تاج المفرق فی تحلیہ علماء المشرق

تاج المفرق في تحلية علماء المشرق

علاقے
تیونس
•
سلطنتیں اور عہد
حفصیان
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلاة على سيدنا وعلى آله وصحبه
قال عبيد الله سبحانه، الراجي عفوه وغفرانه، خالد بن عيسى ابن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن خالد البلوى، لطف الله به وأخذ بيده وبرحمته آمين.
الحمد للذي فرض حج البيت على من استطاع إليه سبيلا، وجعله تأسيس إبراهيم خليلا، وقال وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، ومن أصدق من الله قبلا، وجعل جزاء الحج المبرور الجنة، وأصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا، نحمده على نعمه التي قدمها ظلا ظليلا، وأولاها مقاما ورحيلا، ونصلي على نبيه محمد الذي بعثه بالحق رسولا، وفضله على جميع مخلوقاته تفضيلا، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء وتفصيلا، وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبل نصرته وخدا وذميلا، وذللوا بين يديه أعناق الجبابرة تذليلا، وجردوا الإماطة صدأ الدين عضبا صقيلا، ومهدوا سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ونستوهب من الله سبحانه لأملاكنا الكرام من آل نصر الذين تبوأنا في أيامهم من العدل كل وثير المهاد، وجمعنا بفضل مساعيهم المبرورة، وتحت رايتهم المنشورة المنصورة بين الحج والجهاد، أن يجدد الرحمة على من قضى منهم وسلف، ويتم النعم على من خلف، ويخص بالتأييد والحسنى والمزيد، رافع رايات فخرهم، والقائم بأعباء نصرهم، والمجدد لآثارهم ومآثرهم، والمحيي لمكارمهم ومفاخرهم، فخر الملوك الجلة، وناصر الملة، والبدر الذي زان أفق الملك من أبنائه السعداء والأمراء بالنجوم والأهلة، إمام الهدى، وغمام الندى، وحسام الله المسلول على العدى مولانا السلطان أمير المسلمين وناصر الدين، أبا الحجاج يوسف بن مولانا السلطان هازم أحزاب المشركين وقد جاشت، ومسلط سيوفه العضاب على عاتي تلك الرقاب فما استنت ولا حاشت، أمير المسلمين المقدس السعيد الشهيد، أبى الوليد ابن نصر، وصل الله لهم عادة تأييده وعضده، وحباهم بكل نعمة من عنده.
هذا تقييد، أطلعه عون من الله وتأييد، قصدت به ضبط موارد الرحلة الحجازية، وذكر معاهد الوجهة المشرقية، جعلها الله تعالى في ذاته وابتغاء مرضاته، بمنه وكرمه، وألممت مع ذلك بذكر بعض الشيوخ من العلماء الفضلاء الذين يطئون ذيول البلاغة، ويجرون فضول البراعة، ولهم كلام يتألق منه شعاع الشرق، ويترقرق عليه صفاء العقل، وينبث فيه فرند الحكمة، ويعرض على حلى البيان، وينقش في فص الزمان، ويحفظ على وجه الدهر، ويفضح عقائل الدر، ويخجل نور الشمس والبدر وألمعت بذكر نبذ من فوائدهم، واختيار طرف من أناشيدهم، ومزجتها بما جرت إليه العبارة، وحسنت فيه الإشارة، من قطع الشعر المناسبة قطع النور، المنتظمة من جواهر اللفظ، البعيدة الغور، الغريبة الحفظ، الآخذة من الحسن باوغر الحظ، مقتديا في ذلك كله بقول القائل:
قالوا خذ العين من كل فقلت لهم
في العين فضل ولكن ناظر العين
حرفان في ألف طومارمسودة
وربما لم تجد في الألف حرفين
ولما بوبت ما ألفت، ورصعت ما جمعت، وشعشعت ما وضعت، فجاء كما تراه حسن الزي، عذب الري، عالي القدر، غالي الدر، مسبوك الحلية والتبر، فيه للمسمع مراد، وللفكر معاد، وللألباب مسرح ومرتاد. سميته: بتاج المفرق، في تحلية علماء المشرق. ودعوت الله تعالى في مواطن الإجابة، أن يوفقني فيه للإجادة والإصابة، وأن ينفع به كل من يلتمس النفع به في المطالعة أو الكتابة، وهو سبحانه سميع الدعاء، مجيب النداء، محقق الرجاء، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأقول مستعينا بالله سبحانه: أني خرجت قاصدا للحج، وطالبا للعلم من بلدي قتورية: البلد الذي طال سناه، وطاب مغناه، وانتطق بالجوزاء، وناجت أبراجه بروج السماء، فكأنه في الحصانة جبل منيع، وفي الحسن ربيع بديع:
بلد صحبت به الصبابة والصبا
ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته
وعليه أغصان الشباب تميد
فوقع اتفاق الخروج من صحوة يوم السبت، الثامن عشر لصفر من عام ستة وثلاثين وسبعمائة، مودعا لجميع الأهل، ومتجرعا من ذلك ما ليس بالعذب ولا بالسهل:
ودعت قلبي يوم ودعتهم ... وقلت يا قلبي عليك السلام
وقلت للنوم انصرف راشدا ... فان عيني بعدهم لا تنام

