كان مراد طبعا يعرف مواعيد سعيد، فما كان ليذهب إليه ويخطئه قط، قال لسعيد: شكرا لك كل الشكر على ترشيحي. - وهل كنت تنتظر غير هذا؟ - ولكن هناك مشكلة. - ما هي؟ - سيتقدم في الدائرة ستة مرشحين. - من هم؟ - لا تهم أسماؤهم إلا أن من بينهم عمر المفتي. - لا تخف منه. - كيف؟ لقد كان نائب الدائرة لسنوات طويلة. - ألم ينتصر عليه أبوك؟ - كان وفديا، وطبعا أنت تعرف أن الحكومة كانت تساعد الوفد في هذه الانتخابات ومع ذلك نجح أبي بصعوبة بالغة، ولولا وقوف العمد معه لما نجح. - سنشطب اسمه. - عظيم، والباقون؟ - صعب. - وهل هناك شيء صعب بالنسبة إليك؟ - لا نريد أن نزيد من أعدائنا. - يا سيدي الأمر لا يستحق، أنت فقط كلم المسئول، وسينفذ لك كل ما تريد. - غير معقول. - إذن لا فائدة. - ادخل الانتخابات وأعدك بالمساعدة. - لا أضمن النجاح. - وأنا لا أستطيع أن أشطب خمسة. - الأمر لله. •••
وانصرف مراد، وهو يفكر ويطيل التفكير، وحين عاد إلى الميمونة وجد نازلي تعلم دياب مبادئ اللغة الفرنسية، فلم يعلق على ما تفعل، ولا انتظر أن يتعلق به دياب شأنه في كل يوم يراه فيه.
فلم يكن مراد يراه كل يوم، فقد أصبح بقاؤه في القاهرة يعادل إن لم يزد على بقائه في بيته بالبلدة وتعودت نازلي على هذا الوضع راضية به، وإن كان رضاؤها ليس عن اختيار؛ فهي لم تكن تملك إلا تقبل إهمال مراد لها ولابنهما في وقت معا.
ولم تكن نازلي غبية ولا جاهلة فإن تكن السنوات التي قضتها في التعليم قليلة إلا أنها أصبحت تتكلم الفرنسية بقدر من الطلاقة لا بأس به، وزاد من معرفتها باللغة الفرنسية قراءتها لكتب العالميين من كتاب فرنسا وما ترجم إلى الفرنسية من الآداب الأخرى الإنجليزية أو الروسية أو الألمانية كما كانت حريصة على القراءة العربية لكبار الكتاب، هذا جميعا إلى جانب حرصها على تتبع الأخبار في الصحف والراديو على السواء.
وهكذا أصبحت على قدر من الثقافة يعتبر غريبا على زوجة تعيش في القرية، لا تكاد تغادرها إلا القليل النادر، مرات إلى الزقازيق، ومرات أقل إلى القاهرة.
وقد تمكنت ثقافتها أن تجعلها تعرف تمام المعرفة ذلك السعار المحموم الذي أصاب زوجها في جمع المال وسعة السلطة والجاه، وأدركت أن شخصا هذا شأنه لا يمكن أن يلتفت إلى بيته أو تعليم ولده، فحزمت أمرها أن تكون هي المسئولة وحدها عن تعليم دياب وتثقيفه أيضا. فإن حزبها أمر لجأت إلى حميها، وقد كان يستجيب لكل ما تريده، مدركا بحنكة الشيخ المجرب أن نازلي تنازلت عن حقوق الزوجة وأصبحت وحدها المسئولة عن ابنها الذي أهمل أبوه شأنه.
وما كان مراد ليستطيع أن يهتم بشئون بيته وماله وآماله العراض، وكان عليه أن يختار بين أن يكون أبا وزوجا مع مال موفور ولكن ليس بالوفرة التي يريدها، وجاه لا بأس به، ولكن ليس بالضخامة التي يصبو إليها، وبين أن يكون نوعا من الديناصور البشري، وقد اختار الأمر الأخير وليذهب ولده وزوجه إلى أي مصير يلقفهما.
وقد اختار فعلا المال والجاه، وانقضى الأمر، وأصبحت ملائكة السماء والأرض عاجزة كل العجز أن تجعله يغير وجهته أو سمته.
كما أنه كان يعتبر أن نازلي قد استنفدت أغراضها بعد أن توثقت صلته بسعيد، وإن كان ما زال يطمح إلى عون أبيها في الانتخابات.
ولو أن الحاج دهشان ما زال ذا مكانة في البلدان الأخرى، وطبعا في عموديته الكبيرة إلا أن مراد قدر أن الحكومة أقوى من كل الأعمدة التي تستند إليها مكانة الحاج دهشان، فلم يكن عجيبا إذن أن يسعى سعيه الخبيث المستميت لدى سعيد أن تشطب الحكومة المرشحين أمامه.
نامعلوم صفحہ