ويعني ذلك ما إذا كانت أوضاعها قابلة للتعليل أو غير قابلة، بحيث يكون علينا أن نأخذ هذه الأوضاع بغير تعليل كما نأخذ - مثلا - عدد الركعات في الصلاة، ثم يجيب قائلا: «اعلم أن علل النحويين ... أقرب إلى علل المتكلمين، منها إلى علل المتفقهين.» ومن هذا المبدأ ينطلق باحثا فاحصا معللا بالمنطق لا بالنقل والتقليد، فلماذا - مثلا - رفع الفاعل ونصب المفعول؟ لأن «الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد، وقد يكون له مفعولات كثيرة، فرفع العلة لقلته، ونصب المفعول لكثرته. وذلك ليقل في كلامهم مما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون» (ج1، ص69). وهو يبين أن الضمة والواو ثقيلتان على لسان العربي، والفتحة والألف خفيفتان عليه ج1، ص69).
ولماذا يكثر الأصل الثلاثي في اللغة العربية، دون الرباعي والخماسي؟ الجواب هو: «لأنه حرف يبتدأ به، وحرف يحشى به، وحرف يوقف عليه، وليس اعتدال الثلاثي لقلة حروفه حسب، لو كان كذلك لكان الثنائي أكثر منه؛ لأنه أقل حروفا، وليس الأمر كذلك ... وأقل منه (من الثنائي) ما جاء في حرف واحد ... فتمكن الثلاثي إنما هو لقلة حروفه - لعمري - ولشيء آخر، وهو حجز الحشو الذي هو عينه، بين فائه ولامه، وذلك لتباينهما ولتعادي حاليهما، ألا ترى أن المبتدأ لا يكون إلا متحركا، وأن الموقوف عليه لا يكون إلا ساكنا؟ فلما تنافرت حالاهما، وسطوا العين حاجزا بينهما، لئلا يفجئوا الحس بضد ما كان آخذا فيه» (ج1، ص55-56).
ومما هو أدخل في باب العقل، عند النظر إلى اللغة العربية وخصائصها المميزة، ركونها إلى المقاييس المعنوية أكثر مما تركن إلى المقاييس اللفظية (الخصائص، ج1، ص109)، وأنهم عند اختلاف الرأي ليستمعون إلى البرهان المنطقي الأقوى، حتى ولو خالف ذلك ما أجمع الناس عليه، حتى لو لم يأت ذلك على لسان إمام من أئمة اللغة الأسبقين. أما الناس فقد «يجتمعون على الخطأ» (ج1، ص189)، وأما عن الأئمة كالخليل وأبي عمرو بن العلاء، فكل من اهتدى إلى علة منطقية صحيحة، والتمس في تدليله نهجا قويما «كان خليل نفسه، وأبا عمرو فكره» (ص190). أعني أنه يوضع في الإمامة لنفسه موضع الخليل وأبي عمره، وليس لأحد أن يحتج على صاحب الدليل العقلي، بأنه إنما أقام دليله على شيء لم يعرف له نظير فيما قاله العربي؛ لأنه «إذا دل الدليل ، فإنه لا يجب إيجاد النظير ... لأن إيجاد النظير بعد قيام الدليل إنما هو للأنس به لا للحاجة إليه، فأما إن لم يقم دليل، فإنك محتاج إلى إيجاد النظير» (ص197).
وأستطيع أن أستطرد إلى ما شاء الله في بيان أن فقهاء اللغة العربية قد حاولوا أن يجدوا لأوضاع اللغة وقواعدها مبادئ عقلية تفسرها، وليس المهم في ذلك أن يوفقوا هنا وأن يخفقوا هناك، بل المهم هو أنهم قد اختاروا الوقفة العقلية المنطقية.