1 / 1

محرم يا عين أن ترقدي ... وليس في العالم نوم حرام
وكان لذلك الوداع موقف مشهور مشهود، نثر فيه من جمان الدمع لؤلؤ منظوم منضود، وفيه قلت:
موقف للفراق أرخص فيه ... كل در لنا وكل عقيق
بجموع كوجدنا في اجتماع ... ودموع كالشمل في التفريق
وقد أعدت الركاب، وطاشت الألباب، وحضر للوداع جميع الأحباب، وأنا أصبر كصبر ميت على النزاع، وأقول ما خلق الله من عذاب أشد من وقفة الوداع، أعالج السياق، وأعاين المنايا بين أخفاف النياق:
أقول لصحبي حين ساروا، ترفقوا ... لعلي أرى من بالجناب الممنع
والثم أرضا ينبت العز تربها ... وأسقى ثراها من سحائب أدمعي
وينظر طرفي أين أترك مهجتي ... فقد أقسمت أن لا تسير غدا معي
وما أنا ان خلفتها متأسفا ... عليها وقد حلت باكرم موضع
ولما تبرأ التابع من المتبوع، وطفئت نيران الوداع بمياه الدموع، وعطف المودعين لي بالعودة لقطرهم والرجوع، وهم بين راجع بالجسم وهو لي بالقلب مصطحب، وضاحك بما يرجوه لي وهو على وداعي منتحب، أخذت في الارتحال، وأنشدت بلسان الارتجال، بل بلسان الحال:
ليت شعري أنلتقي بعد هذا ... أم وداعا يكون هذا اللقاء
فاذكروني وزودوني دعاء ... خير زاد تزودوني الدعاء
ثم امطيت الطرق طريقه، ولم أبلعه في الأناة ريقه، والفراق يردى فريقه، وقلت:
أأذهبت، أيام الشبيبة والنوى ... وأتلفت باقي العمر؟ يا ضحوة السبت
فقل لجديد العيش: لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل: لابد من شت
وسرت بعزمة لا يفل حدها، ولا يتجاوز حدها، وخرمة لا يثنى رسنها، ولا يلم بعين وسنها، وأخلقنا في السير شباب ذلك النهار، وجاريت بدموعي جريان تلك الأنهار، وبت بساحة واد حللنا به بين ظفر التوحش ونابه، أكن الوجد ما غاية الثكلى ان تكنه، وأجن من الحنين ما لا تطبق الجوانح أن تجنه، وأردد:
أهذا ولما تمضي للبين ليلة؟ ... فكيف إذا مرت عليك شهور!
حتى إذا بقى من الليل حد الوصية من المال، قضينا على معزول السرى بالاستعمال، وسرت أحمل أنفاس الصبا حقائب الوجد، وأتمتع من شميم عرار نجد، فما طلع من الغد وجه النهار، ولا بدا فيه حاجب الأسفار، إلا وقد أشرفنا على) المرية (، تتلع إلينا أجياد قصابها وغرفاتها وتبتسم عن ثغور أسوارها، وبلج شرفاتها، كالعذارى شددن مناطفا، وتوجن بالأكيل مفارقا، كأن ترابها عنبر، وحصاها عقيق، وهواها نسيم وماءها رحيق، مغان لها عندي معان وأماكن، فسكانها للنفوس سواكن.
دمن طالما التقت ادمع الح ... زن عليها وادمع العشاق
فهناك شاهدت الظباء مختلطة بالآرام، والغزالة أنيسة النفور والشادي يبادر بالسلام، والعطف من العطف لا يخلو، والحقف بحمل الغصن يمر في كل حين وكلما مريحلو، فحمدنا عند الصباح السرى ودخلنا المدينة أم تلك القرى:
ألوى الضلوع من الولوع بخطرة ... من شيم برق أو شميم عرار
وأنيخ حيث دموع عيني منهل ... يروي وحيث حشاي موقد نار
وعند دخولنا إليها مررنا على بعض البساتين المجاورة لها، فحيانا بوجه مشرق، وحبانا من مذانبه برواء مغدق.
ودولاب إذا أن ... يزيد القلب أشجانا
سقى الغصن وغناه ... فما يبرح نشوانا
فدخلت المدينة بقلب غير داخل، وتلقيت المنام بطرف شحيح بالكرى باخل، وكلما فتشت للأوطان في فكري ذنبا، اجعله سببا للسلو، أو عيبا أركن به إلى الراحة والهدوء، قال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، وجعل يعرض علي من حسناتها ما جلا به ظلام الليل الحالك، ولولا أني رجعت إلى جميل الصبر بعد الذهاب، وعللت الروح التي راح سرها لقرب الإياب، لأمسيت أثرا بعد عين، ولكنت أحد من قتله يوم البين:
البين جرعني نقيع الحنظل ... والبين أثكلني وان لم أثكل
ما حسرتي! ان كنت أقضي إنما ... حسرات نفسي أنني لم أفعل
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل

