تفسير صدر المتألهين
تفسير صدر المتألهين
اصناف
وأما الثاني: فهو كالمال في الدنيا وساير العلوم في الآخرة.
وأما الثالث: فهو كالمضار التي لا بد منها، كالموت والمرض والهرم والفقر، ولا نظير لهذا القسم في الآخرة، فإن منافع الآخرة لا يلزمها شيء من المضار.
واما الرابع: فهو كالفقر في الدنيا، والجهل، والعذاب في الآخرة.
إذا عرفت هذا فنقول: قد ذكرنا أن النفس في الدنيا ضروري نافع، وبانقطاعه يحصل الموت، وكذا المعرفة في الآخرة، فلو زالت عن القلب لحظة لهلك، لكن الموت الأول أسهل من الثاني، لأنه لا يتألم فيه إلا ساعة واحدة، وأما الموت الثاني، فإنه يبقى عذابه أبد الآباد.
وكما ان النفس له أثران: ادخال النسيم الطيب على القلب، وإبقاء اعتداله وسلامته، وإخراج الهواء الفاسد المحترق عن القلب، كذلك الفكر له أثران، أحدهما: ايصال نسيم البرهان إلى القلب الحقيقي، وإبقاء اعتدال الايمان والمعرفة عليه، والثاني: إخراج الأهوية الفاسدة المتولدة من الشبهات عنه، وما ذلك إلا بأن يعرف ان هذه المحسوسات متناهية في مقاديرها تنتهي بالأخرة الى الفناء بعد وجودها، وأن وراء هذا العالم عالم إليه مرجع نفوسنا المطهرة عن شوائب الأدناس والأرجاس، ليس في ذلك العالم دثور ولا فناء، بل كله حياة وبقاء. ومن وقف على هذه الأحوال بقي آمنا من الآفات، واصلا الى الخيرات والمبرات، وبكمال معرفة هذا الأمر، ينكشف لعقلك ان كل ما وجدته ووصلت إليه فهو قطرة من بحار رحمة الله، وذرة من أنوار إحسانه، فعند ذلك ينفتح على قلبك معرفة كون الله تعالى رحمانا رحيما، وانه مبدأ الخيرات كلها ومعطي جلائل النعم ودقائقها، وسوابق المنافع ولواحقها.
فصل
[اتصافه تعالى بالرحمة]
قد ذكر في توجيه وصفه تعالى بالرحمة، ومعناها التعطف والحنو، ومنها الرحم لانعطافها على ما فيها، انه مجاز عن إنعامه على عباده، وقيل: إن أسماء الله تعالى إنما اخذت باعتبار الغايات التي هي الأفعال والآثار، لا باعتبار مباديها التي تكون انفعالات، هذا غاية ما حصل لأصحاب الأنظار من العلم بمثل هذه الأسماء والصفات.
واعلم ان هذا العلم أيضا مما خص الله به أهل الاشارة دون العبارة، إذ ما ذكروه يؤدي إلى فتح باب التأويل في أكثر ما ورد في أحوال المبدأ، وقد مر في مفاتيح الغيب شيء مما يتعلق بهذه المسألة.
واعلم أن جمهور أهل اللسان، لما صادفوا بالاستقراء جزئيات ما يطلق عليه اسم النار في هذه الدار حارة، حكموا بأن كل نار حارة، ولكن من انفتح على قلبه باب الى الملكوت، فربما شاهد نيرانات كامنة في بواطن الأمور، تسخن الأشياء تسخينا أشد من تسخين هذه النار المحسوسة، ومع ذلك ليست متسخنة ذات حرارة، وهي كقوة الغضب وما فوقها، كالنفس وما فوقها، كقهر الله، فالحكم بأن كل نار حارة على عمومه غير صحيح عنده، وكذلك لما شاهدوا في هذا العالم كل محرك لشيء متحركا، وكل فاعل لشيء متغيرا في فاعلية، حكموا بأن كل محرك متحرك، وكل فاعل لشيء فاعل بعد ما لم يكن، وعند التحقيق والعرفان، ظهر أن ما زعموه مخالف للبرهان، وكذلك أشياء كثيرة من هذا القبيل.
نامعلوم صفحہ