92

لكننا مشينا قدما كل منا باتجاه الآخر، تشبث كل منا بالآخر وتعلق به. انسحقت بيننا الورود التي التقطها هو من الأرض ولم نلق لها بالا. تعانقنا وكأننا نجسد صورة حية لشخصين أنقذا لتوهما بمعجزة. كان هذا من الممكن أن يحدث ثانية، ويتكرر. ودائما ما سيكون الخطأ نفسه.

آآآه.

دوت صرخة في محطة القطار، صرخة حقيقية، لكنها لم تصدر مني أنا. رأيت الناس وقد توقفوا لسماع الصرخة أيضا. كانت الصرخة كأنها صيحة صادرة عن شخص دخيل، مليئة بمشاعر الظلم الشديد. نظر الناس باتجاه الأبواب المفتوحة من ناحية شارع هاستينجز، وكأنهم ينتظرون هذا الغريب ليأتي آخذا بالثأر منهم. لكن اتضح أن الصراخ أتى من رجل عجوز، كان جالسا بجوار رجال عجز آخرين على مقعد الانتظار بآخر المحطة. في الماضي كان هناك عدة مقاعد، الآن هو مقعد واحد يحمل رجالا عجزا، لا يسترعون انتباه أي شخص مثل الجرائد القديمة. وقف الرجل على قدميه ليبث صراخه الذي بدا أنه ناتج عن الغضب، غضب وترويع يشعر بهما، أكثر من كونه ناتجا عن الألم. عندما خبت صرخته، تحول الرجل قليلا، ثم ترنح، وكأنه يحاول التشبث بالهواء بذراعيه الممدودتين أمامه، وأصابعه المفتوحة، ثم سقط على الأرض وهو ينتفض بشدة. لم يتجشم أحد الرجال الآخرين الجالسين على المقعد نفسه عناء مساعدته، لم ينهض أحدهم، إنهم حتى بالكاد نظروا إليه، ثم أكملوا قراءة الجريدة أو أخذوا يحدقون بأقدامهم. وفجأة توقف الرجل عن الانتفاض.

مات الرجل، لقد عرفت ذلك. أتى شخص، مدير أو مسئول بالمحطة، ليتفحصه، في حين أكمل بعض الناس سيرهم بأمتعتهم كأن شيئا لم يحدث، ولم ينظروا بذلك الاتجاه. بعض الناس مثلي تقدموا نحو مكان استلقاء الرجل وتوقفوا، تقدموا وتوقفوا، وكأنه يصدر عنه إشعاعات خطيرة. «لا بد أنها أزمة قلبية.» «بل سكتة دماغية.» «هل مات؟» «بالتأكيد، انظر، الرجل يضع عليه معطفه.»

وقف المسئول لا يرتدي شيئا على قميصه. يجب أن يرسل معطفه للمغسلة. استدرت مبتعدة بصعوبة، ومشيت باتجاه مدخل المحطة، وكأنه يتعين علي ألا أرحل، وكأن صرخات الرجل الذي مات ما زالت تطلب مني شيئا لأفعله، لكني لا أستطيع حتى التفكير في هذا الشيء. هذه الصرخة التي أطلقها الرجل كانت كفيلة بأن تردعني أنا، وتردع هيو، ومارجريت، وعضو جماعة الصليب الوردي، وكل إنسان حي. كل ما نقوله أو نفعله أصبح غير حقيقي ولا طائل من ورائه. وكأننا نلف وندور خارج السيطرة منذ وقت طويل، ندور حول أنفسنا في دوامات، ونصدر ضجيجا يملأ الدنيا صخبا. ولكن يمكن لكل هذا أن يهدأ ويسكن في لحظة واحدة، لحظة واحدة نجد فيها أنفسنا للمرة الأولى هامدين لا نملك أن نؤذي بعوضة. كان مشهد هذا الرجل يبعث برسالة؛ أنا أومن بذلك بالفعل، لكني لا أعلم كيف أوصل هذه الرسالة.

