تفسير اطفيش
تفسير اطفيش
روى أنها نزلت حين كان الرجل يطوف فى القول الكثير يدعوهم إلى تحمل الشهادة فلا يجد ، فهذا يناسب أن المراد من يتحملها لا من يؤديها ، وتحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية على الرجال والنساء ، فإن وجد غير المدعو لم تلزمه إن قبل غيره ، وإلا ، أو لم يوجد سواء كانت فرض عين عليه ، وكذا غيره ، وقد يقال المدعو لأدائها تسميته شاهدا مجاز للمشارفة ، والأول ، إنما يكون حقيقة إذا أداها ، فيكون المدعو لتحملها شاهدا بتوسط وقوع تحمله لها المؤدى إلى أدائها { ولا تسئموا } تملوا لمؤنة الذهاب إلى الكتب وأجرته ، وكثرة المداينة ، وقد قيل : كنى بالسأم عن الكسل ، لأنه من صفة المنافق ، كما قال A : لا يقل المؤمن كسلت ، قيل : وإنما يقول ، ثقلت { أن تكتبوه } الدين أو الحق ، أو ما دعيتم إليه ، أو ما شهدتم عليه ، أو المكتوب ، لأنه مذكور ضمنا ، والماصدق واحد ، والخطاب لأصحاب الحقوق ومن عليه الحق والشهود ، وسماهم كتابا لأنهم أسباب الكتب ، والمصدر مفعول به لتسأموا بمعنى تملوا ، أو على تقدير الجار له على معنى لا تكسلوا ، أى لا تكسلوا عن أن تكتبوه { صغيرا أو كبيرا } ذلك الدين ، أو كتبا قليل الألفاظ ، أو كثيرها ، وقدم الصغير لأنه مما يتهاون به ، فقدم التحذير عن تركه بلا كتب وفيه الترقى من الأدنى إلا الأعلى ، وهو حال من الهاء ، ومن العجيب جعله خبرا لكان تقدر بلا داع { إلى أجله } مستقر فى الذمة إلى حلول وقته ، فهو حال لا متعلق بتكتب ، لأن إيقاع الكتابة غير متكرر إلى الأجل { ذلكم } أى الكتب المذكور فى قوله أن تكتبوه ، وهذا أولى من أن تجعل الإشارة إلى الإشهاد ، ورجح أن الإشارة إلى جميع ما ذكر ، والخطاب للمؤمنين أو الحكام { أقسط عند الله } أى ذلكم العدل ، فأقسط خارج عن التفضيل إلى معنى الصفة المشبهة ، إذ لا قسط فى ترك الكتب ، أو هو على بابه لكن فى الإشهاد بلا كتب نوع توثق ، والكتب أفضل منه ، أو الكتب فى حسنه أبلغ من الترك فى سوئه ، وهذه الأوجه أيضا فى قوله { وأقوم } صحت الواو ولم تقلب ألفا فيقال : وأقام بفتح الهمزة وضم الميم لأنها صحت فى مثل أفعل التفضيل ، وهو فعل التعجب ، نحو ما أقومه ، وكذا تصح الباء فيه لأنه تصح فى فعل التعجب { للشهدة } أشد إعانة على إقامتها ، لأنه يذكر ما ينسى ، وهما اسما تفضيل من أقسط وأقام الرباعى سماعا عند الجمهور ، وقاسه سيبويه والكوفيون من الرباعى بزيادة همزة ، بل لنا أن نقول جاء قسط بمعنى عدل ، وقاسط بمعنى عادل ، وقسط بمعنى العدل ، ولا يختص بالجسور ، كما صح قام منهما من الثلاثى ، أى أشد قياما للشهادة ، تقول ، فلان قويم ، بمعى ذا استقامة ، أو من قسط بضم السين بمعنى صار ذا قسط ، أى عدل { وأدنى } أقرب { ألا ترتابوا } إلى أن لا ترتابوا ، أى ألا تشكوا فى جنس الدين وعدده وأجله وشهوده وما عقدتم عليه من الأحوال ، أو أدنى من ألا ترتابوا ، وليست بمن التفضيلية أو أدنى لأن ترتابوا ، وذلك كما تقول ، قربت من زيد وقربت لزيد ، أو فى ألا ترتابوا ، أى قريب فى شأن انتفاء الارتياب { إلا أن تكون تجرة } تصرف فى المال بالعقد لقصد الربح { حاضرة تديرنها } تعاطونها { بينكم } يدا بيد ، والإدارة تتصور فى المال ، فإسناد الحضور والإدارة إلى التجارة مجاز عقلى ، ولا مانع من جعل التجارة بمعنى اسم مفعول ، أى متجر به ، بفتح الجيم ، وحضور المال غير إدارته ، فتدير تأسيس لا تأكيد ، والاستثناء منقطع ، أى لكن التجارة الحاضرة لا يشترط الكتب والإشهاد فيها ، أو متصل أى اكتبوها كل حال ، إلا حال كون التجارة حاضرة ، كذا يقولون بالتفريغ فى الإثبات ، وليس المشهور ، ولكن المعنى صحيح { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } لا ذنب عليكم فى انتفاء كتبكموها ، لأنه قد أخذ كل واحد حقه فلا جحود ولا نسيان ، واليد دليل الملك فلا يلزم الكتب ، وإن كتب فحسن ، لأن الآية رخصت ألا يكتب رفعا للمشقة .
صفحہ 342