تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة
اصناف
[2.191]
{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم } وجدتموهم وعلى ما ذكر من أنه ناسخ للآية الاولى فنزوله كان بعدها بتراخ { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } يعنى من مكة كما كانوا أخرجوكم وقد فعل ذلك بمن لم يسلم { والفتنة أشد من القتل } لما عاب بعض المؤمنين رجلا من الصحابة قتل رجلا من الكفار فى الشهر الحرام وكرهوا القتال فى الحرم والشهر الحرام فى عمرة القضاء قال تعالى { الفتنة } اى الكفر بالله والافساد فى الارض التى ارتكبها المشركون أشد من القتال فارتكاب القتال لدفع محذور أشد ممدوح لا أنه موجب للذم والعقوبة ولكن احفظوا حرمة الحرم وحرمة الشهر الحرام { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم } تصريح بمفهوم الغاية { فاقتلوهم } حتى يكون القتل منكم دفاعا والدفاع فى الحرم حفظ لحرمته لا هتك لها { كذلك } القتل بعد المقاتلة { جزآء الكافرين } بحرمة الحرم او بالله.
[2.192]
{ فإن انتهوا } عن القتال فى الحرم فلا تتعرضوا لهم فيه { فإن الله غفور } يستر ما فرط منهم { رحيم } يرحمهم بترك عقوبتهم على كفرهم فى الحرم.
[2.193]
{ وقاتلوهم } عطف على اقتلوهم يعنى فان قاتلوكم وبدؤكم بالقتال فى الحرم فاقتلوهم وقاتلوهم او عطف على لا تقاتلوهم عند المسجد يعنى لا تقاتلوهم فى الحرم الا ان يبدؤكم بالقتال فيه وقاتلوهم مطلقا فى غيره بقرينة المقابلة { حتى لا تكون فتنة } شرك وافساد { ويكون الدين } اى سيرة الخلق او عبادتهم او طاعتهم او ملتهم { لله فإن انتهوا } عن المقاتلة فى الحرم او عن الشرك مطلقا فانتهوا عن القتال { فلا عدوان } اى لا عقوبة والعدوان مصدر عدا يعدو عدوا بمعنى الظلم والعقوبة من غير استحقاق لكنه جرد هاهنا عن قيد عدم الاستحقاق واستعمل للمشاكلة { إلا على الظالمين } المقاتلين او المشركين.
[2.194]
{ الشهر الحرام بالشهر الحرام } سمى بالشهر الحرام لحرمة القتال فيه حتى لو ان رجلا لقى قاتل ابيه او اخيه فيه لم يتعرض له بسوء، والاشهر الحرم كانت اربعة؛ ثلاثة متوالية؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، وسمى ذو القعدة بذى القعدة لقعودهم عن القتال فيه ولما كانوا متحرجين بالقتال فى عام عمرة القضاء وكان المشركون تعرضوا لقتالهم فى العام السابق فرفع التحرج عنهم بأن قتال المشركين فى الشهر الحرام بازاء قتالهم اياكم فى الشهر الحرام، او المراد تهنئة المؤمنين وتسليتهم بأن دخول مكة فى ذى القعدة بازاء صد المشركين فى ذى القعدة فى العام السابق فالتقدير قتال الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام او دخول مكة فى الشهر الحرام بازاء صدهم عنها فى الشهر الحرام { والحرمات } جمع الحرمة بالضم والسكون وبضمتين وكهمزة ما لا يحل انهتاكه والذمة والمهابة والنصيب { قصاص } قيل: كان المشركون فخروا بردهم رسول الله (ص) فى عام الحديبية فقال تعالى: تهكما بهم: والحرمات فيها قصاص ونسب هذا الى الباقر (ع)، وقيل: انه ايضا رفع لتحرج المسلمين بالقتال فى عام القضاء، يعنى ان الحرمات يجب حفظها ولا يجوز هتكها ولكن يجوز الاقتصاص فيها وجمع الحرمات باعتبار حرمة الشهر وحرمة الاحرام وحرمة الحرم وقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم } يؤيد هذا الوجه واعتدى وعدى وتعدى بمعنى ظلم { فاعتدوا عليه } يعنى فى الشهر الحرام وفى الحرم او مطلقا واستعمال الاعتداء مع أنه ليس من المؤمنين اعتداء من باب المشاكلة والتجريد مثل ما مضى فى العدوان { بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله } فى الابتداء بالاعتداء وفى التجاوز الى الزيادة فى الانتصار ولما كان النفوس غير واقفة على قدر ما يفعل بهم فى الاقتصاص بل هى طالبة لان تفعل بالجانى اضعاف ما جنى عليها خوفا من اجتراء الجانى وغيره على التعدى عليها واطفاء لاشتعال غضبها رفع ذلك الخوف واطفأ هذا الاشتعال بقوله { واعلموا أن الله مع المتقين } فلا تخافوا من تعدى عليكم وتسلوا بالله لا بامضاء الغضب.
اعلم ان النفوس فى مراتب التسليم والانقياد مختلفة؛ فنفس لا تقوى على الانقياد اصلا فلا تقبل من الله تعالى امرا ولا نهيا وتعتدى على الغير ابتداء وتقتص من الجانى عليها بما تقدر عليه ولا كتاب معها ولا خطاب وامرها موكول الى وقت المماة، ونفس تقدر على قبول الامر والنهى لكنها لا تقدر على ترك القصاص فرخصها الله تعالى ونهاها عن التجاوز عن قدر الجناية وقال لمثلها على سبيل التلطف: وان تصبروا فهو خير لكم، ونفس تقدر على ترك الاقتصاص لكن لا تقدر على الصفح الذى هو تطهير القلب عن الحقد على الجانى فأمرها تعالى بكظم الغيظ والعفو عن الجانى، ونفس تقدر على الصفح لكن لا تقدر على الاحسان الى الجانى فكلفها تعالى الصفح وآخر المراتب القدرة على الاحسان الى الجانى والله يحب المحسنين، فتكليف الله تعالى على قدر وسع النفوس
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
نامعلوم صفحہ