سرور النفس بمدارک الحواس الخمس
سرور النفس بمدارك الحواس الخمس
ایڈیٹر
إحسان عباس
ناشر
المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بناية برج الكارلتون - ساقية الجنزير ت: 312156 - 319586 - برقيا موكيالي - بيروت ص. ب: 11/ 5460 بيروت-لبنان
ایڈیشن
1، 1980
ملحق بالمقدمة
أشعار التيفاشي
(1)
- 1 -
نبه نديمك أن الليل قد صخبا ... والليل قوض من تخييمه الطنبا
والفجر في كبد الليل السقيم حكى ... سر المتيم عن إخفائه غلبا
كأنه بظلام الليل ممتزجا ... سمراء تفتر أبدت مبسما شنبا
كأنما الفجر زند قادح شررا ... في فحمة الليل لاقي الفحم والتهبا
كأن أول فجر فارس حملت ... راياته البيض في إثر الدجى فكبا
كأن ثاني فجر غرة وضحت ... تسيل في وجه طرف أدهم وثبا (الوافي 8: 289)
- 2 -
سعد الغرب وازدهى الشرق عجبا ... وابتهاجا بمغرب ابن سعيد
طلعت شمسه من الغرب تجلى ... فأقامت قيامة التقييد
لم يدع للمؤرخين مقالا ... لا ولا للرواة بيت نشيد
أن تلاه على الحمام تغنت ... ما على ذا في حسنه من مزيد (بغية الطلب 2: 160 ونفح الطيب 2: 325)
صفحہ 38
- 3 -
يا طيب الأصل والفرع الذكي كما ... يبدو جنى ثمر من أطيب الشجر
ومن خلائقه مثل النسيم إذا ... يهفو على الزهر حول النهر في السحر
ومن محياه والله الشهيد إذا ... يبدو إلى بصري أبهى من القمر
أثقلت ظهري ببر لا أقوم به ... لو كنت أتلوه قرآنا مع السور
أهدت لي الغرب مجموعا بعالمه ... في قاب قوسين بين السمع والبصر
كأنني الآن قد شاهدت أجمعه ... بكل من فيه من بدو ومن حضر
نعم ولاقيت أهل الفضل كلهم ... في مدتي هذه والأعصر الأخر
إن كنت لم أرهم في الصدر من عمري ... فقد رددت علي الصدر من عمري
وكنت لي واحدا فيه جميعهم ... ما يعجز الله جمع الخلق في بشر
جزيت أفضل ما يجزى به بشر ... مفيد عمر جديد الفضل مبتكر (بغية الطلب 2: 160 - 161 ونفح الطيب 2: 325)
- 4 -
ويوم سرقناه من الدهر خلسة ... بل الدهر أهداه لنا متفضلا
أشبهه بين الظلامين غرة ... لحسناء لاحت بين فرعين أرسلا - 5 -
مغناك أغناك من أرض تيممها ... لكسب مال فلا تفرح به ونم
فسوف تأكل فيه [رزق] كل فتى ... من سائر الناس من عرب ومن عجم
ربع تعدى لما يلقى بساحته ... من لذة وانبساط سائر الأمم
وكل ما فيه ممنوع ومحترم ... فلا سبيل به إلا إلى الحرم (نزهة الألباب: 38)
- 6 -
قد كان للماضين من ... أرباب مصر همم
فالفضل عنهم فضلة ... والعلم فيهم علم
إن انقضت أعلامهم ... وعلمهم وانصرموا
صفحہ 39
فاليوم مصر عدم ... إن كان يرجى العدم
وانظر تراها ظاهرا ... باد عليها الهرم (الوافي 8: 290 وخطط المقريزي 1: 122)
- 7 -
ألست ترى الأهرام دام بناؤها ... ويفنى لدينا العالم الأنس والجن
كأن رحى الأفلاك أكوارها على ... قواعدها الأهرام والعالم الطحن (خطط المقريزي 1: 121)
- 8 -
خليلي لا باق على الحدثان ... من الأول الباقي فيحدث ثان
إلى هرمي مصر تناهت قوى الورى ... وقد هرمت في دهرها الهرمان
فلا تعجبا أن قد هرمت فإنما ... رماني بفقدان الشباب زماني
وعوجا بقرطاجنة فانظرا بها ... جنايتي العادين تنتحبان
وإيوان كسرى فانظراه فإنه ... يخبركما بالصدق كل أوان
فلا تحسبا أن الفناء يخصني ... ألا كل ما فوق البسيطة فان (خطط المقريزي 1: 122)
صفحہ 40
أحمد الله سبحانه على نعمه الباطنة والطاهرة، وأسأله الصلاة على سيدنا محمد وآله العترة الطاهرة، وأصحابه العصبة الزاهرة، وأجدد حمده على ما جبلني عليه من تتبع آثار العلماء، واقتفاء سنن الأدباء.
