وبغض النظر عما في هذا الموقف من مركزية أوروبية، بدأت على أقل تقدير مع أرسطو وبلغت قمتها القبيحة عند هيجل (لا سيما في عرضه لفلسفة التاريخ في الشرق القديم)، فإنه يكرر رأي عدد كبير من مؤرخي الفلسفة الغربيين، وهو أن حضارة اليونان وفلسفتهم بوجه خاص قد اهتمت - دون غيرها من الحضارات - بالتنظير الخالص أو بالفكرة، وأنها قد قطعت، حسب مستواها العقلي وتقدمها الحضاري، أولى الخطوات الجادة على طريق الظاهرات أو العلم الشامل بالمعنى الذي فهمته منه (وتمثل في نظرية فيثاغورس، وفلسفة الحياة عند سقراط الذي يعده إمام الذاتية الأوروبية، ونظرية الصور أو المثل عند أفلاطون، وفلسفة الطبيعة ونسق المنطق الصوري عند أرسطو، وأخيرا في هندسة إقليدس). غير أن الحضارة أو بالأحرى الفلسفة اليونانية التي بلغت مستوى رفيعا من العقلانية، لم تستطع أن تحقق مشروعها في إقامة نظرية العلم الشامل؛ إذ انهار التنظير العقلي باتجاهها إلى المذاهب المادية ومذاهب الشك والمسائل الأخلاقية عند الأبيقوريين والرواقيين، الذين لمع عندهم آخر بريق للموضوعية المثالية في فكرتهم عن «اللوجوس» الكوني.
أين تقع إذن نقطة البدء في الشعور الأوروبي الخالص كما فهمه وفسره هسرل؟ إنه يبدأ مع الكوجيتو الديكارتي الشهير؛ ولهذا كان ديكارت هو المكتشف الحقيقي لعالم الذاتية، والمؤسس الأول لعلم الظاهرات. وقد أكد هسرل ذلك في تأملاته الديكارتية السابقة الذكر، وإن أخذ على أب الفلسفة الحديثة أن ذاتيته شابتها عناصر نفسية وتجريبية، وأن «الأنا» عنده عرفت الأنا المفكرة ولم تعرف موضوع التفكير، ولا عرفت الآخر بما هو طرف مقابل لها؛ ولذلك فإنه (أي هسرل) قد سبر أغوارها، وخلصها من الشوائب النفسية والحسية؛ وبذلك أكملها بالتوصل إلى الذات أو الأنا المتعالية المحضة (التي يمكن تصور فناء كل شيء في العالم، واندثاره فيما عداها!) وحقق مشروع الحضارة الأوروبية وهو إقامة الظاهرات (الفينومينولوجيا)؛ أي الصورة النهائية للفلسفة المتعالية وللمثالية الألمانية، بل لتاريخ الفلسفة الغربية كلها!
ويحلل هسرل التجريبية بأشكالها المتعددة (من طبيعية وحسية ومادية ووضعية ... إلخ)، ويبين أنها كانت رد فعل للاتجاه العقلي ونسيان العالم والقضاء على الأشياء، ثم انقلبت إلى الضد، فأصبح العالم فيها عالما ماديا، وصارت التجربة الحية مجرد انطباعات حسية، وغدت النفس - على ما يقول لوك - صفحة بيضاء تنقش عليها الإحساسات ما تشاء، أو - على حد تعبير هيوم - مجرد حزمة من الانطباعات؛ وبذلك اختلطت التجربة الداخلية بالتجربة الخارجية، وانتفت الخبرة المشتركة بين الذوات، وأصبحت الموضوعية العقلية محالا. وجاءت محاولة كانط النقدية للتأليف بين الحسي والعقلي (أو - بكلماته - بين الحدوس أو العيانات، والتصورات أو المفاهيم)، فجاء معها الحل القاصر لمشكلة الثنائية على طريقة الصورة والمادة أو الشكل والمضمون الأرسطية، ثم لم تلبث أن ضحت بهما معا - أي بصورة العقليين ومادة التجريبيين - عندما تخلت عن المعرفة لصالح الأخلاق والدين، وظل الشعور مجرد نسيج عنكبوت وظيفته اصطياد المادة من العالم الخارجي دون اكتشاف الشعور الحي والتجربة المعيشة.
44
وفي النهاية لم تستطع مثالية كانط النقدية أن تحقق شيئا من مشروع «الشعور الأوروبي»، وهو إقامة العلم الشامل الذي اتخذ اسما جديدا هو الظاهرات؛ فهي التي تلافت النقص في فلسفة كانط، ووسعت من نطاق الحساسية المتعالية عنده (التي تشمل نظريته في المكان والزمان والإدراك الحسي)، وجعلتها تتسع لكل مظاهر مجال الحياة، كما أعادت الفاعلية لمنطقه المتعالي، وحولت الحدس الحسي إلى حدس فكري أو نظري أو رؤية عينية للماهيات.
