تفسير صدر المتألهين
تفسير صدر المتألهين
أما التمثيل الأول، فهو باعتبار فساد قوتهم العلمية التي من شأنها مشاهدة أنوار الحقائق، وأما هذا التمثيل، فهو باعتبار بطلان قوتهم العملية التي من شأنها سلوك طريق الحق بها.
فقوله: { كصيب من السمآء } إما عطف على: الذي استوقد أي كمثل ذوي صيب، بقرينة قوله { يجعلون أصابعهم } أو عطف على المثل، أي مثلهم وحالهم كصيب، فلا بد من تقدير ضمير يعود إليه.
وكلمة " أو " في الأصل، للتساوي في الشك، ثم اتسع فيها فاستعمل للتساوي من غير شك، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، ومنه قوله تعالى:
ولا تطع منهم آثما أو كفورا
[الإنسان:24]. والمراد منع الخلو دون منع الجمع، فالمعنى: أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين، وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما باعتبار الجهتين، وأنت مخير في التمثيل بهما جميعا، أو بأيهما شئت، وكان الممثل له في التمثيل الأول، حال المنافقين المنتسبين بأهل العلم لحفظ ظواهر الأقوال، المغترين بإبداء الشبهات، وهم الذين إذا جاءتهم البينات يفرحون بما عندهم من العلم. وفي هذا التمثيل حال المنافقين الذين هم من أهل النسك وأهل التقليد من غير بصيرة تامة وإياهما عني في قوله صلى الله عليه وآله:
" قصم ظهري رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك ".
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: قطع ظهري رجلان من الدنيا: رجل عليم اللسان فاسق، ورجل جاهل القلب ناسك، هذا يصد بلسانه عن فسقه، وهذا بنسكه عن جهله، فاتقوا الفاسق من العلماء والجاهل من المتعبدين، أولئك فتنة كل مفتون... "
فوجه المماثلة ههنا؛ أن المراد من المطر هو الإيمان، أو القرآن لكونه منشأ الحياة المعنوية والأرزاق الأخروية. والظلمات هي الشبهات والمتشابهات التي يخفى وجهها على الجهال والأرذال ويضلون في إدراكها، كما قال:
يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين
[البقرة:26].
نامعلوم صفحہ