تناقضات ومصاعب منطقية : ثمة صعوبة يجدها المرء لدى جميع الرواقيين في التوفيق بين الحتمية وحرية الإرادة. يقول ماركوس «خلق البشر من أجل بعضهم البعض.» عندما يفكر في واجبه كحاكم. ويقول في الصفة نفسها «الشرير لا يؤذي غيره.» عندما يفكر في المذهب القائل بأن الإرادة الفاضلة هي وحدها الخير، ولم يستدل قط على أن خير الواحد من البشر لا يقدم خيرا لغيره، وأن ماركوس ما كان ليؤذي أي شخص غير نفسه لو أنه كان إمبراطورا سيئا كنيرون، مع أن هذه النتيجة تبدو مترتبة على مقدماته. يقول ماركوس: «من الطبيعة الإنسانية أن تحب حتى من يزلون ويسقطون، يتبين ذلك إذا ما أخذت باعتبارك، حين يخطئون، أن البشر إخوة، وأنهم يخطئون عن جهل وليس عن عمد، وأن الموت لا يلبث أن يطويك ويطويهم. والأهم، أن المخطئ لم يضرك؛ ولم يجعل عقلك الموجه في وضع أسوأ مما كان عليه من قبل.» ويقول «أحب الجنس البشري ... اتبع الله ... ويكفي أن تذكر أن القانون يحكم الكل.» هذه الفقرات تكشف بجلاء شديد تلك التناقضات الصميمة في الأخلاق واللاهوت الرواقيين؛ فالعالم كل واحد حتمي تماما بحيث إن كل ما يحدث فإنما هو معلول لعلل سابقة. والإرادة الفردية في الوقت نفسه مستقلة تمام الاستقلال، ولا يمكن أن يرغم أحد على الإثم بأسباب خارجية. هذا تناقض. وهناك تناقض آخر وثيق الصلة به؛ فحيث أن الإرادة مستقلة، والإرادة الخيرة هي وحدها الخير؛ فمن غير الممكن لأحد أن يلحق بغيره خيرا أو ضرا؛ الإحسان إذن وهم!
3
أما الحصانة والمنعة اللتان يتمتع بهما العقل الرواقي (لا يضر ولا يعاق ما لم يضر نفسه أو يعق نفسه ... بوسعه أن يحتفظ بسكينته وألا يقيم الألم على أنه شر، وعلى الجسد المتضرر أن يرى في الأمر ما يراه). أما هذه المنعة أو الحصانة العقلية فأمر يتناقض مع الوقائع الإمبيريقية؛ إن أقل اضطراب جسدي، من مثل عسر الهضم، كفيل بأن يؤدي إلى عس المزاج ويؤثر على فضيلة المرء. وثمة أفانين من التعذيب تؤدي إلى انهيار عزيمة أي إنسان. كذلك العقاقير، كالأفيونات أو الكوكايين، يمكن أن تكسر إرادة أي إنسان وتطوعه وتفل عزيمته؛ فالإرادة ليست مستقلة عن الطاغية إلا إذا كان الطاغية غير ملم بالعلوم. يبدو أن الإرادة، الخيرة والشريرة، تخضع لأسباب وتتأثر بعوامل، وليست مستقلة إلى الحد الذي تصوره ماركوس والرواقيون.
4
وثمة تناقض آخر؛ ففي حين يدعو الرواقي إلى الإحسان إلى الغير، فإنه يؤمن، نظريا، بأن لا أحد يمكن أن يقدم خيرا ولا شرا لغيره، ما دامت الإرادة الفاضلة هي وحدها الخير وما دامت الإرادة الخيرة مستقلة عن الأسباب الخارجية. إنه تناقض شديد الوضوح فكيف أغفله الرواقيون؟ أغفلوه لأن لديهم ضربين من الأخلاق؛ أخلاقا عليا تخص الرواقيين وأخلاقا دنيا تخص الطغام. عندما يفكر ماركوس الرواقي عن نفسه فإنه يؤمن أن الخيرات الدنيوية غير فارقة
indifferent
والانشغال بها قد يضر المرء ويجعله يتمرد على إرادة «الكل». غير أنه في الصعيد العملي حيث يدير الإمبراطورية الرومانية فإنه يعرف جيدا أن هذا الفكر النظري لن يفيد. إن واجبه أن يرى أن شحنات الحبوب من إفريقيا تصل إلى روما في أوانها، وأن الإجراءات تتخذ لتخفيف ويلات الطاعون، وأن الأعداء البرابرة لا يجب أن يسمح لهم باختراق الحدود؛ أي إنه فيما يتعلق برعاياه، الذين لا يعتبرهم فلاسفة رواقيين، يذعن للمعايير الأرضية المعتادة فيما هو خير أو شر. إنه يطبق هذه المعايير الدنيا لكي يؤدي واجبه كحاكم، والتناقض هنا أن هذا الواجب نفسه هو ما ينبغي على الحكيم الرواقي الالتزام به، مع أنه مستنبط من منظومة أخلاقية يعدها الحكيم الرواقي مغلوطة في الصميم.
5
الفصل الثالث: العلاج الرواقي
مدرسة الفيلسوف عيادة طبيب. (محادثات إبكتيتوس، 3: 23-30) (1) الفلسفة طب العقول
نامعلوم صفحہ