تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
{ أم يقولون افتراه } واختلقه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الله افتراء ومراء، تغريرا وتلبيسا، لا تحزن يا أكمل الرسل عليهم، ولا تلتفت إلى قولهم هذا { بل هو الحق } الثابت المحقق، المثبت نزوله { من ربك } الذي رباك بأنواع الكرم، واصطفاك من بين البرايا لرسالته العامة، أنزله إليه مشتملا على الإنذارات الشديدة، والتخويفات البليغة { لتنذر } بوعيداته { قوما } انقطع عنهم آثار النبوة والرسالة؛ لبعد العهد أو { مآ أتاهم } بعد عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - { من نذير } أنذرهم عن الباطل وأرشدهم إلى طريق الحق { من قبلك } بل هم على فترة من ارسل فارسلك إليهم { لعلهم يهتدون } [السجدة: 3] بهدايتك وإرشادك إلى توحيد الحق، واتصافه بأوصاف الكمال.
وكيف لا يوحدون ولا يؤمنون بتوحيده وأسمائه وصفاته { الله } وأوجد بقدرته الكاملة { السموت } أي: العلويات { والأرض } أي: السفليات { وما بينهما } أي: الممتزجات { في ستة أيام } وساعات منبسطة في الأقطار والجهات الست { ثم } الواحد الأحد، الفرد الصمد { الذي خلق } بعدما تم التمهيد والبسط { استوى } واستولى، وتمكن سبحانه { على العرش } أي: انبسط على عروش عموم ما ظهر وبطن من الآفاق والأنفس بالاستقلال التام، والتصرف العام على صرافة وحدته الذاتية بلا شائبة شركة وطرق كثرة؛ لذلك { ما لكم } أيها الأظلال المنعكسة من شمس ذاته { من دونه } سبحانه { من ولي } يولي أموركم ويتصرف فيكم { ولا شفيع } ينصركم، ويعاون عليكم سواه سبحانه { أ } تشكون وتترددون في توحيده وولايته سبحانه أيها المنهمكون في الغفلة والضلال { فلا تتذكرون } [السجدة: 4] وتتعظون بمواعظه وتذكيراته مع أنه كررها مرارا.
وكيف لا هو الذي { يدبر الأمر } أي: عالم الأمر المنبئ عن الإيجاد والإظهار بإنزال الملائكة الذين هم مظاهر أوصافه وأسمائه { من السمآء } أي: سماء الأسماء المتعالية عن الأقطار والجهات مطلقا { إلى الأرض } أي: الطبيعة القابلة لقبول آثارها، وإنما أنزلهم وأهبطهم إليها؛ ليعد حسب حكمته المظاهر والمصنوعات؛ لقبول آثارها، وإنما أنزلهم وأهبطهم إليها؛ ليعد حسب حكمته المظاهر والمصنوعات؛ لقبول فيضان سلطان توحيده { ثم } بعدما تم على الوجه الأبدع، والنظام الأتم الأبلغ { يعرج } ويصعد { إليه } سبحانه ما يترتب على عالم الأمر من المعارف والحقائق، والأسرار الكامنة في سريان الوحدة الذاتية بعد انقراض النشأة الأولى { في يوم } معد لعروجه وصعوده { كان مقداره } أي: مقدار ذلك اليوم في الطول والامتداد { ألف سنة مما تعدون } [السجدة: 5] في هذه النشأة من الأيام والأعوام.
[32.6-11]
وإنما دبر من المعارف والحقائق المترتبة على الإيجاد والإظهار، وقدر للعروج والصعود ما قدر لحكم ومصالح استأثر بها سبحانه في غيبه، ولم يطلع أحدا عليها؛ إذ { ذلك } الذات البعيد ساحة عز حضوره عن أن يحوم حوله إدراك أحد من مظأهره ومصنوعاه { عالم الغيب } الذي لم يتعلق به علم أحد سواه { والشهادة } المنعكسة مه حسب تجلياته الجمالية والجلالية { العزيز } الغالب القادر على جميع ما دخل في حيطة حضرة علمه بأن يتصرف فيه كيف يشاء إرادة واختيارا { الرحيم } [السجدة: 6].
