تستحق الأفكار التي تتردد بصورة مختلفة عند معظم أصحاب النظرية النقدية، عن التنوير والعقلانية وما يرتبط بهما من تقدم وتصنيع، ومنهجية وإدارة، وهيمنة على الطبيعة الداخلية والخارجية، وتجرد من النزعة الأسطورية والطبيعية (خصوصا عند هوركهيمر وأدورنو في كتابهما المشترك عن جدل التنوير، وعند ماركوز في كتبه المختلفة، كالإنسان ذي البعد الواحد والحب والحضارة ومحاولة عن التحرر)، تستحق أن نقف عندها وقفة نقدية قصيرة؛ حتى لا يتصور القارئ أنهم كانوا أعداء العقلانية والتنوير في ذاتهما.
لقد كان هدف هوركهيمر وأدورنو هو بيان الازدواجية الكامنة في مفهوم التنوير الغربي، وتمزقه منذ بداياته الأولى، وارتداده بصور مستمرة إلى الأسطورة واللاعقلانية التي حاول باستمرار أن ينتزع نفسه منها، وتمثلت لهما في البربرية النازية التي كانت هي اللعنة والكارثة؛ ولذلك حاولا معرفة الأسباب «العقلية» التي جعلت البشرية الغربية تسقط في أمثال هذه البربرية «اللاعقلية» طوال تاريخها المبتلى بالرعب والقهر والقتل والتعذيب، بدلا من أن تبدأ وضعا إنسانيا حقيقيا تسوده السعادة والتصالح بين البشر وبينهم وبين الطبيعة.
ولقد رصدا تاريخ الحضارة الغربية بوصفه تاريخ العقلنة أو التعقيل؛ أي تجريد الطبيعة من سحرها الأسطوري القديم (كما قال ماكس فيبر)، والإصرار الدائم على السيطرة عليها والتحكم فيها (كما أفاض في ذلك فيلسوف الحياة لودفيج كلاجيس)، بحيث تتحدد حالة العالم في رأيهما من ناحية العلاقة الودية أو العدائية بين الإنسان والطبيعة. وفلسفة التاريخ الغربي تكشف في تقديرهما عن استمرار سيطرة «العقل الذاتي» أو «العقل الأداتي» وتسلطه على الطبيعة، على الرغم مما لقيه في ذلك من مصاعب وتردى فيه من عثرات، كما تكشف عن امتداد هذا التسلط وتلك السيطرة على الطبيعة الباطنة للإنسان، بحيث تحكمت في دوافعه الأولية وزيفتها. ومن هذه الفكرة المحورية استنتجا الأشكال المختلفة للاقتصاد والسلطة السياسية والاجتماعية والأخلاقية، وللثقافة والفن والمعرفة العلمية وبعض أشكال التفلسف، كالوضعية والبراجماتية بصورهما المختلفة.
وإذا كان هدف التنوير العقلي منذ القدم (وقد تتبعه الفيلسوفان الاجتماعيان من أوديسة هوميروس إلى عصر التنوير في القرن الثامن عشر وحتى عصرهما) هو تحرير البشر من الخوف، وجعلهم سادة على الأرض وملوكا عليها أو مالكين لها (كما قال ديكارت)، ومساعدتهم على بلوغ الرشد (كما عبر كانط في مقالته الشهيرة عن التنوير)،
15
فإن الأرض التي تم تنويرها لا تزال تغمرها ظلال الكارثة - والكارثة في مفهومهما هي سيادة الأسطورة (النازية اللاعقلانية!) - هكذا كانت الأسطورة نفسها نوعا من التنوير، ولكن التنوير كان يرتد دائما إلى الأسطورة ويدمر نفسه بنفسه. وهو في الحقيقة لم يدمرها من الخارج؛ لأن الخطوة الأولى التي بدأت مع الأسطورة للتحرر من الطبيعة لم تكن خطوة فاشلة فحسب، بل كانت في الوقت نفسه بداية السير على طريق التنوير المدمر؛ أي إن تاريخ التمدن والتنوير حتى اليوم ظل متلبسا بالأسطورة أو مطويا فيها، كما أن التنوير نفسه ما فتئ يخرب منذ القدم بذرة كل محاولة للخروج من الأسطورة، ويقضي كذلك على كل محاولة للتحرر منها في مهدها، وكأن التنوير لا يزال في حركة دائمة كحركة الفكرة المستمرة، التي وصف بها هيجل حركة التنوير في القرن الثامن عشر، غير أن حركته تفضي به دائما إلى الوقوع في أسر الأسطورة. ومعنى هذا أن الأساطير تولد وتحقق التنوير الذي يتعثر بعد ذلك مع كل خطوة من خطواته، ويتردى في الأسطورة التي استمد منها مادته، ثم دمرها وجعل من نفسه قاضيا مهيمنا عليها؛ وبذلك سقط فيها مرة أخرى، وهكذا دواليك.