وإذا كانت تلك هي عقلانية العربي القديم فيما لم يكن يلزمه بالنظر العقلي، فمن باب أولى أن نجد هذه الوقفة أوضح وأجل فيما يستوجب عقلانية النظر، كعلم الكلام، والفلسفة، فضلا عن العلوم، رياضية كانت أو طبيعية، مما نشير إليه هذه الإشارة العابرة ولا نطيل الوقوف. •••
ونعود إلى ما بدأنا به، وهو محاولة الجواب عن سؤال طرحناه: كيف يتاح للعربي المعاصر أن يتابع السير على طريق العربي القديم، لتجيء عصريته عصرية وعربية معا؟ والإجابة المقترحة هنا هي: أن يكون ذلك باتخاذ الوقفة نفسها التي وقفها سلفه، لينظر إلى الأمور بالعين نفسها، ألا وهي عين «العقل» ومنطقة دون الحاجة إلى إعادة المشكلات القديمة بذاتها، ولا إلى الاكتفاء بالتراث القديم لذاته. فإذا كانت قد عرضت للأقدمين - مثلا - مسألة «الكبائر» ومرتكبيها، أيعدون كفارا لارتكابهم تلك الكبائر، أم يظلون على إيمانهم برغم ما اقترفوا؟ وذلك بمناسبة موقف الخوارج من جهة، وموقف المرجئة من جهة أخرى، حيال من أخذوا بالتحكيم بين علي ومعاوية، ثم إذا كان المعتزلي واصل بن عطاء قد اختار لهذه المسألة موقف العقل المتروي، قائلا إن مرتكب الذنب الكبير ليس كافرا - كما يقول عنه الخوارج - ولا هو مؤمن - كما يقول عنه المرجئة - ولكنه في منزلة بين المنزلتين، فلا هو مؤمن مطلق، ولا كافر مطلق، وتعليل ذلك عنده هو أن الإيمان مجموعة كبيرة من الصفات، فإذا ارتكب المؤمن ذنبا في إحداها، وبقيت له سائرها، فإنما يكون إيمانه قد نقص ولم يرتفع عنه ارتفاعا كاملا ... فهل يجوز للعربي المعاصر أن يقف من الأمر عند تلاوة هذا الخبر مرة ومرة وألف مرة، ليزعم أنه بذلك يحيي التراث؟ كلا، بل الإحياء الصحيح هو أن يأخذ العربي المعاصر من موقف العربي القديم صورته لا مادته، فيأخذ مثل هذه الوقفة العاقلة المتزنة المتوسطة بين تطرفين، ليطبقها بعد ذلك فيما يعرض له هو من مشكلات عصره، كمشكلة الفرد والجماعة - مثلا - أنجعل الفرد محورا أولا وآخرا لنضمن له حريته، أم نطويه في الجماعة طيا لنضمن العدل لبقية الأفراد؟ فها هنا قد يقف العربي وقفة عربية أصيلة، ليقول: الصواب منزلة بين المنزلتين. مثال آخر: أنرغم شبابنا على التزام التقاليد في بنائهم لعلاقاتهم الاجتماعية، كالطريقة التي يقيم بها الزواج والأسرة، والتي ينظم بها علاقة الكبير بالصغير، والحاكم بالمحكوم، والغني بالفقير، والمخدوم بالخادم؟ بحجة أن التقاليد عرف أجمعت عليه أجيال متعاقبة؟ ها هنا أيضا قد يقف العربي وقفة عربية أصيلة يأخذ صورتها - دون مادتها - من التراث، فيقول إن مجرد إجماع الناس لا يكفي أن يكون دليلا مقنعا؛ لأن الناس - كما قال ابن جني بالنسبة إلى اللغة - «قد يجتمعون على خطأ»، وإنما العبرة بما يقوم على «عقل»، والعقل - كما حددناه - هو القدرة على الانتقال من وسيلة إلى هدف، فإذا كان الهدف المقصود هو أن تزدهر في المجتمع صناعة - مثلا - ثم إذا كان هذا الازدهار مرهونا بأن تحطم بعض التقاليد، برغم الإجماع عليها - فلتحطم؛ لتكون وقفتنا حيال المسألة وقفة عقلية، على نحو ما وقف أسلافنا.