1 / 2

فحللت منها المحل المودود، وحللت بها المشدود والمعقود، وجددت بعلمائها العهود، وأقمت الازم منها معهدا مألوفا، ومشهدا بالحبائب محفوفا، إلى أن تهيأ غراب دار الصنعة، وتيسر اندفاعه في يوم الجمعة، فجددت الوداع، وشاع خبر الجواز وذاع، وفارقت من فارقت لا عن ملالة، وودعت من ودعت لا عن تعويض، وركبت فيه بباب الديوان في يوم الأحد، السابع لجمادى الأولى من العام المذكور ثم وقفت ماشيا على الماء وقفة المتسلم، وودعت الأندلس وداع المتأمل المتألم، وأنشدت:
خليلي هذا موقف من متيم ... فعوجا قليلا وانظراه يسلم
وسرنا في أطيب هواء، واحسن استواء، إلى أن وافينا) مرسى هنين (فنزلنا بها ضحوة يوم الثلاثاء، التاسع لجمادى الأولى المذكور، فرأيت بليدة نضيرة، لا كبيرة ولا صغيرة، جميلة المنظر، متوسطة بين الصغر والكبر، موضوعة أسفل جبلين، بين بحر وشجر، يخفضها ارتفاع قلعة، دار صنعة، وأسواق موفورة، ومساجد معمورة، ولقربها من الأندلس هي مذكورة، لقيت بها الخطيب، أبا عبد الله بن جابر، فجبر الوحشة بالإيناس وأنشدني لبعض الناس:
أبشر بخير عاجل ... تنسى به ما قد مضى
فرب أمر مسخط ... لك في عواقبه الرضى
ثم خرجت منها صبيحة يوم الخميس، الحادي عشر لجمادى الأولى المذكورة وسرنا نلتهم الأرض التهام الضمير نرتبط بالجد ارتباط الفعل بالضمير، إلى أو وافينا مدينة) تلمسان (، فحللنا به ضحوة يوم الجمعة، الثاني عشر من الشهر المذكور، فرأيت مدينة قل مثلها، وجل عرارها وبانها واثلها، بطاح وادواح، وربى ملاح، وضياء وانشراح، وبسيط له اتساع وانفساح، ومياه لها على در الحصا انسحاب وانسياح، وروضات يعتري ويعترض إليها اهتزاز وارتياح، وجنات ريقها ندى وثغورها اقاح، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ممتدة الغاية في الحسن والانتهاء، جوها صقيل، مجتلاها جميل، ونشرها أريج النفس عليل.
وأرض من الحصباء بيضاء قد جرت ... جداول ماء فوقها تتفجر
كما سبحت تبغي النجاة أراقم ... على روضة فيها الأقاح منور
وكم للعباد من أطراد مذانبها واخضرار جوانبها، من نفحات رحمة، وبيضاء تربى على كل مستحمة، تحييك بالوجه الوسيم، وترى الغصن يصلى بتحيات النسيم، فنزلت منها بالمحلة المنصورة، الحاضرة للمدينة المذكورة، محلة السلطان العادل، الهمام الباسل، ملك الإسلام والمسلمين وناصر الدنيا والدين، أبى الحسن بن السلطان الفاضل الغمام الهاطل، أمير المسلمين، نخبة الملوك والسلاطين، أبى سعيد العابد، المرابط المجاهد أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبى يوسف يعقوب بن عبد الحق المرينى، أيدهم الله تعالى وأسعدهم، فما حططنا الركاب، ولا وضعنا الاقتاب إلا والشمس يتبين زوالها، وطهارة المكتوبة يتعين استعمالها فأمطنا وعثاء السفر، وأخذنا في غسل الجمعة بالأثر، ثم تمتعنا بالخطبة والخطيب، بعد أن أخذنا بحظ وافر من الطيب، والعود الرطيب، وند ما له ند، تعاطيه من السنة، إذا أدخلته النار حكى رائحة الجنة، وجلنا في المحلة، وهي روض يثمر خيلا وأعنة، وبحر يزخر قنا وأسنة، وذوائب الأعلام تخفق، وألسنة عذباتها تكاد بالنصر تنطق، والأحوال قد استقامت، والأخبية على القاعدين فيها قد قامت، وهي مبيضة كسقيط الثلج، مصطفة كبيوت الشطرنج، وقد أشرق الجو بإشراق الخمائل والنبات وأشرف على مدينة أحدقت بها الأزهار والأنهار من جميع الجهات، فأقمنا هنالك درر الأنباء، ونحتلب در النعماء، وأنا امرح في جهاتها، مرح العين في منتزهاتها، حتى تمتعت في ذلك الجمع الحافل، بلقاء جماعة من الأفاضل، وأنشدني بعضهم لبعض أهلها وهو الكاتب أبو بكر بن الخطاب، رحمه الله تعالى، وهو مع سائر نظمه عندي بالإجازة عن الشيخ الخطيب المحدث الحاج الفاضل أبى عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري ﵀، قال أنشدنا شيخنا الكاتب الأديب البليغ أبو بكر بن خطاب بتلمسان لنفسه:
سرى البدر فارتاع الفؤاد لومضه ... فبت وجفني لم يذق طعم غمضه
تبدى كعرق في الغمامة نابض ... يدل على سقمي تواتر نبضه
سجدت له لما تراءى يمانيا ... وأكملت من دمعي طهوري لفرضه
وقضيت من حق الصبابة واجبا ... برئت من العشاق ان لم أقضه

1 / 3

وذكرني عصر الشباب وطيبه ... وعيشا تحلينا مليا بغضه
وعهدا شددنا عقده بيد الوفا ... فلا بطشت كف تمد لنقضه
فيا ساري البرق الذي ضاعف الأسى ... على دنف ما زال يشقى بنضه
أعندك من أهل العقيق رسالة ... أقارضك عن إبلاغها خير قرضه
وإلا فبلغهم تحية موجع ... يعاني الذي ينهد رضوى لبعضه
وجرد على واديهم ذيل ديمة ... تنمنم بالأزهار صفحة أرضه
حنيني إلى الوادي لأجل جوارهم ... مجاورة المخفوض تعدى بخفضه
ثم زرت تربة ولي الله تعالى ابن مدين مرة أولى وثانية، وأقمت بالمحلة أياما ثمانية، وكان خروجي منها ورحيلي عنها في صبيحة يوم السبت، الموفى عشرين جمادى الأولى المذكور، ولم نزل نقطع مهامه قفار، ونجوز في أودية وبحار، ونشاهد من الأرض والسماء كل نهر سائل وغيم مدرار، إلى أن وردنا) مدينة الجزائر (، في آخر يوم الخميس الثاني لجمادى الثانية من العام المذكور والليل قد غول، والنهار قد تحول، والقلب لا يصبو إلا لأول منزل، ولا يحن إلا إلى الحبيب الأول، ولما طرزت طرة الظلام يد إلا صباح، وأرسل الفجر في رداء السحر خيط الصباح أسرعنا مبادرين، وبادرنا مسرعين، وتفرقنا في سكك المدينة أجمعين، فرأيت محيا صبيحا وتربا مليحا ومسجدا عتيقا، وبناء أنيقا، وأناسا قد سلكوا إلى الحسن والإحسان طريقا، من مدينة أقسمت بعلو هضابها إلا بفوز مبسم الثريا برشف رضابها، فلا ترتقيها إلا الظنون، وكأنها ضب ومن يطمع فيها نون، قد أحاط بها البحر إحاطة السوار بالزناد فألبس ذلك الجسم روح المجد، وركب خلائق الوهد على ذلك النجد، فأقمنا بها نحكم في حزن الأنس وسهله، حكم الصبي على أهله، حتى قرب أمد الرحيل، وغلب واجبه على المستحيل، فعزمت على الخروج، وسرت على بياض ذلك الساحل وخضرة تلك المروج.
يا بياضا أدرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني عقيقا
وخرجنا في صبيحة يوم الاثنين السادس لجمادى الثانية المذكورة فدخلنا في أمر عظيم، وطريق غير مستقيم، وعذاب يوم عظيم، نصعد على التهائم ونغور في النجود ونسلك كل مخدع لم يكن بالمألوف ولا بالعهود. ولا كان مسلكا إلا للذئاب واللصوص والأسود، إلى شعراء بالخوف مشعرة، وأرض خالية مقفرة، وجبال منخرقة في الجو وعرة، تقطع الأسباب، وتخلع الألباب، وتذكر الصراط والميزان والحساب، وأظن الخطابي إياها عنى بقوله:
سلكت عقابا في طريقي كأنها ... صياصي ديوك أو أكف عقاب
وما ذاك إلا أن ذنبي أحاط بي ... فكان عقابي في سلوك عقاب

