تفسير صدر المتألهين
تفسير صدر المتألهين
فإذا سئلنا بأن الأرض لماذا صارت في وسط الأجسام؟
قلنا: لأن الله بقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، جعلها ذات طبيعة تقتضي ميل جسمها إلى تحت مطلقا.
وإن سئلنا: لم صار الجسم ذا هذه الطبيعة؟
قلنا: لأن هذه الطبيعة اقتضته واستلزمته.
ثم إن سئلنا بأن هذه الطبيعة لم صارت هذه الطبيعة؟ فلا يستحق الجواب، إذ كل شيء هو هو، والجعل لا يتخلل بين الشيء وذاته.
وإن سئلنا: بأنه لماذا وجدت هذه الطبيعة؟
قلنا: لإرادة الله وأمره المنبعثين عن علمه بوجه الخير في جميع الأشياء، التي من جملتها هذه الطبيعة على ترتيب ونظام لائق، وهو عين قدرته النافذة في جميع الأشياء، على ترتيب تقدم وتأخر ونظام، فبقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، يمسك الأرض في الموضع الذي أثبته، من غير علاقة من فوق أو دعامة من تحت، كما أمسك السماء أن تقع على الأرض من غير علاقة وضعية، أو اعتماد جسماني، ولكل شيء مقام معلوم لا يتعداه، ولا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، هكذا يجب أن يتصور العارف إرادته وقدرته، ليأمن عن اعتقاد التغير في ذاته، والتعطل في صفاته، والجور في أحكامه.
فإن قلت: هل في قدرة الله أن يخلق هذه الأشياء النازلة في هذا العالم من غير أن يخلق الوسائط والأسباب؟
قلت: نعم، لأن المصحح للمقدورية؛ الإمكان، فمن قدر على خلق الأعلى، يقدر على خلق الأدنى، ومن قدر على ايجاد الجواهر الشريفة، فهو أقدر على الجواهر الخسيسة، كما قال:
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس
نامعلوم صفحہ