وكنت فما أيام الوالد - رحمه الله - أرى تردد الفضلاء إليه، وتهافت الأدباء عليه؛ ورأيت الشيخ شرف الدين أحمد بن يوسف بن أحمد التيفاشي القيسي في جملتهم، وأنا في سن الطفولة لا أدري ما يقولونه، ولا أشاركهم فيما يلقونه؛ غير أني كنت أسمعه يذكر للوالد كتابا صنفه، أفنى فيه عمره، واستغرق دهره، وأنه سماه " فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب "، وأنه لم يجمع ما جمعه كتاب. وكنت على صغر السن أنكر تجاسره على هذا الاسم الذي عده الله عز وجل من النعمة، ومن على نبيه بأنه آتاه فصل الكتاب مع الحكمة.
وكنت شديد الشوق إلى الوقوف عليه، وترفي الوالد رحمه الله في سنة خمس وأربعين وستمائة، وشغلت عن الكتاب، وتوفي شرف الدين التيفاشي بعده بمدة، فلما ذكرته بعد سنين، وقد جاوزت الستين، تطلبته من كل جهة، ورمته من كل وجهة، فلم أجد من يدلني عليه، ولا من يذكر أنه نظر إليه؛ فبذلت الجهد في طلبه إلى أن ظفرت به عند شخص كان من أصحابه، فسعيت إلى بابه، وبذلت له جملة لم تكن في حسابه، فلم يسمح لي مع فقره ببيع ولا عارية، ولا استحسنت تملكه باليد العادية؛ وعدت إلى طلبه منه، واستعنت عليه بمن لا غنى له عنه، فلم يفد فيه سؤال ولا شفاعة. ولم يعط لنا فيه طاعة. إلى أن قدر الله تعالى تملكه في سنة تسعين وستمائة. فرأيته مجردا في مسودات وجزازت. وظهور وتخريجات. وقد جعله
صفحہ 1
من تجزئة أربعين جزءا. لم أجد منها سوى ست وثلاثين ربطة. وهو في غاية الاختلال، لسوء الحظ، وعدم الضبط. ولو لم يكن تكرر وقوفي على خطة في زمن الوالد، وعرفت اصطلاحه، في تعليقه. لما قدرت على قراءة حرف منه غير أني عرفت طريقته في خطه واصطلاحه، وتحققت فساده من صلاحه (1) ، ووقفت منه على أوراق في مفرقات ومفردات. وجزازات تفعل في مطالعها ما لا تفعل الزجاجات. فضممت ما وجدت منه وجدت منه بعضه إلى بعض. وأحرزته بتجليده من الأرضة والقرض.
ورأيته (2) قد جمع فيها أشياء لم يقصد بها سوى تكثير حجم الكتاب، ولم يراع فيه التكرار، ولا ما تمجه أسماع ذوي الألباب. فاستخرت الله في تعليق ما يحتار منه ورغبت في إبرازه إلى الوجود، فإنه ما دام بخطه لا يفهم أحد شيئا عنه. فأخذت زبده، ورميت زبده، وأوردت تكرره، وتركت مكرره، وبذلت في تنقيص جهدي، وجعلته سميري أوقات هزلي وجدي، فإنه روضة المطالع، ونزهة القلوب والمسامع، ويسر به الخاطر، ويقر به الناظر (3) ، وسميته:
" سرور النفس بمدارك الحواس الخمس "
وإلى الله الرغبة في الصفح عن مصنفه وعني، والعفو عما أثبتناه بقلمينا فإن العفو غاية التمني.
صفحہ 2
الجزء الأول من هذا الكتاب سماه
نثار الأزهار في الليل والنهار، وأطايب
أوقات الأصائل والأسحار، وسائر ما
يشتمل
عليه من كواكبه الفلك الدوارا
وجعله أبوابا عدة، جمعت أنا جميع ما فيها في عشرة أبواب:
الباب الأول
: في الملوين الليل والنهار.
