720

{ لن يستنكف المسيح } لن يترفع وأصله مطلق الاعتزال عن الشىء أو الابتدال فى شىء ، ومن هذا مع اختلاف المادة ، استأنف العمل ، والجملة المستأنفة والنكف أيضا قول السوء ، يقال ما عليه فى هذا الأمر نكف ، أى سوء ، فيجوز حمل الآية عليه ، واستفعل للسلب ، وشهد الاستنكاف فى الامتناع والانقباض والتكبر ، وقد فسره ابن عباس بالاستكبار { أن يكون } عن أن يكون { عبدا لله } لأنه مذعن لله بالربوبية ، وفى نفسه بالعبودية ، للتشرف بها ، منتف عن العبودية والنبوة اللتين تدعيان عليه ، أرسل رسول الله A صحابيا إلى الجلندى فى عمان ، يأمره بالإيمان ، فقدم الصحابى من نفسه كلاما ، هو أنه ، هل تعرف أن عيسى عليه السلام يعبد الله؛ قال : نعم ، قال : فإنى أدعوك إلى من كان عيسى يعبده ، ثم بلغه رسالته بالنبى A ، وقد نص بولس من النصارى فى رسالته ، إن يسوع مؤتمن من عند خلقه ، مثل موسى ، وأنه أفضل من موسى ، وقال مرقص : إن يسوع قال : نفسى حزينة حتى الموت ، ثم خر على وجهه يصلى الله تعالى ، وقال : لله الأمر كما تريد ، لا كما أريد ، وخر على وجهه يصلى { ولا الملائكة المقربون } أن يكونوا عبيدا لله متشرفين بالعبادة متنزهين عن أن يكونوا آلهة ، ومنزهين لله أن يكونوا بنات الله ، وإذا كان الملائكة مع علو مقامهم بالسموات وفوقهم وعظم عبادتهم وطول أعمارهم مع عد الفتور عنها لا يأنفون عن العبودية ، ويقصرون العظمة على الله ، وينزهونه عن صفات الخلق فكيف عيسى عليه السلام ، الذى هو دون ذلك ، فهو ولو كان أفضل من الملائكة بالنبوة وعصيان الهوى والدواعى لكنه دونهم فى العبادة المذكورة لهم فالآية تتضمن الرد على مشركى العرب القائلين : الملائكة بنات الله ، والمجوس العابدين لهم ، والملائكة كلهم مقربون ، وقيل : المراد فى الآية نوع منهم يسمون مقربين ، وهم أفضل الملائكة ، وفى الحديث : « المؤمن الواحد خير من الملائكة كلهم » ، ولا يشكل أن سيدنا محمدا A أفضل منهم ، وزعت المعتزلة والقاضى أبو بكر والحليمى ، أن الملائكة أفضل من الأنبياء ، وكون كلام العرب على الترقى من الفاضل إلى الأفضل غالب ، لا لازم ، ولا حجة لهم فى الآية ، وتوقف بعض المحققين فى غيره A من الأنبياء ، هل هم أفضل من الملائكة؟ وقال : إن الباب خطير ، فالوقف أسلم { ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر } الاستكبار دون الاستنكاف ، وإنما يستعمل الاستنكاف حيث لا استحقاق بخلاف الاستكبار فقد يكون بالاستحقاق ، وأصله طلب الكبر من غير استحقاق ، فهو اعتقاد نفسه أنه كبير ، واختار صيغة الطلب لأنه لو أمكن تحصيله لم يحصل إلا بكد ، وأيضا لأنه محض طلب دون حصول المطلوب ، وفى الحديث ، الكبر بطر الحق وغمط الناس { فسيحشرهم } إنما صح أن يكون جوابا مع أن الحشر واقع ولو لم يستنكفوا ، لأن حاصله الجزاء ، فكأنه قيل ، فسيجازيهم ، أو يقدر ، فلن يهملهم لأنه سيجازيهم { إليه جميعا } للعقاب والثواب ، من يستنكف ومن لا يستنكف بدليل التفصيل فى قوله :

{ فأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات } الخ ، أو الهاء لمن يستنكف ، والتفصيل من عرض الكلام فى عذابهم ، إما بتحسرهم بما نال المؤمنون ، فإن التحسر بالخسران وفوز العدو عذاب عظيم ، وإما بالعذاب الأليم بعد { فيوفيهم أجورهم } على توحيدهم وأعمالهم وتقواهم { ويزيدهم من فضله } كل ما أمكن ولاق ، مما لاعين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، أو ملك تفصيلا وإحاطة ، ولو كان نعم الجنة كلها كذلك ، لكن بعض فوق بعض ، ومقتضى الظاهر ، فأما الذين لم يستنكفوا كما هو المناسب لما قبل وما بعد ، وعدل عنه إلى ما فى النظم الجليل ، لأنه المستتبع لتوفيه الأجور وزيادة الفضل ، وأما عدم الاستنكاف فلا يفيد ذلك صراحا { وأما الذين ستنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما } عند الموت وفى القبر والحشر والموقف والنار { ولا يجدون لهم من دون الله وليا } يدفع عنهم العذاب بعد مجيئه { ولا نصيرا } يمنعه عنهم قبل المجىء ، أو وليا يلى أمورهم ومصالحهم ، ونصيرا ينجيهم من العذاب مطلقا .

صفحہ 221