1 / 4

فبقينا نكابد عظيم ذلك الأمر، ونسير ولا نفارق ساحل البحر، ونرقى العنق التي تقربنا من السماك وتدنينا من النسر، وقد اشتد البرد، وبلغ الجد، وفرع الجهد، ووقع الثلج، وعمى النهج، وابتلى به الفج والمرج، فتصبح وصباحنا أبيض، وجناحنا لا ينهض، والعروق لا تنبض، والبروق لا تومض، والخيام لجمودها واقفة على غير عمودها، والنيران مقرورة، وشفاه الجليد مطرورة، والزناد كابية، والصعاد نابية، والوجوه في عبوس، والوجود في بوس، وقد جمدنا كأننا بلا نفوس، فنبت الأيدي على ان تبطش، والأقدام عن أن تنهض، وأسود يومي منه وان كان به أبيض، وجاءت السماء بسيل عرم، ولهب قر يضطرم، وقد صوب الغمام سهامه، ولبس الجو لحرب المحل لامه، فلم يبق قطر إلا وقد نفدت فيه تلك السهام، ولا أفق إلا وعلاه من خيوط الودق المحتبسة مثل القتام، فلا أحد إلا وجد من ذلك ما أقلقه، وأحرق قلبه بتواليه وان كان في الحقيقة أغرقه، وسرنا والعناء قد بلغ منا الغاية وانتهى بنا إلى النهاية، حتى وصلنا إلى) بجاية (، فدخلناها في يوم الاثنين الثالث عشر لجمادى الثانية) المذكور (بلدة قدرها خطير، وذكرها في كل زمن يطير، وخطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح، وملت عليها في بيض وصفاح، يمتد أمامها بسيط أخضر، مد البصر قد أجرى الله فيه مذانب الماء تسقيه، وتضرب في نواحيه، كأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، محفوفة بالزمرد والعسجد، والبساتين ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، والنهر الأعظم ينساب بين يديها قد انعطف عليها انعطاف السوار، والحدائق تنتظم بحافيته، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، فهي النضيرة الدوح، العذبة الأنهار، الطيبة الهواء المشرقة الأضواء، التي اجتمعت عليها الأمراء، وسلم لها الهواء، وشيد فيها البناء، وبعد لها الصيت المدود والثناء، انتظم فيها من الوادي والبحر، قلادتان على ذلك النحر، قد حلينا ذلك البلد، وتجلينا كوالد وما ولد، قد مرجها الله بحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، فإذا ضاحكتهما الشمس أنعكس الضياء، وزاد الاحتفال في النور والأفياء، إلى حدائق قد انتظمت انتظام الأحباب، وشقائق ترفل في أثواب الشباب، وتسدل أذيالها بين تلك القباب.
ورياض كأنما نثرت فو ... ق ثراها حريرة خضراء
أعين النرجس الجنى نجوم ... واخضرار الرياض منها سماء
للثرى تحتها شيات وللما ... غطيط وللغصون لقاء
فأول من لقيته من أرباب المحابر، وركاب أعواد الكراسي والمنابر، فاضل الأفاضل وكبير الأكابر، الشيخ العالم المحدث، أبو عبد الله محمد بن جعفر ﵀، قصدت لقاءه والأخذ عنه وقدمته وكنت أسمع من ملفوظ حامده، ومحفوظ محامده، ما هو بغية السامع وحلية للمسامع، فلما رويت من مكارمه ما رويت، استصغرت ما سمعت لعظيم ما رأيت واستقللت ما سمعت أذناي، لما عاينته عيناي، وأنشدت لنجم الدين بن مهذب الدين:
كانت محادثة الركبان تخبرني ... عن مجدكم وسناكم أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
فأنزلني بمنزله الكريم، وقابلني بالترفيع والتكريم، وأقمت معه فيه يفيض على من كرمه بحرا زاخرا، ويفاوضني من علمه منهلا لا أجد له أخرا، ويرويني بمسوغاته الفاضلة، ويرويني من مسوعاته الحافلة، فلا أدري من أي بحريه أعجب، ولا أيهما أروى وأعذب، حتى قلت له:
أبكيت عين الغيث لما فته ... كرما فثغر البرق منه يضحك
فارتاح وتهلل، وأكثر من الأفضل وما قلل، وجرى على عادته في المكارم والانطباع فأنشدته:
ولو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع

1 / 5

سمعت عليه تصانيف كثيرة، وأجازني وكتب لي بخطه، وكان ﵀ إمام هدى وعدالة، ووحيد معارف وجلالة، حالي الرواية، كامل المعرفة والدراية، رصين العقل، إماما في التحديث والنقل، متفاوت الكرم، بعيد الهمم زكي الشيم، حسن المفازع، مليح المبادئ والمقاطع، واقعا من النفس أحلى المواقع، ذكر لي: قال ذكر لي الشيخ القاضي أبو العباس الرندى قال: كنا جلوسا بحضرة تونس مع القاضي بها أبى العباس ابن الغماز لارتقاب شهر شوال، وإذا بطفل صغير وسيم قد نظر ورآه قبلنا فقال القاضي ابن الغماز: كنا جلوسا مع الشيخ أبى الربيع بن سالم الكلاعى بمدينة بلنسية لارتقاب هلال شوال فأول من رآه غلام وضئ الوجه من قرابة الشيخ، فارتجل الشيخ ساعتئذ:
توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... وغطى بسجف الغيم زهوا محياه
فلما أتى) شقيقه (ليزوره ... تبدى له دون الأنام فحياه
ومما أنشدته فاستغربه وحفظه وكتبه، ما أنشدني الشيخ الخطيب المحدث الحاج الفاضل أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد إجازة قال أنشدني ناصر الدين نصير بن أحمد بن علي المصري المناوي الحمامي بحمامة بمصر لنفسه في فتى اسمه فرج الله على طريق التورية.
أقول لقلبي وقد ذاب في ... هوى شادن حاز حسنا غريبا
تصبر إذا كنت في شدة ... عسى فرج الله يأتي قريبا
وأنشدني لبعضهم عند الوداع:
يا راحلا ودموع العين تسبقه ... هل من سبيل إلى لقياك تتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو محترق
وقد أفادني من فرائد الفوائد، ما لا يفيده إلا فرائد العلماء إلا ما جد، كانت مجالستي إياه ببجاية آخر العهد به فأنه توفي بعد انفصالي منها ونزوحي عنها على أحسن ما أجرى الله حاله عليه من حسن السيرة وخلوص السريرة، جدد الله عليه من الرحمة والمغفرة، وجعله من الذين قال الله فيهم وجوه يومئذ مسفرة، ثم لقيت بها جملة من الفضلاء وجلة من العلماء قد ضمهم الولاء في فلكه:
لهم همم كما شمخت جبال ... وأخلاق كما هشت بطاح
ترى بهم النجوم، ولا ظلام ... واوضاح النهاو ولا صباح
قصدت الرؤية لهم والرواية عنهم، فنحوا نحوه، وحذوا حذوه، واقتدوا بفعله، وان لم يدركوا شأوه:
يا بارقا بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
ثم أخذت في حركة الخروج من ذلك القطر الذي هو حاضرة البحر ونادرة الدهر، وموطن الفضلاء من أهل العصر الذين طبق ذكرهم تطبيق الغمائم ونم كما نمت بأزاهرها الكمائم، ولهم مآثر بتعاطي الركب حمياها، ويتعاطى نوافح رياها:
وما أراني بمستوف مناقبهم ... ولو نظمت لهم زهر النجوم حلا
ففارقت الصبر عند مفارقة تلك المنازع، وودعت الجلد عند وداعي لذلك المسجد الجامع. وسرت وقلبي في تلك التلاع وتلك الاجارع، وقد خامرني الفرق، واستولى على جفني الأرق، وأولعت بما يولع به المشفق. وأنفقت دمعي وكل امرئ مما عنده ينفق، ورحم الله زهيرا المهلبي، فعن حالي عبر بقوله:
إلى كم جفوني بالدموع قريحة ... وحتى م قلبي بالتفرق خافق
ففي كل يوم لي حنين مجدد ... وفي كل أرض لي حبيب مفارق
ومن خلقي أني ألوف وانه ... يطول التفاتي للذين أفارق
وأقسم ما فارقت في الأرض موضعا ... ويذكر إلا والدموع سوابق
فيممت خير ميمم وفارقت غير مذمم، وخرجت منها في صبيحة يوم الأحد الحادي عشر لرجب الفرد، من العام المذكور، على ضفة الوادي الكبير بين المنازل والقصور:
يا وادي القصر نعم القصر والوادي ... من منزل حاضر ان شئت أو بادي
ترى قرى قرة والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي
فعبرت من الوادي الصغير بمثل ما أجرته جفوني من الدموع، وخطرت من الرشة على ما أبرزته من الربيع والربوع، واجتزت على الربيع الرفيع، وحررت بالبديع البديع، وسلكت على تلك المرابع الرائقة بالنزهة والتوديع.
ولقد وقفت بها وكف ربيعها ... في نسج حلة نورها يتأنق
وسدا خيوط المزن يرسلها الحيا ... أبدا وأكمام النبات تفتق
والروض تولاه الولي ووسمه الوسمى وجشمته نسمات الرياح، وأظللته رايات الصباح، وغازلت كواكب الفجر عيون نرجسه الوقاح، وباكرت الصبا تقبيل ثنايا غوره الوضاح:

1 / 6

من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
والأرض قد أخذت زخرفها وآزينت، وبينت من حكمة الله سبحانه ما بينت ورباها قد تعممت بملونات الأزهار، وأراقم المذانب قد انسابت في مغائر الأنهار، والزمان قد استقبل اذاره، وخلع عذاره:
فالنور عقد والغصون سوالف ... والجزع زند والسرى سوار
رقص القضيب بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمام وصفق التيار
ثم جزنا الوادي الكبير وهو بحر عباب، وفي كل رقعة من أثوابنا ميزات. وسرنا والموج غمر، وذلك الماء على الأجساد ثلج وفي أكبادنا جمر، والريح ترمي بحاصب، والودق يأتي من كل جانب، والدوافع ترعب، والمذانب تتعب، والقطر قد ملأ كل خرق وسبسب، وورد آتيه من كل آتي ومذهب، وجاء بكل صبح وغيهب. ولم تزل الأمطار تتوالى وتنزل:
كأن السحاب دوين السما ... نعام تعلق بالأرجل
فادمعها سح وسكب وديمة ... ورش وتوكاف وتنهملان
فسرنا على تلك الحال، ونحن من طوفان تلك السحائب في أعظم الأوحال، وقد أعيا الركوبة ما أدهى حمله من مستنقع الأثقال، حتى وصلنا إلى) قسطنطينة (والركاب فاشلة، والنفوس ذاهلة، والتلاع سائلة، وجفون السحاب هاملة هاطلة، والشآبيب مستمرة، وحلاوة العيش ممرة، والأوحال تمنع من خروج يعيد الأبدان معفرة، والثياب معصفرة، فحللنا منها في حصن حصين، ومكان مكين، وربوة ذات قرار ومعين، وقاعدة أمن وتأمين، وتمهيد وتسكين، صحيحة الهوى، بعيدة المهوى وبسبب ذلك تنسب إلى الهوى المقصور، فيقال: قسطنطينة الهوى، ناهيك من مدينة تحوم حول سحاب القطر، وتسوم بارتفاعها مراقي الكواكب الزهر، وتصون بامتناعها من حدثان الدهر، وتصول ببساط الملك وبسيط الزهر، وتروق بناعم الروض وهامر النهر، وتفخر بجمال المحاسن كل الفخر، ويخترق بطاحها نهر ينساب فيها انسياب الأرقم، ويدور بها دور السوار بالمعصم، ويغوص ببعض حافاتها فيغيب عن العين، ثم يبدو بخارجها كأنه سبائك اللجين، فيسيل على تلك البطاح سيلا، ويتخللها جداوله فتجر بها ذيلا، وتعمها شربا، وتسقي منه بماء واحد ورياه تعود منه بما شئت من صلة وعائد:
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشعر من لم يشعر
ما آصفر وجه الشمس عند غروبها ... لا لفرقة حسن ذاك المنظر
بها تتوفر الأرباح، وبأعلاها تتبارى الرياح، وبشتى أقطارها يتلاقى التاجر والفلاح، ويعتز الساكن منها في الحصن الأحمى، والموطن الأسمى، والمحل الأسنى، والعيش الأهنى، ويمسك له في خزائنه الواسعة من ياقوت القوت ما يفنى الدهر وهو لا يفنى، تهابه النفس عند موافاته وتأوي الفتح الكواسر بأدنى حافاته، وتزل أقدام الصاعدين إليه على أكثر صفاته، وتعجز أوصاف الواصفين عن بعض صفاته:
يأوي إليه كل أحور ناعب ... وتهب فيه كل ريح صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرة ... من دهره يشكو انقطاع الابهر
وبادرت فدخلناها في يوم الجمعة السادس عشر لرجب المذكور. وبادرت إلى لقاء الفضلاء، ومباحثة النبلاء، اجتلى واجتنى ولا اجتنب، وأنا والطرس في ملأ انتقى منهم وانتخب. فمما أنشدني المنزل، رب المنزل الشيخ الإمام الرواية الحاج الفاضل المتفضل: أبو الحسن علي بن عبيد الله لبعضهم:
ما رأينا ما سمعنا ... كزمان نحن فيه
كل من تلقى تراه ... يشتكي ما تشتكيه
وذكر لي قال كتب بعض السؤال إلى بعض أهل هذه المدينة يستجديه ويستحثه بقوله:
ماذا أقول إذا سئلت وقيل لي ... ماذا لقيت من الجواد المفضل
ان قلت: أعطاني، كذبت، وأن أقل: ... يخل الجواد بما له لم يجمل
فاختر لنفسك ما أقول، فأنني ... لا بد أخبرهم وان لم أسئل
فأجابه المسئول بقوله:
أعجلتنا، فأتاك عاجل برنا ... قلا، ولو أمهلتنا لم نقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تقل، ... ونكون نحن كأننا لم نسأل
وأخبرني قال: أقبل أعرابي إلى داوود بن المهلب فقال له: أني مدحتك فاسمع. فقال على رسلك، ثم دخل بيته وتقلد سيفه وخرج فقال: قل، فان أحسنت حكمناك، وان لم تحسن قتلناك فانشأ يقول:
أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المغشى والبؤس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان ان شددت به أزري