الباب الثاني: في أوصاف الليل وطوله وقصره، واستطابته، والاغتباق ومدحه، وذم الاصطباح.
الباب الثالث: في الاصطباح ومدحه، وذم شرب الليل، وايقاظ النديم للاصطباح.
الباب الرابع : في الهلال وظهوره وامتلائه وكماله، والليلة المقمرة.
الباب الخامس: في انشقاق الفجر، ورقة نسيم السحر، وتغريد الطير في الشجر، وصياح الديك.
الباب السادس: في صفات الشمس في الشروق، والضحى والارتفاع والطفل والمغيب، والصحو والغيم والكسوف.
الباب السابع: في جملة الكواكب وآحادها المشهورة.
الباب الثامن: في آراء المنجمين والفلاسفة الأقدمين في الفلك والكواكب.
الباب التاسع: في شرح ما يشتمل عليه من أسماء الأجرام العلوية وما يتصل بها واشتقاقه.
الباب العاشر: في تأويل رؤيا الأجرام العلوية وما يتعلق بها في المنام على مذهب حكماء الفلاسفة والإسلام.
صفحہ 7
فراغ
صفحہ 8
الباب الأول
في الملوين الليل والنهار
1 -
في التنزيل العزيز (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون، والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن كل تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) . (1)
2 -
الليل والنهار يسميان الملوين، ويسميان الجديدين والاحدين والعصرين والقرنين والبردين والأبردين والخافقين والدائرين والحاذقين والخيطين، وهما زنمتا الدهر وابنا سمير وابنا سبات. وذكر أبو العلاء المعري الحرسين، والحرس الدهر، ولم يسمع مثنى إلا في قوله (2) :
ويحق في رزء الحسين تغير ال ... حرسين بله الدر في الأصداف وجمع الحرس أحرس، وقد يجمع ما لا يثنى ويثنى ما لا يجمع، وما ذكر من مثنى هذا الباب مسموع لا مقيس. وسميا ملوين لأنهما يملآن الآفاق نورا وظلمة، وسميا جديدين لتجددهما بالضياء والإظلام على الدوام وسمي النهار نهارا لظهور ضوء الفجر يجري كالنهر من المشرق إلى المغرب معترضا حتى يأتي على الظلام، وسمي الليل ليلا لأنه يلالي بالأشخاص حتى يتشكك الناظر في الشيء فيقول: هو هو، ثم يقول: لا لا - فقد لالا بها. والنهار ضد الليل، ولا يجمع، كما لا يجمع العذاب والسراب، فإن جمعت قلت في قليله نهر، وفي الكثير نهر. والنهار ذكر الحبارى.
صفحہ 9
3 -
وقوله: (نسلخ منه النهار) أي ننزع عنه الضوء فيظهر سواده، لأن أصل، ما بين السماء والأرض من الهواء والظلمة. والنهار في اللغة الضوء، والليل الظلمة .
4 -
(والشمس تجري) جري الشمس سيرها على عكس دور الفلك. فتقطع الفلك في ثلاثماثة وخمسة وستين يوما وربع يوم وجزء من يوم عند أهل الهند. وعند أهل الروم في ثلاثمائة وخمسة وستين يوما إلا جزءا من ثلاثمائة جزء يوم.
(لمستقر) أي محل استقرار الليل والنهار على الاستواء، اعتدال الزمان عند حلولها أول نقطة الحمل أو الميزان، وقيل استقرارها استعلاؤها على جانب الشمال عند نهاية طول النهار في الأقاليم السبعة المائلة نحو الشمال (1) عن خط الاستواء، فيطول اليوم في الإقليم الأول ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة إلى أن ينتهي في الإقليم ست عشرة ساعة بتفاوت نصف ساعة بين كل إقليمين، حسب بعد الأقاليم من خط الاستواء نحو الشمال وقربها منه. وقيل: لمستقر لها أي محل شرف لها، في الدرجة التاسعة عشرة من الحمل عند ظهور أثرها في نفي آثار الشتاء، واعتدال الزمان والهواء، ومحل رفعه في أوجها يعني الجوزاء عند استقامة الحر وبدو الثمار وتمام الرياحين، أو محل قوة لها في بيتها، يعني الأسد عند إدراك الزروع وينع الثمار. وقيل لمستقر لها أي محل استقرار الدور واستمرار السير على الاستقامة من غير رجعة وانعكاس، كالخمسة المتحيرة أعني زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد.