وأول ما ينبغي توضيحه هو أن النقد الذي يوجهه بعض أصحاب النظرية النقدية إلى التنوير والعقلانية، ليس نقدا موجها إلى التنوير نفسه، ولا إلى العقل في ذاته، كما سبق القول، وإنما هو موجه إلى إفسادهما وإساءة فهمهما وتحريفهما المستمر، الذي بلغ ذروته أو بالأحرى حضيضه اللاعقلاني واللاإنساني في ظل المجتمع الرأسمالي والصناعي وعلاقاته المكرسة لاستعباد الإنسان؛ ولذلك فإن هذا النقد لا يلغي التنوير وإنما ينوره، ولا يمجد «اللاعقلانية» التي انتهت إليها «العقلانية» الغربية، وإنما ينقدها نقدا عقليا، ويجعل المهمة الأساسية للفلسفة هي القيام بعملية مراجعة عقلية لتلك العقلانية؛
16
ذلك أن أخطر ما في هذه العقلانية التي مدت سلطان الذاتية المتسلطة على كل شيء في الداخل والخارج، هو أنها لم تقتصر على تشييء «الطبيعة»، بل تعدت ذلك إلى تشييء الوعي الفردي والاجتماعي وتغريبه؛ الأمر الذي أدى إلى القضاء على التواصل الحي بين أفراد المجتمع، وبينهم وبين الطبيعة كما سبق القول. وطبيعي أن يركز فلاسفة النظرية النقدية هجومهم على العقل «الذاتي» أو «الأداتي»، وعقلانيته العلمية والتقنية المهيمنة على المجتمع الصناعي الغربي الحديث، وأن يحاولوا تجاوزه إلى عقل «موضوعي» أو عقلانية موضوعية، يؤصلونها ويتتبعون ملامحها ومعالمها في آفاق وميادين مختلفة.
وإذا كان العقل الذاتي يوظف لإيجاد الوسائل الكفيلة بتحقيق الغايات المنحصرة في المحافظة على وجود الذات وهيمنتها وتفوقها، فإن العقل الموضوعي المستقل هو الذي يعرف غايات أشمل وأبعد من المحافظة على وجود الذات، كما يقدر على الحكم بمعقولية هذه الغايات الشاملة، ويتجه للبنية الموضوعية للأفكار والأفعال، ويؤكد الموضوعية الكلية في الوجود، وهي التي تستمد منها معايير كل حياة، ولا تخرج الذاتية عن أن تكون جزءا محدودا منها لا بد من «رفعه» أو تجاوزه إذا أردنا أن نصل إلى شيء اسمه الحقيقة في أي شيء. فالعقلانية بهذا الفهم نظام موضوعي يجب أن يتلاءم معه كل شيء، بما في ذلك حياة الإنسان ونزوعه الفطري للبقاء، كما أن تأكيد العقلانية الذاتية وحدها هو المسئول عن ضلال المذاهب الميتافيزيقية الغربية، وانغلاقها في فلسفات «الباطن» المثالية والظاهراتية والوجودية والحياتية (نسبة إلى فلسفات الحياة الحدسية)، التي انتهت من بعض الوجوه إلى تبرير اللاعقلانية.
نامعلوم صفحہ