تفسير صدر المتألهين
تفسير صدر المتألهين
وتقديم نعمة الحياة في الذكر على سائر النعم المذكورة، لتقدمها طبعا، ولكونها ما يتمكن به الإنسان من الانتفاع والالتذاذ بغيرها.
ثم إن الإتفاق، مع أنه قد وقع على أن المراد من قوله: { وكنتم أمواتا } إما التراب - كما في خلق آدم أبي البشر -، وإما النطف - كما في خلق أولاده ما خلا عيسى عليه السلام - ولكن اختلفوا في أن اطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز؟ والأكثرون على أنه مجاز، لأنه شبه الموات بالميت، لأن الموت عدم الحياة عما من شأنه أن يقبل الحياة بما فيه من اللحمية والرطوبة، والحمل على الحقيقة أولى، كما دل عليه ظاهر هذه الآية وغيرها، إذ لا داعي للعدول عن الحقيقة، وأما القوة المأخوذة في أعدام الملكات، فهي قد تكون بحسب الجنس، كما في عمى العقرب، فجنس الجماد والنبات - وهو الجسم الطبيعي - فيه قوة قبول الحياة.
واعلم إن الحياة في المشهور عند الجمهور، حقيقة في القوة الحساسة أو ما يقتضيها، وبها سمي الحيوان " حيوانا " ، وتطلق على القوة النامية مجازا، لأنها من طلائعها ومقدماتها، وعلى ما يختص بالإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والايمان من حيث إنه غايتها وكمالها.
والموت بإزائها يطلق على ما يقابلها في كل مرتبة؛ قال تعالى:
قل الله يحييكم ثم يميتكم
[الجاثية:26]. وقال:
اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها
[الحديد:17]. وقال:
أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس
[الأنعام:122]. وإذا وصف بها الباري سبحانه، أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك.
نامعلوم صفحہ