1 / 7

له حكم لقمان وصورة يوسف ... وحكم سليمان وعدل أبى بكر
فقال له: قل قد حكمناك، فان شئت على قدرنا وان شئت على قدرك. قال:) بل على قدري (فأعطاه خمسين ألفا، فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدرة الأمير؟ فقال لهم: لم يكن في ماله ما يفي بقدره، فقال له داود: أنت في هذه أشعر منك في شعرك، وأمر له بمثل ما أعطاه.
وأنشدني أيضا قصائد تقيدت في غير هذا، واجازني جميع مروياته، فهو روضة الأدب الناعمة الغضة، وصحيفة الرواية النقية المبيضة، وحامل المكارم المنقضة والمحامد المرفضة، وجامع المحاسن التي بها أدمع الصبابة منفضة، ألسنا لمن وأخاه، السنى في كل ما يتوخاه، العاكف على ما يحمد عقباه. العارف بما رواه ورواه، الحفى بمن آتاه المنيب إلى أواه، الخاشع لمولاه، أبو الحسن بن عبيد الله، تغمده الله برحماه، وجعل الجنة نزله ومثواه، برحمته، ولم أزل أو إلى أهل الولا، واختص بذوي السؤدد والملا، حتى جاء الفراق، ومارق ولا راق، فأنشدتهم وقد قوى العزم، لأبى المغيرة بن حزم:
واجد بالخليل من برحاء الشو ... ق وجدان غيره بالحبيب
ان قلبي لكم كالكبد الحرى ... وقلبي لغيركم كالقلوب
وخرجت منها ضحوة يوم الأحد الثامن عشر من رجب المذكور في جمع وافر، ذي خف وحافر، سرنا نقتفي البيداء، ونغتدى في كل ثنية جرداء، قد دأبنا على الترحال، وركبنا متون الوحال، سمونا على الماء كسمو حبابه حالا على حال، إلى أن وافينا بلد العناب،) وتسمى أيضا بونة (وصلناها أيضا بيمن الله على أفضل الأحوال، ودائرة البيضاء يمنى مركز الزوال، فدخلناها في يوم الجمعة الثالث والعشرين لرجب المذكور، فرأيت مدينة مكينة، وقلعة حصينة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، ومعدومة الشبيه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة، سامية الأرجاء، واسعة الفناء، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء، والمدينة العجيبة كالعروس في ناديها قد رفلت في درع واديها، وامتنعت بحسامه المسلول من غير الأيام وعواديها، فأخذت به من المطالب معتصما، وتجلت في سواره معصما فبكل مسقط نظرة ما اشتهت الأنفس من نعيم ونضرة، نهر هتان، يحفه بستان، ومرآي لخواطر الأدباء فتان:
نهر يسيل كما يذوب نضار ... وتدور في أيدي السقاة عقار
فإذا استقام فصارم دامي الظبا ... وإذا انحنى جزع به فسوار
مغرورق التيار، ملتطم كما ... خفقت بظهر مهب ريح نار
فاحمر وأخضر النبات بشطه ... فكأن ذا خد وذاك عذار

1 / 8

لها أرض تقتنص النظر بتدييج أزهارها، وأطراد أنهارها، وتؤمن الراكض بها من هفوة غبارها، وكبوة عثارها، كأنما نسج أديمها منسج، واستوت أطرافها وأوساطها فجوها سجسج، ومتى تكلمت الفصول أعاد الله شبابها، فأنشأها خلقا جديدا، وجعل عودها مثمرا وظلها ظليلا مديدا، فيالله اتساع ظواهرها وبواديها، والحسن البادي ببحرها وبواديها، وارتفاع تلك القلعة والحصن، وما أوتي من النعمة والحسن، قد عمرت نجاده وغيطانه، واستقر بين خصب الوادي، ورحب النادي ثواؤه واستيطانه صعدت إليه فرأيت حصنا مستقلا، وكثيرا من الحسن لا مقلا، بل معقل الحسن ومستقره، ومجاز الأنس وممره، قلعة قد عقد الجبل حبوتها، وأزلق العراب أن تطأ ذروتها، وعصم سوار الوادي الملوي معصمها، وحمت غرر دهمائها أدهمها، فالخيل تصعد منها أنجما في فلك، بين طالع كطالعها أو غارب كغاربها، والأرجل منها على كرة لا تستقر بأخمص راجلها ولا بحافر فرس راكبها وكأنها قد اعتزت لولا ما جعل الله الأرض ذلولا، وأمر أهلها أن يمشوا في مناكبها، فمشيت منها في مركب سام، وألف بالنجوم مسام، ثم خرجت من المدينة في صبيحة يوم الأحد الخامس والعشرين لرجب المذكور سالكا سبيل جبل الحفاء، ومالكا من الرجاء ما برح به الخفاء، من جبل يقرع الواصل إليه سن الندم، ولا يكاد يشرب الماء إلا من قليب دم، قد أفرط في الجفا، واشتهر بالحفا، وجمع بين غلظ الشعراء والأرض الوعراء، فسلكنا منه في عقاب كفى بسلوكها للمجرمين من عقاب، نكتنف الفزع ونلتحف الجزع، إلى أن جزمتنا عوامله بالحذف، ومنعتها علاته من الصرف، وأسفر لنا وجهه العبوس ومحياه الذي في مشاهدته البوس، عن قطعة من العرب كقطع الليل، حملت علينا حمل السيل، فكان زوال كل ما ملكناه أسرع من لحسة الكلب أنفه، وناهيك عن صبيحة ذلك اليوم فجاءة حال، وسرعة انتقال " وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال ".
لقونا فضموا جانبينا بصادق ... من الطعن مثل النار في الحطب اليبس
وانقلبت اعدى من جام ونجوت برأس طمرة ولجام، منهزما مكلما، يثعب جرحي دما، وصحابي قد منحوا الأكتاف والرقاب، ودماؤهم تسيل على الأعقاب،
وتركتهم تعس الرماح ظهورهم ... من بين مقتول وآخر مسند
ولم نزل نخوض أحشاء كل واد كالثعبان، نتلقف نفس الجريء فكيف بالجبان، فكأن تلك الأودية سيوف لقتل الأنس مسلولة، ولولا زرقة ألوانها لقلت دماء مطلولة، خاتم نظامها ومسك ختامها، ومنتهى كمالها وتمامها، وآخر عذابها وانتقامها يسمى) أبو جردة (قيل لأنه يجرد الإيمان من قلب شاربه، كفاك هذا من أوصافه ومناقبه، وهو على أثنى عشر ميلا من الحضرة، لم تنبت قط حوله عشبة نضرة، ترابه قد أسود، وماؤه قد أظلم، ويقال أنه من أودية جهنم، تعذر علينا جوازه في القارب فما توسطته راكبا إلا والمركب قد غمرته المياه وحملتني وإياه، وكنا من المغرقين لولا ان رحم الله، ثم خرجت سابحا، وقد ذهب الوادي بأكثر القوم، بسبب ما أنعم الله به علي من معرفة السباحة والعوم، وحصلت على ساحل النجاة ولا شيء إلا مبلولا، ولا شد إلا محلولا آو محمولا.
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
فوصلت إلى) حضرة تونس المحروسة (في ليلة يوم السبت أول من شعبان المكرم من العام المذكور بعد اللتيا والتي، وانضاء جسمي ومطيتي، وأخلاق البيتين اللذين لم أخلهما عن فكري ورويتي.
يقولون تونس مصر عظيم ... وأرجاؤها جنة زاهرة
نعم هي مصر لأربابها ... وللواردين هي القاهرة
فأرحت الراحلة من الرحل، واستبشرت بالخصب بعد المحل، ولابد دون الشهد من أبر النحل، فبتنا بها جيران دولاب يهدل، وأغصان تثني وتعتدل، وستر الظلام ينسدل، وتلك الحضرة تتلفع بثمارها تلفع الكاعب بخضرة خمارها، قد سلت على بساط الروض من المذانب حساما، وضحكت ثغور شرفاتها ابتساما، والدولاب بندب من الزهر الذاوي هديلا، ويتوسل للروض بدموعه فيخلف له بديلا، فبت أجاوب أنين ذلك الدولاب، وأجري بدمعي دمعه في الانسكاب، وأنشد فيه لبعض الأعراب:
باتت تحن وما بها وجدي ... واحن من طرب إلى نجدي
فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي

1 / 9

ولما تفرى عن وجنة الأفق عذار العيهب، وتتوج كسرى المشرق بالتاج المذهب، طفقت أتمشى في الأماكن المكينة، وأتخلل سكك المدينة وأتعجب من محاسنها المستبينة، ووضوح قدمها ورسوخ قدمها وبهجتها وانفراجها، وانفساح رباها وأبراجها، ورونق رياضها، وتذلل الهموم لفرجتها وارتياضها، واتساع جنباتها وإفنائها، وكما لها في البلاد البحرية وغنائها، وإيناع حدائقها المحدقات، وإحرام حجيج الأنس في ذلك الميقات، فدخلت منها جنة حفت من طرقها بالمكاره، وعقيلة عقلت قلب الطائع والكاره، فهي الدمية الغراء، والقبة اللعساء، والخريدة العيناء، تزهى بها المحافل، ويحتقبها الطالع والآفل ولله در القائل:
لتونس تؤنس من جاءها ... وتودعه لوعة حيث سار
فيغدو ولوحل أرض العراق ... يحن إليها حنين الحوار
ويأمل عودا ويشتاقه ... اشتياق الفرزدق عود النوار
فالتاح بتونس الأنس، وانشرحت النفس، وصلحت الحال واللبس، ووجدتها كما قال أبو الحسن المري:
تؤنس بالغرب خير دار ... تؤنس من حلها غريبا
حللت عقد البعاد لما ... حللت من أهلها قريبا
وظللت ألقى أكابر الأولياء، وآخذ عن العلماء الأتقياء، فأول من لقيته بها من الأولياء والأفراد، والعلماء الزهاد، السيخ العالم الولي لله تعالى، أبو الحسن علي، المشتهر بالمنتصر، أفاض الله علينا من بركاته. هو صدر من صدور أئمة الدين، وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء الزاهدين، حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، وحافظ للكتاب والسنة، ومحافظ على اتباع الشريعة والملة، قائم بأعباء صلاح الأمة، باسط للضعفاء وذوي الحاجات جناح الرأفة والرحمة، كثير الصيام والقيام، دائم الخلوات ومستجاب الدعوات وقورا صموتا، مهابا معظما:
قابلته فملئت منه مهابه ... شغلت علي فصاحتي وبياني
ولثمت قرب فنائه فكأنما ... قبلت من طرب خدود غواني
رحل إلى المشرق قديما ووعى الكثير، وشأنه كبير، وله من المكاشفات وإجابة الدعوات ما هو أشهر من أن يذكر، حللت بحلاله، وانضويت إلى جلاله، وخيمت بسوارف ظلاله، فألقيت فيه ركنا عظيما ومأوى كريما وابابرا رحيما وإماما أوسعني إفادة ونصحا وتعليما، وسبب ذلك أن أخي أبا بكر محمدا لما خرج إلى وجهته الحجازية، وعلم الله تعالى منه صلاح النية وخلوص الطوية، وانتهى إلى الحضرة التونسية، جملته عوارف الألطاف الخفية، وعطفته عواطف القدرة الربانية، إلى لقاء شيخنا هذا والتبرك به، وطلب الدعاء منه فتفرس ﵁ فيه مخايل النجابة ولاحت له عليه دلائل الصدق والإنابة، فضمه إلى جانبه الشامخ القواعد، وكفله كفول الوالدة والوالد، حتى جعل تحت حرمته، واختص بصحبته، وظهر فيه صدق فراسته وبركة دعوته، ثم ارتحل عنه مشرقا بعد تراخي المدة، وتوالي الأيام والأشهر الممتدة، قرير العين، ملي اليدين، فائزا بحظوة الدارين وحين وردت موارده، وحضرت معاهده، وسألت عن مطلع شمسه، مسير يومه وأمسه، فأخبرت أن الذي نعنيه بالسؤال، قد بانت برحيله الرحال، سقطت على التراب معفرا، وأفضت فأنشدت حين سرى:
ماذا وقوفك والركاب تساق ... أين الجوى والمدمع المهراق
الغير هذا اليوم يخبأ أو ترى ... بخلت عليك بمائها الأماق
حتى لقد رحلوا بقلبك والكرى ... ان النواظر لا الدموع تراق

1 / 10