قلت: وهذا هو المفهوم من معنى الإرسال، كما في الحديث: "إذا أرسلتَ كلبك المُعَلَّم" (^٢) أي: سلَّطته، ولو خَلَّى بينه وبين الصيد من غير إرسال منه لم يُبَح صيده.
وكذلك قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣]، وكذلك قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر: ٣١].
والتخلية بين المُرْسَل وبين ما أُرْسِل عليه من لوازم هذا المعنى، ولا يتم التسليط إلا به، فإذا أُرْسِل الشيء الذي من طبعه وشأنه أن يفعل فعلًا ولم يمنعه من فعله فهذا هو التسليط.
ثم إنّ القدرية تناقضوا في هذا القول، فإنهم إن جوَّزوا منعهم منهم وعصمتهم وإعاذتهم فقد نقضوا أصلهم؛ فإنّ مَنْع المختار من فعله الاختياري مع سلامة آلته وصحة بنيته يدل على أن فعله وتركه مقدور للربّ، وهذا عين قول أهل السنة.
وإن قالوا: لا يقدر على منعهم وعصمتهم منهم وإعاذتهم، فقد جعلوا قدرتهم ومشيئتهم بفعل ما لا يقدر الرب على المنع منه، وهذا أبطل الباطل.
(^٢) أخرجه البخاري (١٧٥)، ومسلم (١٩٢٩) من حديث عدي بن حاتم.
1 / 211
الباب الأول في تقدير المقادير قبل خلق السماوات والأرض
الباب السادس والعشرون فيما دل عليه قوله ﷺ: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» من تحقيق القدر وإثباته، وما تضمنه الحديث من الأسرار العظيمة