5 -
(والقمر قدرناه منازل) يعني منازله الثمانية والعشرين المعروفة وهي الشرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة، الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة، الصرفة، العواء، السماك، الغفر، الزباني، الإكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد الذابح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الأخبية، الفرغ المقدم، الفرغ الموخر، بطن الحوت. وهذه المنازل مقسومة على البروج الاثني عشر لكل برج منها منزلتان وثلث، منزلة بالتقريب، فينزل القمر كل يوم منزلا، حتى إذا اجتمع مع الشمس في منزل انتقص الهلال في ثاني ذلك المنزل كالعرجون القديم. وقيل: قدرناه منازل أي قدرنا نوره في منازل، فيزيد في مقدار النور كل يوم في المنازل الاجتماعية، وينقص في المنازل الاستقبالية. وقيل: أي جعلنا أجزاء جرمه
صفحہ 10
منازل لعكس أنوار الشمس " فإن جرم القمر مظلم ينزل فيه النور بقبوله عكس ضياء الشمس "، مثل المرآة المجلوة إذا قوبل بها الشعاع تضاحل إلى الظل ويضرب بالنور المقبول عليه، وكذا القمر يقبل نور الشمس ويؤديه إلى الأرض، ولا يزال نصف القمر مقابلا للشمس ونصفه غائبا عنها، فعند اجتماع الشمس يكون نصفه الذي يلي الشمس مضيئا كله، فيظلم نصفه الذي يلي الأرض، فإذا جاوزها ليلة الاستهلال انحرف عن موازاتها فمالت الظلمة من النصف لم الأسفل إلى النصف الأعلى بقدر ما ينجلي منها ليلة الهلال كالعرجون القديم لا يزال ينحرف عنها حتى يدبر عن الشمس نصفه الأعلى، ويقابلها نصفه الذي يلي الأرض عند الامتلاء، وهو الاستقبال، فيأخذ النور في الاستقبال من نصفه الأسفل إلى نصفه الأعلى، حتى ينتهي إلى الاجتماع وتدور الشمس والقمر على جانب من الأرض إلا ليلة الخسوف، تحول الأرض بينهما فتحجب القمر عن الشمس، فيخسف بظل الأرض.
6 -
وقوله عز وجل: (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) أي لا يمكنها أن تدرك القمر في سرعة سيره، لأن دائرة فلك القمر في فلك عطارد، وفلك عطارد داخل في فلك الزهرة، وفلك الزهرة داخل في فلك الشمس فإذا كان طريق الشمس أبعد قطع القمر جميع أجزاء فلكه - أعني البروج الإثني عشر - في زمان تقطع الشمس برجا واحدا من فلكها. وقيل لم يكن يليق بمصلحة العباد لو جعلت الثمس في سرعة السير كالقمر، فإنها لو قطعت الفلك في ثلاثين يوما لولدت الفصول الأربعة في كل شهر، واختلت الزروع والثمار واستقامة الأحوال.
7 -
وقوله عز وجل: (ولا الليل سابق النهار) أي الشمس التي بها الضياء خلقت مضيئة والليل بكرة الأرض التي يغيب ضوء الشمس بطرف منها عن الأرض، وهي في بعدها من الأفلاك بعد واحد من جميع الجهات، لأنها في العالم بمنزلة الثقل، والأفلاك والكواكب في غاية اللطف، لما أديرت وقعت كثافة الأرض إلى أسفل، فإن اللطيف يتحرك إلى الأعلى، والثقيل الكثيف إلى أسفل، فلما دفعت أجرام الفلك عنه التراب من جميع النواحي دفعة واحدة اجتمع إلى الوسط، وقد جرب ذلك في قنينة ملئت ماء وألقي فيها حفنة من تراب ، ثم أديرت بالخرط، فبدأت أجزاء التراب تجتمع من جميع النواحي حتى استمسكت في الوسط. فإذا كان الليل بالأرض، والأرض تدفع الأفلاك أجزاءها - كما ضربنا من المثال - كان النهار سابقا لليل، فذلك قوله عز وجل: (ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون)
صفحہ 11