وإذا كانت المثالية المطلقة بأشكالها المختلفة عند فشته وهيجل وشلنج، قد حققت تقدما ملموسا في المشروع الأوروبي لإتمام العلم الشامل؛ إذ تمكنت من القضاء على الثنائية العتيقة، وأعادت الوحدة الباطنة بين العقل والتجربة، والروح والطبيعة، والفكر والوجود، حتى لقد جرى لفظ «الفينومينولوجيا» على قلم هيجل في كتابه الشهير عن ظاهريات الروح، الذي وصف فيه بناء الشعور الأوروبي وتطوره؛ إذا كان هذا كله صحيحا فإنها (أي المثالية المطلقة) لم تستطع تحويل الفلسفة إلى علم محكم دقيق، وبقيت غامضة مختلطة بالشاعرية الرومانسية كما بقيت مرتبطة بالدين.
إلام انتهى مشروع الحضارة الأوروبية أو حلمها التاريخي بإقامة العلم الشامل؟ الجواب بسيط؛ فقد انتهى إلى ظاهريات هسرل نفسه، وإلى «الكوجيتو» الظاهراتي، الذي جمع في شعوره القصدي بين العقل والتجربة، والذات والموضوع، والأنا والآخر؛ وبهذا تحقق الأمل الذي طالما سعى إليه العقل الأوروبي، وحاول التعبير عنه في صور مختلفة.
هكذا تقمص هسرل في أواخر حياته مسوح المتنبئ والداعية، الذي راح ينبه الحضارة الأوروبية إلى الخطر المحدق بها؛ فأزمة العلم الأوروبي هي في النهاية أزمة الإنسان الأوروبي نفسه، ولا سبيل للنجاة إلا بإعادة بناء شعوره، الذي فقد عالم الحياة وأضاع الحقيقة عندما استسلم للنزعات العقلية الصورية من ناحية، وأغرق في التيارات التجريبية والمادية من ناحية أخرى. بيد أن هذا الشعور الحي المتعالي، الذي أقام عليه هسرل العلم والتجربة معا، يظل أمرا محيرا؛ فهل نصف دعوته لاستكشافه بأنها دعوة مثالية جديدة إلى إنسانية جديدة، أم بأنها نزعة صوفية وإشراقية من نوع غريب، حدت بصاحبها لأن يحتمي بأعماق الشعور - المعرفي والمنطقي - ويختبئ في متاهته اتقاء لضغوط العالم التاريخي المحيط به، وهربا من ثورات العصر السياسية والاجتماعية؟ وإذا كان هسرل قد نجح في تغيير الشعور الباطن لكثير من أتباعه وقرائه، فهل استطاعت فلسفته أن تصبح أداة للتأثير على الواقع، ولا أقول لتغييره أو تنويره؟ إن معيار الحقيقة الذي تقاس به الفلسفة لا يمكن أن يقتصر على تماسك أفكارها واتساق منطقها الداخلي؛ فكم من فلسفة متسقة لم يخرج عنها فعل يذكر، وبقيت - على جلالها وعمقها! - أشبه بأطلال معبد قديم أو قصر خرب مهجور. ولست أقصد بالفعل مقدار التأثير المادي أو العملي الظاهر من حيث القوة والانتشار والنفوذ؛ إذ لو كان الأمر كذلك لعددنا الفلسفات التي تبنتها أو تتبناها الأنظمة الشمولية ذات القوة والسطوة الغاشمة أصدق الفلسفات وأقربها للحقيقة، في حين أن التجربة التاريخية الأليمة تشهد بأنها أبعدها عنها، وأكثرها غلوا في التهافت والضلال والبطلان. ومع أن المشكلة تحتاج إلى تفصيل لا يتسع له المقام، فإن صدق الفلسفة وحيويتها لا يكمن - في تقديري المتواضع - في مواجهة أزمة أو أزمات راهنة، واقتراح مخرج منها أو حل لها (وليس في الفلسفة ولا في العلم حل نهائي أبدا!) بقدر ما يكمن في خلق أزمات جديدة تتحدى الفكر ليجرب فيها أسلحته. ولعل مكمن القوة والصدق والإبداع أيضا في فلسفة الظاهرات، أن الأزمة المنهجية التي أثارتها قد بعثت إلى الحياة أزمات أخرى عند طائفة كبيرة من تلاميذ مؤسسها، سواء في ذلك من تابعوه على الطريق أو من رفضوا مثاليته الذاتية المتعالية في مرحلتها المتأخرة، وآية ذلك تعدد التطبيقات الخصبة للمنهج الظاهري وتنوعها، بجانب تعدد المستفيدين من هذا المنهج، وتنوع اتجاهاتهم وحقول بحثهم واهتمامهم (مثل أوسكار بيكر في فلسفة الرياضة، وألكزندر بفندر في المنطق وعلم النفس، وماكس شيلر وهاتز رايير في الأخلاق، ورومان أنجاردين في الفن والجمال، ونيقولاي هارتمان في المعرفة ونظرية الوجود وطبقاته، وهيدجر وسارتر في فلسفة الوجود والأنطولوجيا الظاهرية، وميرلو بونتي في الإدراك واللغة، وأويجن فينك في عالمية العالم، وجادامر وريسكور وبولنو في فلسفة التأويل أو الهيرومينويطيقا، وأدورنو وماركوز من أعضاء مدرسة فرانكفورت في نظريتهما النقدية للواقع الاجتماعي والمجتمع الصناعي والرأسمالي ... إلخ). وإذا صح أن هذا كله يؤكد الجانب الإبداعي في الظاهرات من حيث هي منهج قبل كل شيء، فلا شك أنها كفلسفة للباطن قد أكدت - من ناحية أخرى - عجز كل الفلسفات المثالية الذاتية المتجهة إلى الباطن إلى التأثير في حركة الواقع التاريخي والاجتماعي.
