تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
{ تنزيل } صارد { من الرحمن } أي: من الذات الأحدية بمقتضى اسم الرحمن المستوي به على عروش عموم الأكوان؛ لإصلاح حال كل ما لاح عليه شمس ذاته تتميما لتربيته إياه؛ إذ ما من رطب ولا يابس إلا وهو سبحانه مشتمل عليه ومتكفل لتربيته وتدبيره { الرحيم } [فصلت: 2] بإنزاله لخواص عباده؛ ليتنبهوا من رموزه وإشاراته إلى وحدة الحق كمال أسمائه وصفاته.
وإنما صار القرآن جامعا بين مرتبتي الظاهر والباطن والأول والآخر؛ لأنه { كتاب } شامل كامل { فصلت } بينت وأوحضت { آياته } المشتملة على دلائل التوحيد بشواهد القصص والأحكام، ومبنهات العز والحكم، ومحاسن الأخلاق والأعمال، ومقابيح المناهي من الأفعال والأحوال في النشأة الأولى والأخرى، ولهذا صار { قرآنا } فرقانا واضحا تبيانا { عربيا } بيانا؛ إذ لا لغهة أحسن منه وأشمل وأفضل وأكمل، وإنما فصلت وأوضحت { لقوم يعلمون } [فصلت: 3] أي: يوفقون من لدنه سبحانه على العلم اللدني والفطرة الأصلية التي هي المعرفة والتوحيد.
ولهذا صار { بشيرا } يبشر أهل العناية والسعاة والفوز العظيم الذي هو يحققهم بمقام الرضا والتسليم { ونذيرا } ينذر أصحاب الشقاوة والحرمان عن خلود النيران ولعذاب الأليم، ومع علو شأنه ووضح تبيانه وبرهانه.
{ فأعرض } عنه، وانصرف عن قبوله وسماعة سمع تدبر وتأمل { أكثرهم } أي: أكثر المكلفين المأمورين من عنده سبحانه بامتثال ما فيه من الأوامر والنواهي والأحكام، وباتصاف ما ذكر فيه من الأخلاق والأعمال، وما رمز إليه من المعارف والأحوال { فهم } من شدة قساوتهم وغفلتهم { لا يسمعون } [فصلت: 4] ولا يلتفتون نحوه عتوا وعنادا، فكيف عن فحصه وقبوله، ودراية ما فيه من الرموز والإشارات.
{ و } من غاية عمههم وسكرتهم، ونهاية عتوهم، وإعراضهم عن استماع كلمة الحق والالتفات إليه { قالوا } على سبيل التهكم والتسخر: { قلوبنا } التي في وعاء الإيمن والاعتقاد { في أكنة } وأغيطة كثيفة وغشاوة غليظة { مما تدعونا إليه } من المعرفة والتوحيد، لا نتنبه ولا نتفطن بحقيته { و } أيضا { في آذاننا } التي هي وسائل العظة والتذكير { وقر } صمم مانع عن استماع آياتك الدالة على صدقك في دعواك المبينة المثبتة لدعواك.
{ و } بالجملة: حال { من بيننا وبينك } أيها المؤيد بالوحي والإلهام { حجاب } عظيم يمنعنا عما تدعونا إليه؛ بحث لا يتيسر لنا رفعه، ولا نقدر على انكشافه { فاعمل } أيها المدعي بمقتضى ما أوحاك إليك ربك وألهمك عليه { إننا } أيضا { عاملون } [فصلت: 5] بما تيسر لنا ووفقنا عليه؛ إذ كل ميسر لما خلق له.
[41.6-8]
وبعدما استنكفوا عنك، واستكبروا عليك وعلى دينك وكتابك { قل } لهم يا أكمل الرسل كلاما ناشئا عن محض اليقين والتوحيد، خاليا عن وصمة التخمين والتقليد: { إنمآ أنا بشر مثلكم } أي: ما أنا إلا بشر مثلكم ما أدعي الملكية لنفسي، غاية ما في الباب أنه { يوحى إلي } أي: يوحي ربي إلي بمقتضى سنته السنية المستمرة في سالف الزمان { أنمآ إلهكم } الذي أظهركم من كتم العدم، وأخرجكم من فضاء الوجود { إله واحد } أحد صمد فرد وتر، لا تعدد فيه بوجه من الوجوه { فاستقيموا إليه } توجهوا نحوه مخلصين موحدين { واستغفروه } لفرطاتكم التي صدرت عنكم بمقتضى بشريتكم؛ ليغفر لكم ما تقدم منكم من طغيان بهيميتكم.
{ و } عليكم ألا تشاركوا معه سبحانه شيئا من مظاهره ومصنوعاته؛ إذ { ويل } عظيم وعذاب أليم معد عنده { للمشركين } [فصلت: 6] المشركين له غيره، الخارجين عن مقتضى توحيده واستقلاله في ألوهيته ظلما وزورا.
والمشركون المستكبرون عن آيات الله هم { الذين لا يؤتون الزكاة } المفروضة لهم من أموالهم تطهيرا لنفوسهم عن رذالة البخل، ولقلوبهم عن الميل إلى ما سوى الحق { و } سبب امتناعهم عن التخلية والتطهير، أنهم بمقتضى أهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة { هم بالآخرة } المعدة لتنقيد أعمال العباد { هم كافرون } [فصلت: 7] منكرون جاحدون، لذلك يمتنعون عن قبول التكاليف الشرعية، وعن الامتثال للأوامر الدينية المنزلة على مقتضى الحكمة الإلهية.
نامعلوم صفحہ