تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
وكيف لا يحسن رزقه سبحانه، مع أنه { الله الذي خلق } أي: أظهر وقدر بمقتضى قدرته الكاملة { سبع سموت } علويات مطبقات على عدد الأوصاف السبعة الذاتية الإلهية، وجعلها مسكنا للمجردات من الملائكة والأرواح { و } قدر { من الأرض } السفلى؛ أي: عالم العناصر أيضا { مثلهن } مطبقات بعضها فوق بعض: طبقة الأثير الصرف، وطبقة الأثير الممتزجة، وطبقة الزمهرير من الهواء، وطبقة الهواء الصرف، وطبقة الماء الصرف،م وطبقة الطين المركب من الماء والتراب، وطبقة التراب الصرف، على عدد القوى السبع الإنسانية الفائضة على أعضائه السبعة، وهي: الدماغ، والكبد، والعين، والأذن، والأنف، واللسان وجميع البشرة من الصانع الحكيم؟!
وإنما رتبها سبحانه وطبقها عليها؛ حين { يتنزل الأمر } الإلهي { بينهن } يعني: تصير السفليات قوابل الآثار العلويات، يقبلن منها ما يفيض عليهن من الكمالات المترتبة على الأسماء والصفات الذاتية الإلهية، كل ذلك { لتعلموا } أيها المجبولون على فطرة العلم والمعرفة { أن الله } المستقل بالألوهية والربوبية { على كل شيء } دخل في حيطة الوجود، ولمع عليه برق الشهود { قدير } لا ينتهي قدرته عند مقدور { و } لتعلموا أيضا { أن الله } المتصف بالقدرة الكاملة { قد أحاط بكل شيء } دخل في حيطة قدرته { علما } [الطلاق: 12] إذ لا يعزب عن عمله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم.
خاتمة السورة
عليك أيها السالك المتحقق بمقام القلب وسعته، وقابليته لنزول سلطان الوحدة الذاتية الإلهية مع بعد غورها، ورفعة طورها عن أحلام الأنام مطلقا أن الله المتجلي على كل جلي وخفي قدير على مقدورات لا تتناهى، ومرادات لا تعد ولا تحصى بمقتضى حيطة علمه بمعلومات لا غاية يحدها، ولا نهاية يحيطها.
فله سبحانه الإعادة والإبداء، والإماتة والإحياء، وله التصرف في ملكه كيف يشاء حسب اقتضاء الأوصاف والأسماء، لا إله إلا هو، له الاسماء الحسنى، وله الحمد في الآخرة والأولى.
[66 - سورة التحريم]
[66.1-5]
{ يأيها النبي } المؤيد بالوحي والإلهام من عند العليم العلام، القدوس السلام مقتضى نبوتك وتأييدك: ألا تخالف حكم الله، ولا تبادر إلى الخروج عما قضى الله { لم تحرم } وتمنع عن نفسك من عندك بلا ورود نهي من قبل الحق { مآ أحل الله لك } وأباحه عليك بمقتضى حكمته وعدالته { تبتغي } بتحريم الحلال على نفسك { مرضات أزواجك } وتترك رضا الله بمخالفة حكمه؟! فارتدع عن فعلك هذا، واستغفر الله لزلتك { والله } المطلع على نيتك وإخلاصك { غفور } يعفو عنك ما صدر منك { رحيم } [التحريم: 1] يرحمك ويقبل توبتك.
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا بأمته مارية في يوم حفصة، فاطلعت حفصة على ذلك فعاتبته، فقال صلى الله عليه وسلم: حرمت مارية على نفسي لأجلك، لا تقولي لأحد من أزواجي، واستكتمي عنهن هذا التحريم، وأيضا الخلافة بعدي لأبي بكر وبعده لعمر، ولا تفش لأحد قط، فأخبرت حفصة عائشة بكلا الخبرين؛ لكونهما متصادقتين، فأخبرت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فغضب صلى الله عليه وسلم وطلق حفصة طلاقا رجعيا، وعزل نساءه تسعا عشرين يوما؛ لأجل هذه الواقعة، فأنزل الله تعالى: { يأيها النبي }.
ثم لما نهى سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه المبالغة والتأكيد، أراد سبحانه أن يبين كفارة اليمين الواقعة من المؤمنين فقال: { قد فرض الله } وشرع { لكم } على سبيل الوجوب { تحلة أيمانكم } أي: بتحليل أيمانكم وتكفيركم عنها { والله } المصلح لأحوالكم { مولاكم } ومولي أموركم { وهو العليم } لعموم مصالحكم ومفاسدكم { الحكيم } [التحريم: 2] في ضبطها وإصلاحها.
نامعلوم صفحہ