وإذ قد وقف على التقدم والتأخر فقد سهل الوقوف على معرفة " معا " ؛ فإن كل أمرين لا يتقدم أحدهما على الآخر ولا يتأخر فهما معا. فيقال معا فى الزمان لما لا يتقدم أحدهما فيه ولا يتأخر؛ ويقال معا فى الطبع للأمر الذى لا تقدم ولا تأخر فيه بالطبع، فهما إما متلازمان فى تكافؤ الوجود كالأخ للأخ ، وإما متنافيان فيه فلا يلزم أحدهما الآخر كالأنواع تحت جنس واحد؛ ليس لأنهما معا فى الطبع فقط، بل لأنهما معا فى المرتبة أيضا وفى النسبة إلى مبدأ ما. فإن هذه من حيث النسبة إلى طبيعة الجنس متأخرة بالطبع من الجنس، ومن جهة إضافتها إلى الجنس، على أن الجنس مبدأ مفروض هى متأخرة عنه بالمرتبة، ومن حيث أن طبائعها لا تقدم فيها ولا تأخر فى الطبع فهى معا فى الطبع؛ إذ كل واحد منهما بالقياس إلى الآخر توجد حالة مخالفة للحال الذى لطبعه عند طبع الجنس ولطبع الجنس عند طبعه الذى قد كان يتأخر به أحدهما بالطبع ويتقدم الآخر، فيكونا لذلك معا فى الطبع. وإذا نسبت إلى حال تأخر عن الجنس بالمرتبة وجدت معا فى المرتبة نعم وهى مشتركة فى أن طبائعها متأخرة بالطبع عن طبيعة الجنس فإن جعلت معا فى هذه الشركة لم تكن معا فى الطبع مطلقا لكن معا فى التأخر فى الطبع، وليس كونها معا فى الطبع هو كونها معا فى التأخر، بل " المعا " فى الطبع هى الأشياء التى لا تتقدم بالطبع ولا تتأخرمن حيث هى لا متقدمة ولا متأخرة فى ذواتها، لا من حيث هى كذلك من جهة نسبة إلى معنى آخر. فيجب أن تكون معية الأنواع بالوجه الذى يخالف تقدم الأجناس عليها وتأخرها عنها إنما هو باعتبار حال التلازم واللاتلازم، فإن المتأخر يوجد له أنه يلزم وأنه لا يلزم، والمتقدم لا يوجد له أنه يلزم ولا يلزم، والمتكافىء فى الوجود إما أن يكون كل يلزم كالمتجاوزين وإما أن يكون كل لا يلزم. وفى الحالين يكون " معا " كالمتباينين فإنهما " معا " وهو الوجود، وفى الحالين يكون " معا " وهما متضايفان من وجهين، والأنواع تكون " معا " من هذا الوجه معية فيما بينها بإزاء التقدم والتأخر الذى بينها وبين الجنس، وأما معيتها فى المرتبة فلأنها متساوية القرب والبعد من المبدأ الذى هو الجنس إذا كانت النسبة إليه. والأشياء التى هى " معا " فى المرتبة أيضا فإما أن تكون فى مرتبة وضعية كالذين فى صف واحد فإنهم فى مرتبة وضعية، وإما فى مرتبة طبيعية كالأنواع تحت جنس واحد. ولك أن تعلم من هذا أيضا حال معا فى الشرف وأما " معا " فى العلية فتحقيق الأمر فيه عسير.
وقد تذكر فى هذا الموضع، الحركة، فبقال: إن الحركة لها أنواع ستة، سواء كانت أنواعا فى الحقيقة إن كانت الحركة جنسا، أو كانت تشبه الأنواع، وهى فى أنفسها معان مختلفة، تقال عليها الحركة بالتشكيك أو الاتفاق على ما نحققه لك فى العلم الطبيعى. وهذه الأنواع ليست على قياس الأنواع القسيمة تحت جنس واحد، بل على قياس أنواع تختلف مرتبتها، فبعضها ملاصق، وبعضها متأخر؛ والسبب فى ذلك أن بعض الأنواع القريبة لم يوجد لها اسم عام، فترك وأخذ نوعاه المسميان مكانه، إذ ليس هذا مكان تحقيق القول فى ذلك، بل مكانه العلم الطبيعى.
