تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
{ و } علمنا أيضا منهم سبب ما قدرنا عليهم في حق { ما ملكت أيمانهم } من المسببات الزائدة، ألا يدخلوا عليهن إلا أن يتملكوا بوجه آخر، لكن أنزلنا عندك يا أكمل الرسل بعض ما أوحينا عليهم، وخصصناك بها دونهم { لكيلا يكون عليك حرج } ضيق في تحميلها، مع أنا نعلم من ظواهرك وبواطنك أنك لا تهمل شيئا من حقوق الله ولا حقوق عباده، ولا يقع منك ظلم على أحد من خلق الله؛ لذلك لم نضيق عليك أمر النكاح وضيقنا على المؤمنين { وكان الله } المراقب لأحوال عباده، المصلح لمفاسدهم { غفورا } يستر ويعفو عنهم بعضه ما يعسر عليهم التحرز في رعاية حقوق المؤمنين والمؤمنات { رحيما } [الأحزاب: 50] يرحمهم ويعين عليهم في حفظها ورعايتها.
[33.51-52]
ثم لما وسعنا يا أكمل الرسل أمر نكاحك، وأبحنا لك ما لم يبح لغيرك، فلك الخيار في أزواجك { ترجي } أي: تؤخر وتترك مضاجعة { من تشآء منهن وتؤوي } أي: تلصق وتضم { إليك من تشآء } منهم بلا حرج وضيق، بل { ومن ابتغيت } وطلبت نكاحها { ممن عزلت } وطلقت تطليقا ثلاثا أو أقل { فلا جناح } ولا إثم { عليك } أن تعيد إلى نكاحها بلا تحليل وتزويج للغير؛ إذ من جملة خواصك: تحريم مدخولتك على الغير مطلقا { ذلك } أي: تفويض أمورهن إليك { أدنى } وأقرب { أن تقر أعينهن } إذ نسبتك إليهن حينئذ على السواء، بلا ميل منكر وترجيح.
{ و } المناسب لهن أن { لا يحزن } بعد التفويض، بل { و } لهن أن { يرضين بمآ آتيتهن كلهن } إذ لا تتفاوت نسبتك إليهن أصلا؛ لأنك مجبول على العدل القويم والصراط المستقيم، سيما بين أزواجك المنتسبين إليك كلهن بنسبة واحدة { والله } المطلع لضمائر عباده { يعلم ما } يجري { في قلوبكم } وضمائركم أيها المؤمنون من الميل إلى بعض النساء دون بعض، ونبينا صلى الله عليه وسلم منزه عن هذا الميل وأمثاله { وكان الله } المراقب لأحوالكم { عليما } بما جرى عنه في صدوركم من الميل إلى الهوى { حليما } [الأحزاب: 51] ينتقم عليه ولكن لا يعجل.
ثم لما خير سبحانه حبيبه صلى الله عليهم في أمر نسائه، وفوض أمورهن كلها إليه صلى الله عليه وسلم، ورضين كلهن بحكمه بلا إباء ومنع، أراد سبحانه أنه يمنع وينهي حبيبه صلى الله عليه وسلم عن تطليقهن وتبديلهن والزيادة عليهم بعدما بلغن التسعة، فقال: { لا يحل لك } يا أكمل الرسل { النسآء } أي: تزويجهن { من بعد } أي: بعد أن يتفقن أولئك التسعة على حكمك وأمرك، وفوضن أمورهن إليكم { ولا } لا يحل لك أيضا { أن تبدل بهن } أي: تطلق بعضهن وتبدل بدلهن { من أزواج } أخر من الأجنبيات { ولو أعجبك حسنهن } أي: حسن الأجنبيات، لا يحل لك تزوجهن كما حل لك فيما مضى { إلا ما ملكت يمينك } من الإماء، فلا حرج عليك بدخولها { وكان الله } المطلع على مقادير أفعال عباده { على كل شيء } مما جرى في ملكه وملكوته { رقيبا } [الأحزاب: 52] يراقبه ويحافظه إلى أن يكمل، ثم يمنع عنه على مقتضى حكمته البالغة.
[33.53-54]
ثم أشار سبحانه إلى آداب المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم في استئذانهم منه، ودخولهم عليه وتناولهم الطعام عنده وبين يديه، وتكلمهم مع أزواجه صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الأدب، فقال: { يأيها الذين آمنوا } بالله ورسوله، مقتضى إيمانكم رعاية الأدب مع رسولكم صلى الله عليه وسلم، سيما من قبل بيوته ومحارمه ومساكنه { لا تدخلوا بيوت النبي } بغتة بلا استئذان منكم، بل بيوت سائر المسلمين أيضا { إلا أن يؤذن لكم } دعوة { إلى طعام } حاضر عنده حال كونكم { غير ناظرين إناه } أي: منتظرين لوقته { و } عليكم ألا تدخلوا بلا دعوة { لكن إذا دعيتم فادخلوا } واطعموا { فإذا طعمتم فانتشروا } واخرجوا على الفور وتفرقوا.
{ ولا } تتمكنوا بعد الطعام عنده { مستأنسين لحديث } يتحدث بعضهم مع بعض، أو تسمعونه منه صلى الله عليه وسلم أو من أهل بيته، أو لمهم آخر من مهماتكم { إن ذلكم } أي: اللبث على أي وجه { كان يؤذي النبي فيستحيي } صلى الله عليه وسلم { منكم } أن يخرجكم حسب مقتضى حميته البشرية؛ لأنه صلى الله عليه سولم حيي حليم، يصبر على أذاكم ولا يخرجكم عنوة { والله } المصلح لأحوال عباده، المنبه لهم مصالحهم { لا يستحيي من } إظهار كلمة { الحق } التي يجب إيصاله إلى المؤمنين؛ ليترسخ في قلوبهم ويتمرنوا عليه ويتصفوا به { وإذا سألتموهن } أي: أزواجه صلى الله عليهم وسلم { متاعا } وحوائج { فاسألوهن } متسترين { من ورآء حجاب } بحيث لا يقع نظركم إليهن { ذلكم } أي: الستر والتحجب من أزواج النبي { أطهر لقلوبكم } من أمارات الإثم ومخائل المعصية وسوء الأدب { وقلوبهن } أيضا ترغيما للشيطان، وتطهيرا لنفوسكم من غوائله وتلبيساته.
{ و } بالجملة: اعلموا أيها المؤمنون { ما كان } أي: ما صح وجاز { لكم } في حال من الأحوال { أن تؤذوا رسول الله } بشيء يكرهه ويستنزه عنه مطلقا { ولا أن تنكحوا أزواجه } المدخولة عليها { من بعده أبدا } سواء كن حرائر أم إماء { إن ذلكم } إي: إيذاءه صلى الله عليه وسلم ونكاح نسائه بعده { كان عند الله } المنتقم الغيور، المقتدر على أنواع الانتقام { عظيما } [الأحزاب: 53] مستجلبا لأليم العذاب وعظيم العقاب.
واعلموا أيها المؤمنون { إن تبدوا } تظهروا { شيئا } حقيرا مما يتعلق بإيذائه صلى الله عليه وسلم من قبل أزواجه في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد مماته { أو تخفوه } في أنفسكم غير مجاهرين به { فإن الله } المطلع على مكنونات صدوركم { كان بكل شيء } ظهر على ألسنتكم أو خطر ببالكم { عليما } [الأحزاب: 54] لا يعزب عن علمه شيء من الدقائق والرقائق.
نامعلوم صفحہ