تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
{ من فرعون } الطاغي المتجبر المتكبر على الأرض { إنه كان عاليا من } عموم { المسرفين } [الدخان: 31] في عصره، متبالغا في العتو والعناد، والغلبة على العباد أقصى غايته، وبالجملة: لقد أخترناهم أي: بني إسرائيل واصطفيناهم من بين سائر الأمم المعاصرين معهم على علم متعلق منا أنهم أحقاء بالرئاسة والسيادة وأنواع الثروة والجاه على العالمين؛ لكثرة ظهور الأنبياء والرسل فيهم ومنهم وبعد { ولقد اخترناهم على علم على العالمين } [الدخان: 32] بعدما اخترناهم.
{ وآتيناهم من الآيات } العظام الدالة على كمال اختصاصهم بمزيد الشرف والكرامة { ما فيه بلاء مبين } [الدخان: 33] ظاهر، نختبر به إخلاصهم ورسوخهم على الإيمان.
[44.34-42]
ثم لما أوضح سبحاه تفضيح حال المجرمين المكذبين لرسول الله قال: { إن هؤلاء } المسرفين المكذبين لك يا أكمل الرسل يعني: قريشا خذلهم الله { ليقولون } [الدخان: 34] من غاية إنكارهم بقدرة الله، وبما أخبر بنه الرسول، ونطق به الكتاب: { إن هي } أي: ما الموتة التي تعرض لنا { إلا موتتنا الأولى } التي طرأ علينا في دار الدنيا وأزال حياتنا عنا { و } بالجملة { ما نحن بمنشرين } [الدخان: 35] مبعوثين من قبورنا أحياء، ثم نحشرهم للحساب الجزاء كما زعمتم أيها المفترون الكاذبون.
وإن أردتم تصديقنا إياكم في هذه الدعوى { فأتوا بآبآئنا } الذين انقرضوا عن الدنيا أحياء { إن كنتم صادقين } [الدخان: 36] في دعواكم، إنما قالوا ما قالوا تهكما واستهزاء.
وبعدما أصروا على عنادهم وبالغوا في إنكارهم، رد الله عليهم على أبلغ وجه وآكده بقوله مستفهما على سبيل التقريع والتوبيخ: { أهم } يعني: قريشا { خير } مالا وجاها، وثروة وسيادة { أم قوم تبع } اسم لمن ملك الحمير، ككسرى لملوك فارس، وقيصر لملوك الروم، والمراد: أبو كريب سعيد بن منبل، آمن بنبينا قبل بعثته، فتنحى عن قومه، معللين أنك قد تركت ديننا، فأخذهم الله بجرمهم هذا، وأهلكهم { والذين من قبلهم } من الأمم الهالكة كعاد وثمود { أهلكناهم } مع شدة قوتهم وبسطتهم وكثرة شوكتهم { إنهم كانوا مجرمين } [الدخان: 37] بالجرائم العيظمة الموجبة للمقت والهلاك، أمثال جرائمكم أيها المجرمون المسرفون.
{ و } بالجملة: { ما خلقنا السموت والأرض وما بينهما } من الممتزجات { لعبين } [الدخان: 38] عابثين بلا طائل { ما خلقناهمآ } وأظهرناها على هذا النمط البديع والنظام العجيب المشتمل على أنواع التغيرات من الكائنات والفاسدات { إلا بالحق } ليستدلوا بها على وحدة ذاتنا، وكمال علمنا وقدرتنا، ومتانة حكمتنا وحكمنا واستقلالنا في تدبيراتنا وتصرفاتنا في ملكنا وملوكتنا { ولكن أكثرهم } لقصور نظرهم عن إدراك الحكم والأسرار { لا يعلمون } [الدخان: 39] ولا يشعرون إلا بالمحسوسات العادية، أولئك القاصرون عن النظر والاستدلال، القانعون باللذات الهيمية من هذا العجيب كالأنعام بل هم أضل سبيلا وأسوأ حالا منها.
اذكر لهم يا أكمل الرسل: { إن يوم الفصل } الذي يمتاز فيه المحق عن المبطل والهادي المهتدى عن الضال المضل { ميقاتهم } وموعد جزائهم وقطع خصوماتهم { أجمعين } [الدخان: 40] فيجزى كل منهم حسب ما حوسب، أن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
{ يوم لا يغني } لا يدفع ولا يرفع { مولى عن مولى } قرابة عن قرابة { شيئا } من الإغناء والدفع مما كتب له من الجزاء ثوابا كان أو عقابا { ولا هم ينصرون } [الدخان: 41] بعضهم ببعض على سبيل المظاهرة والمعاونة { إلا من رحم الله } بمقتضى فضله وجوده، أو قبل شفاعة أحد من حق أحد عناية منه وعفوا { إنه } سبحانه { هو العزيز } الغالب القادر على عموم مرادته ومقدوراته { الرحيم } [الدخان: 42] المشفق على عباده عند إنابتهم ورجوعهم نحوه، يقبل توبتهم ويعفو زلتهم.
[44.43-50]
نامعلوم صفحہ