فالأشياء الستة: التكن وهو حركة إلى كون جوهر، مثل تكون الجنين؛ وفساد هو حركة إلى فساد جوهر، وهو مثل موت الحيوان. وهذان يعمهما أمر لا اسم له يتحقق فى العلوم، ويعلم هناك أيضا أنهما ليستا بحركتين عند التحقيق. والثالث النمو، مثل نشوء الصبى وتزيد الشجرة. والرابع الذبول، مثل اضمحلال الهرم فى أعضائه وهما أيضا تحت معنى حركة من كم إلى كم ونوعاه. والخامس الاستحالة، وهو التغير من كيف إلى كيف، وهو بالحقيقة ثالث، فإن الأول من هذه، تغير من جوهر إلى جوهر، وهو كون لما إليه، وفساد لما عنه؛ والثانى، هو تغير من كم إلى كم إما من نقصان إلى زيادة، أو من زيادة إلى نقصان، فيبقى الذى فى الكيف ثالثا. والسادس من المذكورة وهو من النقلة، وهو تغير من مكان إلى مكان، وهو بالحقيقة رابع ، وهذه الأربعة متباينة تباينا ظاهرا، وربما أشكل أمر الاستحالة، إذا كانت الاستحالة تكون فى الأكثر مقارنة لحركة يظن أنها نقلة أو غير ذلك، ولكن الشىء قد يتغير لونه أو مزاجه، ولا يكون قد تحرك فى مكان، ولا نما، ولا ذبل، ولا كان، ولا فسد؛ وكذلك الشىء قد يتحرك فى المكان وكيفيته بحاله، والمربع يضاف إليه القلم فينمو، وتكون الصورة محفوظة فى الكل من حيث التربيع لم تتغير، وإن كان هذا ليس هو النمو الحقيقى لكنه مثال النمو الحقيقى. ويشبه أن يكون ههنا حركة أخرى، وهى الحركة فى الوضع، مثل حركة الفلك على نفسه مستبدلا لوضعه دون أينه، فربما لم يكن له أين فتغير أينه، وإن كان له أين وتحرك فيه على نفسه فلم يتبدل عليه بحركته؛ ولهذا موضع آخر.
ثم الحركة على الإطلاق، يضادها السكون على الإطلاق، فى ظاهر الأمر وعلى النحو المستعمل فى هذا الكتاب، ولا يوجد لها مضاد غير السكون. فالحركة مطلقا فى المكان، لا يخفى الامر فى أنها يضادها السكون فى المكان وفى الكمية والكيفية والحركات الجزئية من كل باب مما ذكر، يضادها حركات مقابلة لها جزئية أيضا، فلكون الفساد، وللنمو الذبول، لكن الاستحالة قد أخذت منوعة، فيعسر إصابة الضد لها من حيث هى استحالة، لا استحالة ولا سكون فى ظاهر الأمر إذ كان السكون فى الكيف غير متصور فى ظاهر الأمر؛ وكذلك كان يكون الحال فى الكون والفساد لو لم يذكرا منوعين، والظاهر يوجب أن لا يصاب للاستحالة ضد، إلا أن يقترن بالظاهر تأمل ومقايسة بالحركة المكانية، فيكون ضد الحركة المطلقة فى الكيف، السكون فى الكيف، مضادة جنسية، كما للنقلة السكون فى المكان، أو يكون لجزئيات الحركات فى الكيف أضداد جزئية، فيكون كما أن الحركة من أسفل إلى فوق مضادة للحركة من فوق إلى أسفل، كذلك الحركة من السواد إلى البياض مضادة للحركة من البياض إلى السواد، أعنى أن الابيضاض ضد للاسوداد، وهما نوعا الاستحالة. فلنصطلح الآن على أن الحركة على الإطلاق يضادها السكون على الإطلاق، وأن النوعيات الأربع القريبة منه يضادها السكون فى ذلك المعنى من الجوهر أو الكيف أو الكم أو الأين.
وأما المتضادات الجزئية المنوعة جدا فتضاد الحركات منها حركات، وأما أنه هل جميع ما ذكر حركات، وأنه ليس غيرها حركات، وأنه كيف يقابل السكون الحركة وأى سكون لأى حركة، فأولى المواضح بتحقيقه هو العلم الطبيعى.
صفحہ 150