رياح الشتاء

من نافذة غرفة نوم جدتي يمكنك أن تطل عبر الطريق السريع على امتداد كبير لنهر واواناش الذي يتلوى بين عيدان القصب. سطحه كله مجمد الآن يكسوه الجليد، والثلوج المنتشرة في كل مكان تخفي معالمه. حتى في الأيام العاصفة قد تنقشع الغيوم قبل وقت العشاء، يتبعها غروب الشمس شديدة الاحمرار. قالت جدتي حانقة، وكأننا في سيبيريا: هذا الطقس يجعل المرء يظن أننا نعيش على حافة البرية. كانت كل تلك البقاع تغطيها المزارع، وبطبيعة الحال أشجار يانعة، لم تكن هناك براري على الإطلاق، ولكن الشتاء غطى كل شيء، حتى أعمدة السياج.

بدأت العاصفة قبل الظهيرة، عندما كنا في حصة الكيمياء، وشاهدنا تقدمها مفعمين بالأمل، ونتطلع إلى شيء غير مألوف، شيء يسد الطرق ويؤدي إلى نقص الإمدادات ويستقر في ممرات المدرسة. تخيلت نفسي أنال حريتي بسبب أزمة تسببها موجة الطقس السيئ، ويساعدني على ذلك انقطاع التيار الكهربائي، وعلى ضوء الشموع أستمع للأغاني الصاخبة مصحوبة بهدير الرياح، وأتدثر ببطانية مع السيد هارمر، المدرس المبتدئ الذي كثيرا ما حاولت لفت نظره في طابور الصباح، يعانقني حتى يشعرني في البداية فقط بالدفء والطمأنينة، ذلك العناق الذي ربما يتحول في ظل هذا الارتباك والظلمة الحالكة - ففي هذا الوقت تنطفئ الشمعة الوحيدة بفعل الرياح - إلى شيء أكثر إلحاحا وإثارة. بيد أن الأمور لم تصل إلى هذا الحد، وجاءت تعليمات بالانصراف في وقت مبكر، فتأهبت حافلات المدرسة في الخارج مشغلة مصابيح الإنارة بينما نحن في منتصف النهار. عادة ما أستقل حافلة «وايتشيرش» إلى الحي الأول غرب المدينة، ومن هناك أمشي سيرا على الأقدام، ثلاثة أرباع ميل أو نحو ذلك، وصولا إلى بيتنا عند حافة الغابة. هذه الليلة ذهبت إلى بيت جدتي في المدينة، وهو ما أفعله مرتين أو ثلاثا كل شتاء.

كان مدخل هذا البيت مكسوا كله بالخشب المصقول، المعطر، الأملس، والمريح حتى إنك لتشعر فيه كما لو أنك داخل قشرة ثمرة جوز. كانت غرفة الطعام مضاءة بمصباح أصفر. أديت واجباتي المنزلية - الشيء الذي لم أشغل بالي به كثيرا في المنزل؛ نظرا لعدم وجود مكان أو وقت لتأديته من الأساس - على طاولة الطعام، بعدما فردت عليها الخالة مادج جريدة لحماية المفرش. كانت الخالة مادج أخت جدتي، وكلتاهما أرملتان.

كانت الخالة مادج تكوي (كانتا تكويان كل شيء، حتى الملابس الداخلية وفوط المطبخ) فيما كانت جدتي تعد بودنج الجزر للعشاء. انبعثت منه رائحة زكية. قارن هذا بالمشهد في منزلنا؛ حيث المطبخ هو الغرفة الوحيدة الدافئة؛ كان لدينا موقد خشبي، وكان أخي يحضر الحطب اللازم لتشغيله، تاركا وراءه آثارا من الثلج القذر على المشمع المفروش على الأرضية، بالرغم من توبيخي له. كانت الأوساخ والفوضى تحيط بنا في كل وقت وحين. أما أمي فهي في أغلب الأحيان مستلقية على الأريكة، تندب حظها العاثر. كنت أجادلها كلما أتيحت لي الفرصة، فترد علي قائلة إن قلبي سينفطر عندما أنجب أطفالا. كنا نشتغل ببيع البيض في ذلك الحين؛ لذا كنت تجد سلال البيض في كل مكان مع بقايا القش والريش وروث الدجاج العالق بها، في انتظار من ينظفها. أعتقد أن رائحة روث الدجاج تدخل البيت على الأحذية والملابس ولا يمكن التخلص منها بأي حال من الأحوال.

نامعلوم صفحہ