تفسیر الجیلانی
تفسير الجيلاني
{ قال } موسى سائلا عنهما بعدما شاهد حاليهما وذودهما: { ما خطبكما } أي: شأنكما وأمركما؟ وأي: شيء مقصودكما من الذود مع أن أغنامكما في غاية العطش؟! { قالتا } مع كمال الاستحياء والتحفظ من مكالمته: { لا نسقي } أغنامنا مع هؤلاء الرجال؛ إذ نحن من أهل بيت النبوة لا نجتمع معهم في السقي، بل نصبر { حتى يصدر الرعآء } أي: يخلوا الدلو، ويخرجوا مواشيهم إلى المرعى عن رأس الماء - الرعاء: جمع راع كتجار: جمع تاجر، هذا على قراءة: { يصدر } بضم الياء وكسر الدال، وأما على قراءة: { يصدر } بفتح الياء وضم الدال؛ أي: يذهب الرعاء بمواشيهم مرتبة، وينصرفوا من شفير البئر - إذ نحن لا نختلط مع أجانب الرجال { و } نحن من كمال اضطرارنا جئنا للسقي؛ إذ { أبونا شيخ كبير } [القصص: 23] فاقد البصر، وما لنا أخ وعم، وليس لأبينا سوانا.
وبعدما سمع موسى منهما ما سمع، ورأى ما رأى من كمال العطف والعفة والعصمة قام مع أنه في غاية الضعف؛ من شدة الجوع والوصب، وعلى رأس البئر حجر عظيم يقله عند الاستسقاء جمع كثير، فأقله وحده { فسقى لهما } جميع أغنامهما { ثم تولى } ونصرف { إلى الظل } وازداد جوعه ووصبه { فقال } ملتجئا إلى ربه: { رب إني } من شدة جوعي وضعفي { لمآ أنزلت إلي } ورزقتني من موائد إفضالك وإنعامك { من خير } وصل إلي، حينئذ { فقير } [القصص: 24] محتاج مريد.
[28.25-28]
وبعدما تم مناجاته مع ربه، وطلب حاجته منه سبحانه { فجآءته إحداهما } أي: إحدى المرأتين { تمشي } نحوه { على استحيآء } تام منه، لما وصلت حوله سلمت عليه، ثم { قالت } له مستحيية: { إن أبي يدعوك ليجزيك } ويكافئك { أجر ما سقيت لنا } تبرعا، فأجابها موسى تبركا برؤية شعيب عليه السلام لا طمعا لأجرته.
روي أنه لما دخل عليه أتى أولا بالطعام، فامتنع موسى عليه السلام وقال: نحن من أهل بيت لا نبيع بالدنيا، قال شعيب عليه السلام: هذا من عادتنا مع كل من ينزل بنا، وإن من أتى بمعروف، وأهدي له لم يحرم أخذه وأكله في جميع الأديان.
{ فلما جآءه } أي: جاء موسى شعيبا - عليهما السلام - وتبرك بشرف صحبته لاح عليه حاله { وقص عليه القصص } الذي جرى عليه من أوله إلى آخره، وسمع منه الشيخ على التفصيل { قال لا تخف } بعد اليوم { نجوت من القوم الظالمين } [القصص: 25] يعني: فرعون وملأه.
وبعدما جلس موسى عند شعيب - عليهما السلام - وقص عليه ما جرى من الخوف والحزن وأنواع الكآبة { قالت إحداهما } أي: إحدى الابنتين، وهي التي استدعته للضيافة: { يأبت استئجره } لرعي الغنم، وأنت تريد الأجير { إن خير } جميع { من استئجرت } من الرجال هو؛ لأنه { القوي } أي: شديد القوة { الأمين } [القصص: 26] ذو الأمانة والديانة.
قال لها أبوها حمية وغيرة: من أين عرفت قوته وأمانته؟ فذكرت لأبيها إقلال الحجر العظيم وحده من رأس البئر مع أن الناس يقلونه في جمع كثير، فهذا دليل قوته، وأما أمانته فإني بعدما دعوته قام ومشى قدامي، وأمرني بالمشي خلفه، صيانة عن النظر إلي، فقال لي: دليني عن الطريق إن ضللت، وهذا دليل أمانته وصيانته حدود الله.
ولما سمع شعيب عليه السلام من ابنته ما سمع من أمارات أمانته ومروءته رغب إلى ألفته ومؤانسته؛ حيث { قال } شعيب لموسى عليه السلام { إني } بعدما وجدتك شابا صالحا، سويا ذا رشد وأمانة { أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين } على صداق معين { على أن تأجرني } نفسك برعي الغنم { ثماني حجج فإن أتممت عشرا } كاملا { فمن عندك } تبرعا وإحسانا { ومآ أريد أن أشق عليك } بأن أحملك أزيد من ذلك { ستجدني إن شاء الله من الصالحين } [القصص: 27] للخدمة والمصاحبة، والمؤاخاة والموافاة في أداء الحقوق والعهود.
{ قال } موسى مجيبا له، راغبا لقبول ما ألقاء من الكلام: { ذلك } الوقت الذي عينته ملزما علي أولا { بيني وبينك } معهود ثابت، والذي قلته ثانيا تبرعا مني، وبالجملة: { أيما الأجلين } يعني: أجل الالتزام، وأجل التبرع { قضيت } يقع المعهود بلا تردد { فلا عدوان } ولا تعدي { علي } بعد انقضاء كل واحد من الأجلين { والله } الشهيد المطلع لعموم أحوال عباده { على ما نقول } من المشارطة والمعادة { وكيل } [القصص: 28] حفيظ يحفظه على وجهها.
نامعلوم صفحہ