سمعت الإمام المهدي يوما يقول: ما الناس مصدقون متى ينفك عنهم هذا اللجام لجام الحق، ثم اختار الله له ما لديه ونقله إلى واسع رحمته، (و) (1) بعد إبلائه في الله وجهاده في سبيل الله ما يقر (الله) (2) به عينه ويزلفه عنده -إن شاء الله تعالى- أصابه خلط فالج أزال عنه التكليف وولده الإمام الناصر عليه السلام القائم بالأمر والنهي وسداد الثغور مدة سنة كاملة، ثم إن الإمام الناصر عليه السلام جمع العلماء من صعدة وعلماء بلاد مدحج، وقال: هذا الإمام عليه السلام(3) قد سقط عنه تكليف الإمامة وأنا مسكين، وكنت أصدر وأورد عن أمر أمير المؤمنين عليه السلام(4) الذي أجمع على إمامته علماء المسلمين، (فالآن) (5) ألقيت حبلها على غاربها فانظروا لأنفسكم، (وهذه عهدة المسلمين وآلات الجهاد على أيديكم) (6)، فحاروا في الأمر وساروا إلى ظفار بأجمعهم ، واتفق فيه علماء الأمصار إلى الألف وثلاثمائة من العلماء وأهل البصائر المنورة، فنظروا لأنفسهم ولمذهبهم ولدينهم، فأجمع رأيهم على تقليده الإمامة وتحمله للزعامة، فما ساعدهم، وقال: أنا قليل البصيرة بل عديمها، قالوا: الواجب عليك القيام وإن تركت فأنت مخل بواجب وخبروه وراجعوه، فوجدوه كاملا في العلوم ماهرا، وللمسائل ممارسا، فبايعه العلماء من حضر ذلك الجمع المبارك منهم: السيد الإمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن مطهر بن يحيى، وقال: أشهد لله أن هذا إمام مفترض الطاعة رضيت به إماما لي وللمسلمين، ثم قام (الإمام) (7) القاضي عبد الله بن أحسن الدواري أيده الله، ثم قام السيد الإمام عبد الله بن (الإمام) (8) يحيى بن حمزة، ثم الفقهاء العلماء بنو حنش، ثم الأول فالأول، حتى أتوا على آخرهم فنور الله بصائرهم ووفق أنظارهم، وجعل الله في ذلك خيرا كثيرا، وقام بالأمر ضليعا، وجاهد أعداء الرحمن، وشن الغارات إلى حرب سلطان اليمن فغزا عدن وأخرب فيها، وغزا زبيد وأخرب قصورها، وغزا المهجم وأخرب دورها، وغزا حرضا وعمر حصنها، ووقف بعد الدعوة شهورا، وتوفي الإمام المهديعليه السلام واجتهد في إخفائه كيما يحصل مراده في نقله إلى مسجد جده (الإمام) (1) الهادي لأنه أوصى أن يدفن بصعدة، فامتثل وصيته، فوقف في ذمار في تابوت أشهرا، ثم سار به صاحبهم الكافي شبية أبي السرايا في حق آل محمد الفقيه، الزاهد، العابد على بن صالح بن يحيى(2)، فلم يشعر به أحد حتى دفن بصعدة ليلا، رأيت بخط الإمام المهدي -عليه السلام - أني جعلت الوصي من بعدي السيد العلامه داود بن يحيى، والسيد العلامة الهادي بن يحيى(3)، والقاضي العلامة عبد الله بن حسن الدواري حتى اتفقت بالولد محمد، وكنت أظنه بخلاف ما هو عليه من الكمال فهو الوصي من بعدي في أموري كلها، وأوصي أن يكون المتولي للصلاة عليه السيد الإمام داود بن يحيى، واتخذ الإمام الناصر (عليه السلام)(4) له قبة بجنب قبة جده الهادي عليه السلام والتحية (والإكرام) (5)، ثم إن الإمام الناصر عليه السلام مد الله ظل عدله، ونشر من فضله، ما لا يمكن شرحه، من إحياء رسوم الدين، وزم أيدي الظالمين، ورفع