ولا يرجع هذا فحسب إلى غياب التفكير الجدلي عن هسرل، أو بالأحرى إلى رفضه إياه، وإنما يعود كذلك إلى كشف مثاليته الذاتية عن أزمة الاغتراب التي تعاني منها الفلسفات المثالية، وتعد هي نفسها امتدادا لها، على الرغم من حرصها على تمييز نفسها عنها بشتى الصور والأسباب. وكل من يتصور أن مهمة الفلسفة - أو إحدى مهامها الأساسية على الأقل - هي نقد الواقع السائد انطلاقا من رؤية شاملة تعمل على تغييره وتحويله، لا بد أن يأخذ على الظاهريات أنها قد نقلت الفعل الحقيقي في نظرها إلى باطن الشعور، وأنها أهملت الفعل الاجتماعي أو كادت، اللهم إلا من بعض الإشارات الشحيحة الغامضة إلى «عالم الحياة» والذاتية المشتركة، و«العمل-في-العالم»، كما سبق القول، أو إلى اجتماع ظاهراتي، لم يكد يخرج من أسوار الأبراج الأكاديمية إلى الواقع المضطرب، الذي كانت الثورات الاجتماعية والسياسية في العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن تهزه وتزلزل أركانه، كما زحفت عليه - في حياة هسرل نفسه - جحافل البربرية (النازية) محققة نبوءته المخيفة التي أعلنها في ختام كتابه عن أزمة العلوم الأوروبية، عن سقوط أوروبا في غربتها عن معنى حياتها العقلي، وترديها في حضيض الوحشية والعداء للروح . لا عجب بعد هذا كله أن يوجه أصحاب الماركسية التقليدية سهام نقدهم إلى الظاهرات، وأن يضعوها في صفوف الفلسفات «البرجوازية» التي اغتربت عن الواقع التاريخي-الاجتماعي، وأغفلت الشروط الواقعية والجدلية المادية التي تحدد الشعور من وجهة نظر فلسفتهم، التي هي في نهاية المطاف نظرية للفعل والممارسة الثورية، بل إن الظاهرات تعبر في رأيهم - أكثر بكثير من غيرها من الفلسفات البرجوازية المتأخرة - عن أزمات المجتمع البرجوازي-الرأسمالي، وفساد رؤيته - الليبرالية الإمبريالية - للعالم والواقع؛ فقد حاولت أن تكون مخرجا مما سماه «أزمة الحياة» وأزمة العقل والعلم، لكن جهودها ومحاولاتها للوصول بالفلسفة إلى مرتبة العلم الصارم الدقيق كتب عليها الإخفاق في ظل المناخ الرأسمالي- الاستعماري، وممارسته التسلطية واللاإنسانية على الخارج والداخل وعلى الطبيعة والإنسان جميعا (وعالمنا العربي يشهد اليوم تجدد هيمنته في صور أبشع وأفظع من كل ما عرفه التاريخ العالمي ...)
ولعل أهم ما في النقد الماركسي للظاهراتية أنها قد عانت من التناقض الصارخ بين النزعة التنويرية التي تغذت عليها في ظل المناخ الليبرالي للمجتمع الغربي البرجوازي، والنزعة الشمولية واللاعقلانية المتمثلة في الذاتية المثالية المتعالية أو المتطرفة، التي انتهت إليها في مرحلتها المتأخرة. والواقع أن هذه شهادة حق وإنصاف، على الرغم مما قد يبدو في ظاهرها من الإدانة والإجحاف؛ فهي تؤكد - على طريقتها - ما حاولنا أن نؤكده من أن فلسفة الظاهرات لم تعان من التناقض فحسب، وإنما كانت أزمة التناقض هي الدافع المحرك لها، وربما كانت كذلك وراء الإبداع الأصيل الذي لا ينكره عليها إلا جاهل أو جاحد.
نامعلوم صفحہ