ولكنني ألحظ عكس ذلك تماما في حياتنا الجارية، ألحظ مقاومة للعقل وأحكامه واستقبالا حسنا للوجدان وميوله. لو قيل لنا إن العلماء يحاولون بالعلم - والعلم عقل - أن ينزلوا إنسانا على سطح القمر، رأيتنا وقد لوينا الشفاه امتعاضا، سواء أفصحنا عن امتعاضنا ذلك بالعبارة أو لبثنا صامتين، كأنما جهاد العقل في هذا السبيل قد داخلته الأبالسة بالشر والخبث والدهاء! أو إذا قيل لنا إن العلماء يحاولون بالعلم - والعلم مرة أخرى هو عقل - أن يحلوا قلوبا سليمة محل قلوب مريضة، أو ما شابه ذلك، هززنا الأكتاف بالسخرية، وكأن تلك المحاولة فيها ما يشبه الكفر بمنزلة الإنسان وقيمته.
وإنما ضربت هذين المثلين لأنني رأيت بعيني، وسمعت بأذني، عالمين من علمائنا - وأقصد بالعلماء هنا علماء البيولوجيا والفيزياء وما إليها - رأيتهما وسمعتهما (في موقفين مختلفين) يندد أولهما بمحاولة الوصول إلى القمر، قائلا: إن ذلك قد يزحزح هذا الجرم السماوي عن فلكه الذي أراده له الله، فيكون من الكوارث ما يكون، ويندد ثانيهما بمحاولة استبدال الأعضاء السليمة بالمريضة قائلا: إن ذلك محال لأنه ضد طبائع الأشياء والكائنات! وإذا كان ذلك شأن رجال العلم منا، فأترك لك أن تتصور مواقف عامة الناس.
كان للعقل أعظم القيمة عند أسلافنا، فذلك ما ينبغي أن يكون له بين المعاصرين، لنقول إن الأمة العربية واحدة، تاريخها الفكري موصول بين الأولين والآخرين. (ب) ياقوتة العقد للعلم والعلماء
سمي كتاب «العقد الفريد» بهذا الاسم؛ لأن فصوله تؤلف عقدا من خمس وعشرين جوهرة، منها اثنتا عشرة في جانب، واثنتا عشرة في الجانب الآخر، وبينهما واسطة العقد، وقد تكررت الأسماء في المجموعتين الأولى والثانية، فلؤلؤة هنا تقابلها لؤلؤة هناك، وزبرجدة هنا تقابلها زبرجدة هناك، وهلم جرا. يقول صاحب الكتاب في مقدمته لكتابه: «وسميته كتاب «العقد الفريد» لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة السلك وحسن النظام، وجزأته على خمسة وعشرين كتابا، كل كتاب منها جزءان، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا، كل كتاب منها جزآن، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا، وقد انفرد كل كتاب منها باسم جوهرة من جواهر العقد» ... وأخذ المؤلف بعد ذلك يذكر أسماء تلك الكتب وموضوعاتها، واحدا واحدا، فكتاب «اللؤلؤة في السلطان»، و«كتاب الفريدة في الحروب»، وكتاب «الزبرجدة في الأجواد والأصفاد»، وكتاب «الجمانة في الوفود»، وكتاب «المرجانة في مخاطبة الملوك»، وكتاب «الياقوتة في العلم والأدب»، ... وهكذا دواليك حتى يصل إلى كتاب الواسطة في الخطب، ثم ينتقل إلى المجموعة الثانية يكرر بها أسماء المجموعة الأولى، بادئا هنا بما انتهى إليه هناك، ومنتهيا هنا بما ابتدأ به هناك، فأول العقد هو كتاب اللؤلؤة في السلطان، وآخره هو كتاب اللؤلؤة الثانية في الفكاهات والملح - هندسة بديعة في التقسيم والتبويب.
نامعلوم صفحہ