{ الذي } وسعت رحمته كلما لاحت عليه بروق تجالياته؛ لذلك { أحسن كل شيء خلقه } أي: قدر وجوده بعدما دخل في حيطة علمه، وقدرته وإرادته { وبدأ } من بينهم { خلق الإنسان } أي: آدم، وقدر وجوده أولا { من طين } [السجدة: 7] إذ هو أصل في عالم الطبيعة، قابل لفيضان آثار الفاعل المختار، مستعدا لها استعدادا أصليا، وقابلية ذاتية.
{ ثم } بعد تعلق إرادته سبحانه بإبقاء نوعه { جعل نسله } أي: قدر بصنعه وجود ذرياته المتناسلة المتكثرة، المختلفة منه على سبيل التعاقب والترادف { من سلالة } فضله منفصلة مني، كائنة { من مآء مهين } [السجدة: 8] ممتهن مسترذل مستقذر؛ لخروجه عن مجرى الفضلة.
{ ثم } بعدما قدر خلقه أولا من الطين، وثانيا من الماء المهين { سواه } سبحانه إظهارا لقدرته؛ أي: قوم وعد أركانه على أحسن التقويم { و } بعد تسويته وتعديله { نفخ فيه من روحه } المضافة إلى ذاته المستجمع لجميع أوصافه وأسمائه تتميما لرتبة خلافته ونيابته، واستحقاقه لمرآتية الحق، قابليته انعكاس شئونه وتطوراته ولياقته؛ للتخلق بأخلاقه { و } بالجملة: { جعل } وهيأ { لكم } أيها المجبولون على فطرة المعرفة والتوحيد { السمع } لتسمعوا بها آيات التوحيد، ودلائل اليقين والعرفان { والأبصار } ليشاهدوا بها آثار القدرة والإرادة الكاملة المحيطة بذرائر الأكوان { والأفئدة } المودعة فيكم؛ لتتأملوا بها سريان الوحدة الذاتية على هياكل الأشباح الكائنة والفاسدة، وتتفكروا بها في آلاء الله ونعمائه المتوالية المتوافرة، ومع وفور تلك النعم العظام، والفواضل الجسام { قليلا ما تشكرون } [السجدة: 9] وتصرفونها إلى ما مقتضياتها التي جبلها الحق لأجلها.
{ و } من غاية كفرانهم بنعم الله، ونهاية عمههم وسكرتهم فيه: { قالوا } أي: أبي بن خلف ومن معه المنافقين بعدما سمعوا من البعث والحشر، ويوم العرش والجزاء مستبعدين مستفهمين، مكررين على سبيل المبالغة في الإنكار { أءذا ضللنا } وضمحللنا { في الأرض } وصرنا من جملة الهباء المنبثة، المتلاشية المتناسلة التي لا تمايز فيها أصلا { أءنا } بعدما كنا كذلك أيها العقلاء المجبولون على الدارية والشعور { لفي خلق جديد } مثلما كنا عليها قبل مؤتنا؟! كلا وحاشا وما لنا عود إلى الحياة الدنيا، سيما بعدما متنا وصرنا ترابا وعظاما، وهم أيضا ما يتقصرون من شيء بمجرد قولهم هذا { بل هم } من غلظ غشاوتهم وغطائهم { بلقآء ربهم } الذي رباهم بأنواع النعم في النشأة الأولى، وأفاض عليهم سجال اللطف والكرم في النشأة الأخرى، وقبض ملك الموت أرواحهم بأمر الله أياه { كافرون } [السجدة: 10] منكرون جاحدون.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا بعدما سمعت قولهم: { يتوفاكم } ويستوفي أجلكم أيها المنهمكون في الغفلة والضلال { ملك الموت الذي وكل بكم } بإذن الله؛ لقبض أرواحكم { ثم } بعدما قبضتم في النشأة الأولى، وبعثتم من قبوركم أحياء في النشأة الأخرى { إلى ربكم ترجعون } [السجدة: 11] للعرض الجزاء.
نامعلوم صفحہ