Tafsir Surah An-Nur
تفسير سورة النور
اصناف
توبة القاذف وأقوال أهل العلم في هذه المسألة
وأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٥]: بعد أن بين الله ﵎ حُكْم مَن وقع في هذه الكبيرة وهذا الذنب العظيم، فتح الباب للتائبين، ورغَّب في الرجوع إليه لعباده المنيبين، فقال سبحانه وهو أرحم الراحمين: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا): (إلاَّ) حرف استثناء، والاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فأراد الله ﷿ بهذه الآية الكريمة أن يستثني شيئًا مما سبق ذكرُه مما ترتب على القذف من العقوبة، فقال سبحانه: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) .
التوبة من القذف للعلماء فيها قولان: الأول: أن التائب من القذف لابد أن يعترف أنه كان كاذبًا في القذف، وأن فلانًا ليس بزانٍ، وفلانة ليست بزانية، وأصحاب هذا القول هم الجمهور، يقولون: إن الذي يقذف غيره فيتهمه بالزنا لا يعتبر تائبًا إلا إذا كذب نفسه، فقال: فلان الذي اتهمته بالزنا ليس بزان، ويرجع عن قوله وتهمته، هذا هو قول جمهور العلماء، يقولون: لو تاب وأناب وأصلح، وكان من خيار عباد الله، وبقي على التهمة بالقذف؛ فإنه لا يزال -والعياذ بالله- قاذفًا، وهذا القول هو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه، ولذلك لما وقعت حادثة المغيرة بن شعبة ﵁، وشهد عليه الشهود ورجع بعضهم، قال عمر لـ أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵁: تب أقبل شهادتك، أي: ارجع عن قذفك للمغيرة حتى أقبل الشهادة منك، فهذا يدل على أن التوبة من القذف أن يكذب القاذف نفسه ويقول: فلان الذي اتهمته بالزنا ليس بزانٍ وفلانة التي اتهمتها بالزنا ليست بزانية.
القول الثاني: إن التائب من القذف لابد أن يُصْلِحَ حاله، وأن يستقيم في ظاهره وباطنه، ولا يشترط عند أصحاب هذا القول أن يكذِّب القاذف نفسه، بل قالوا: إنه إذا تاب وأناب ورجع إلى الطاعة واستمر وداوم عليها فإنه يعتبر تائبًا منيبًا إلى الله ﷿ يشمله الاستثناء في هذه الآية الكريمة، وهذا القول هو مذهب الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس ﵀، يقول: إن التوبة بصلاح الحال.
وأصح القولين -والعلم عند الله-: أنه لا توبة للقاذف إلا إذا كذب لفظه، فقال: فلان الذي اتهمته بالزنا ليس بزانٍ، وفلانة التي اتهمتها بالزنا ليست بزانية، فإذا فعل ذلك كان تائبًا وإلا فلا.
وقوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي من بعد قذفهم.
(وَأَصْلَحُوا): أي أصلحوا بالقول الطيب فقالوا قولًا طيبًا بعد أن قالوا القول الخبيث والفحش الذي لا يرضي الله.
3 / 18