تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
وإياك ومحتملات الألفاظ، فإنها بمعزل عن أداء كيفية أمر الله وشأن حكمه وقضائه على وجهه، ومتى سمعت ما سمعت من كمال قدرة الله ومتانة حكمته وحيطة علمه وإرادته { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } وله التصرف بالاستقلال والاختيار في ملكه وملكوته؛ يعني: تنزه ذات من بيده مقاليد الملك والملكوت من أن يعجز عن إعادة الأموات أحياء بعدما أبدعهم عن العدم كذلك، ولم يكونوا حينئذ شيئا مذكورا، تعالى شأنه عما يقولون حقه علوا كبيرا { و } كيف لايقدر سبحانه على البعث والإحياء؛ إذ { إليه } لا إلى غيره؛ إذ لا غير معه في الوجود ولا إله سواه موجود ومشهود { ترجعون } [يس: 83] رجوع الأمواج إلى الماء، والأضواء إلى الذكاء، سبحانه من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
خاتمة السورة
عليك أيها السالك المتدبر المتأمل في كيفية رجوع الكائنات إلى الوحدة الذاتية وإيناط المظاهر والمصنوعات إلى المبدأ الحقيقي والمنشأ الأصلي - أزال الله عن بصر بصيرتك سبل الحول، وأعانك على رفع الحجب وكشف العلل - أن تصفي باطنك عن الميل إلى الغير مطلقا، بحيث يصير باطنك مملوءا بمحبة الله، فتترسخ تلك المحبة فيه وتتمون إلى أن خفي عليك خواطرك وهواجس نفسك، ثم تسري من باطنك إلى ظاهرك، فيشغلك عن جميع مشتهياتك ومستلذاتك، ومتقضيات قواك وجوارحك، فيمتلئ منها ظاهرك وباطنك، فحينئذ لم يبق لك التفات إلى الغير مطلقا، فصرت حيرانا، مدهوشا، مستغرقا بمطالعة وجهه الكريم، وبعدما صرت كذلك، جذبك الحق عنك وسترك عليك إن إبت فيه وفنيت، فحينئذ حق لك أن تقول بلسان استعدادك بعدما فنيت آثار رسومك في الله: إن لله وإنا إليه راجعون { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } [يس: 83].
[37 - سورة الصافات]
[37.1-10]
{ والصافات } أي: وحق الأسماء والصفات الإلهية الصافين حول الذات الأحدية المنتظرين لشئونه وتجلياته؛ إذ هو سبحانه في كل آن في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن { صفا } [الصافات: 1] لا يتحولون منه أصلا، بل هائمون دائمون والهون مستغرقون، منتظرون بماذا يأمرهم ربهم من التدابير المخزونة في حضرة علمه ولوح قضاءه.
ومتى تعقلت إرادته بمقدور من مقدوراته ومراداته المأمورة إياهم وحينئذ زاجرات { فالزاجرات } المدبرات على الفور لما يأمرهم الحق من التدبيرات المتعلقة بنظام الكائنات غيبا وشهادة { زجرا } [الصافات: 2] أي: تدبيرا تاما كاملا، حسب المأمور والمقدور بلا فتور وقصور.
وبعدما صدر أمره سبحانه، وجرى قضاءه بقوله:
كن
[غافر: 68] فهم حينئذ التابعون لامتقال المأمور المقضي، بلا فترة وتسويف { فالتليت } التابعات لإنفاذ قضائه سبحانه القارئات المبلغات { ذكرا } [الصافات: 3] منه، ووحيا من لدنه سبحانه لمن أمرهم الحق بتليغه إياهم، وهم الأنبياء والرسل المؤيدون بالوحى والإلهام، المصطفون من بين البرايا بالخلافة والنيابة عن الله، المتحملون لأعباء النبوة والرسالة.
نامعلوم صفحہ