بناء عليها، فلا يكون العلم علما عندهم إلا إذا أعقبه العمل على أساسه.
وفي ظني أن هذه الإضافة جاءت لتميز المفكر العربي من سلفه اليوناني، برغم اشتراكهما في الطريقة التي حللوا بها النفس الإنسانية، «فالقوة العالمة» - على تعبيرهم - التي تتمثل فيما نحصله من معارف وعلوم، تكملها «القوة العاملة» التي تتمثل في تنظيم أمور الحياة وترتيبها.
وعلى هذا الضوء نستطيع أن نفهم ابن مسكويه حين يقول: «إن ما يختص به الإنسان من حيث هو إنسان، وبه تتم إنسانيته وفصائله هو الأمور الإرادية.» كما نفهمه كذلك حين يحدد الخير بأنه «فعل» ما قصد به من وجود الإنسان، ويحدد الشر بأنه هو ما يعوق ذلك الفعل. وتطبيقا لهذه القاعدة لا يكون الخير أبدا فيمن «يتأمل» وهو ساكن، بل لا يكون الخير أبدا فيمن يملأ رأسه بثقافات الأولين والآخرين، ثم لا فعل بعد ذلك يؤديه على ضوء ما قد عرف. •••
وننتقل إلى علم آخر من أعلام الفكر العربي - هو الإمام الغزالي - لنجده يشارك في الأسس نفسها وفي الروح نفسها، فأول ما يلفت أنظارنا في هذا الصدد عنده، أن له لكتابين، أراد بكل منهما أن يكون قسيما للآخر كأنما أراد أن يعلن بألا حياة على أي درجة من الكمال إلا إذا اجتمع فيها قسط من ذينك القسيمين. وأما الكتابان اللذان أعنيهما فهما «معيار العلم» و«ميزان العمل»، ففي الكتاب الأول يضع للعلم حدوده ويقيم له الأسس التي تضمن له الصواب، وفي الكتاب الثاني يبين كيف يجيء العمل وفق ذلك العلم.
ويرى الغزالي - كغيره من المفكرين العرب - أن صورة الإنسان الكامل لا تتحقق لنا إلا إذا حللنا النفس الإنسانية أولا، فتراه يهيب بالباحث أن يعرف نفسه كأنه في ذلك سقراط، فيقول: اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربك. كما يروي في هذا السياق حديثا شريفا: «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه .» ثم يقرر لنا في السياق نفسه أن معرفة النفس ومعرفة الله أمران متلازمان: «ومن رحمة الله على عباده أن جمع في شخص الإنسان على صغر حجمه من العجائب ما يكاد بوصفه يوازي عجائب كل العالم، حتى كأنه نسخة مختصرة من هيئة العالم، ليتوصل الإنسان بالتفكير فيها إلى العلم بالله.»
لكنه إذ يحلل النفس إلى قواها، يأخذ بالتحليل نفسه الذي نقل إليهم عن اليونان، وهو أن يجعل فيها شهوة تطلب اللذة، وغضبا يطلب الغلبة، ثم عقلا يسوس السير ويضبط الخطى. فإذا أراد ذكر الفضائل جعلها أربعة، فالحكمة فضيلة القوة العقلية، والشجاعة فضيلة القوة الغضبية، والعفة فضيلة القوة الشهوانية، ومن توافر هذه الفضائل الثلاث تنشأ الفضيلة الرابعة وهي العدالة ... هذا، ولم يدع الغزالي موضعا في كتابه إلا وأعاد فيه القول بضرورة أن يجيء «العمل» لاحقا ضروريا «للعلم» الذي تدركه القوة المفكرة، وإن يكن يجعل لهذين اللفظين معنى خاصا، فالعلم - عنده - هو علم بالإلهيات، والعمل - عنده - هو العبادة وفق ذلك العلم، لكن تحديده لهذه المعاني لا ينفي بنية الإطار الفكري الذي نتحدث عنه، وهو تصور الموقف مرتكزا على قطبين، هما العلم من ناحية وتطبيقه من ناحية أخرى، كائنا ما كان المعنى الذي يعطيه المفكر للعلم والمعنى الذي يحدد به نوع العمل. •••
نامعلوم صفحہ