منار المسلمين، والإحسان الجم، والمعروف الذي عم، على السادات والعلماء والمتعلمين والفقراء والمساكين، سمعته يوما يقول: ما أجد من (أحد) (6) الأصحاب إلا وله أقطاع وعادات في كل عام وإن أدنى من تمسك بالدين أميرا في هذه الدولة الحميدة، وهو كما قالعليه السلام ولنقتصر على ذكر أوراده المباركة وما عز(7) من مكارم أخلاقه، وثناء العلماء عليه، ومودة إبراهيم الكينعي رحمه الله تعالى(1) فيه -إن شاء الله تعالى-، وأخرب بلاد الباطنية بعد أخذه لصنعاء اليمن وأهلكهم، قتل في يوم المنقب زهاء من خمسمائة وقبض حصونهم، وحاصرهم في فدة والقلعة مرة تسعة أشهر ومرة ثلاثة أشهر، حتى أبادهم الله تعالى وأقماهم، وجر قلمه المبارك من حلي بن يعقوب إلى باب زبيد إلى الشحر بساحل البحر إلى كور الجحافل بالمشرق إلى جبلة اليمن إلى بيشة، وأطلع له سلطان اليمن العادة في كل عام أربعين ألفا، وأحيا الله به الدين، وأمات بسره وبركته (وهيبته شوكة)(2) الكا فرين والفاسقين، وأمن السبل، وحقن الدماء، وسكن الدهما، واستوفى حقوق الله الواجبة من الأعراب والرعايا وكانت دولته المباركة ودولة أبيه الإمام المهدي نيفا وأربعين سنة واستمر من ذكرت من العلماء في ولا يته كما كانوا في ولاية أبيه عليهما السلام، وكانت له هيبة في قلوب الكافرين والفاسقين والحاسدين ما لا يمكن وصفه، حتى أن الواحد منهم إذا كلمه دهش وارتعدت فرائصه، وكان كثير التهيب في مجلسه - عليه السلام - بالسلاح والعدد والآلات، وكانت له محبة ومودة في قلوب المسلمين والعلماء والصالحين كما مر، ما لا يمكن شرحه، رأيت يوم فتح حصن جربان الباطنية كان بحضرته علماء عصره، وأوتاد دهره، فساعة الفتح (شاهدتهم) (3) يقبلون أقدامه الشريفة، ويضعون رؤوسهم في حجره المبارك، ويقولون: الحمد لله ا لذي بلغنا هذا اليوم، وأدركنا دولتك، ولم نسمع بشيء من هذا (في) (4) وقتنا هذا، وكانت القوافل تمر من صعدة إلى صنعاء إلى ذمار إلى نقيل (صيدا) (5) إلى مخلاف جعفر (وجبلة) (6) بلا رفيق ولا مطلب، وأين ما أحبوا الحطاط حطوا في الليل أو في النهار في القفار والشعاب، وبين القرى المتباينة، وما ذلك إلا ببركاته وفضله وسره وقصده الصالح، كان إذا طلب من أهل القوافل الزبيب والتمر، قالوا: إن المخيط في يد صلاح بن على، والحكايات في ذلك كثيرة، سمعته وهو على أعواد المنبر بذمار بعد قيامه بأمر الإمامة، يقول: يا معشر المسلمين، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه ووعظ الناس حتى ضج ا لمسجد بمن فيه من البكاء والعويل والخشوع الطويل: إني ما قمت بهذا الأمر إلا لله ولإعزاز كلمة الدين، وزم أيدي المارقين، لا لغرض دنيوي ولو كان لنا في الدنيا غرض لكان أيسر ما نحن فيه يكفينا، فاخترنا خير ما في أيدينا وسكناها ورفهنا على أنفسنا، اللهم، إن علمت مني خلاف ذلك فلا وفقتني ولا هديتني ولا رحمتني، ولا أجرتني من نارك وغضبك، وأسبل دموعه شبه المطر حتى تقاطرت على ثيابه وعلى منبره وفراشه وعلى المنبر وأنا شاهد بذلك، كلامه وبكاءه وأشهد به.
صفحہ 168