وما أقرانها إلا الطعام
الثلاثاء 22 ذي القعدة/5 سبتمبر
التقويم
نظرت في تاريخ اليوم بين الحساب القمري والحساب الشمسي ووجدته أول أيام النسيء بالتوقيت الشمسي المصري، فجال فكري في تقويم الأمم على اختلاف أزمانها وأوطانها واتفاقها واختلافها في التقويم والتوقيت. ثم ضيقت هذا المجال الواسع الذي لا قبل لي به إلى هذه المسألة الواحدة: الحساب القمري والحساب الشمسي أيهما أقرب إلى الناس وأيهما أسبق في التاريخ؟
قلت: التوقيت القمري كان أظهر وأيسر على الأمم قبل أن توغل في علم الهيئة وحساب الفلك، فالقمر يتغير كل يوم حتى يغيب بعد ثمانية وعشرين يوما، ثم يظهر جديدا بعد يوم أو يومين، فهو لا محالة أقرب إلى الإدراك، وأيسر في الحسبان. ومن أجل هذا لم يختلف الناس في حساب الشهور القمرية ما اختلفوا في تقسيم الشهور الشمسية. ولكن حساب السنة بالشمس أبين وأيسر من حسابها بالقمر، فتغير الفصول فيها واضح، وصلتها بالمقاييس أبين من السنة القمرية. وأداني إلى النظر فيما هو أقرب إلى الإدراك وأبعد، إلى التفكير في اليوم الزوالي واليوم الغروبي، فقلت: إن حساب اليوم بغروب الشمس أقرب الطبيعة، وأدنى إلى الحسبان، فالناس يرون غروب الشمس فاصلا بين ليل ونهار ولا يدركون اليوم الذي يبتدئ بزوال الشمس إلا بحساب ورصد. فالتوقيت بالغروب - ولا يزال شائعا في بعض البلاد - أقرب إلى الطبيعة وأيسر، فكل إنسان يستطيع أن يبصر الغروب ولكنه لا يدرك الزوال إلا بنظر وقياس، ولولا أن بلغ الناس في التوقيت مدى بعيدا، وعرفوا في الزوال أمدا محدودا، ما جاوزوا الطبيعة فجعلوا نصف الليل أول الصباح ونصف النهار أول العشي ومدوا العشي إلى نصف الليل فخلطوا بين الليل والنهار، وصار عدد الساعات لا يدل على ما مضى من الليل الطبيعي أو النهار الطبيعي.
الأربعاء 23 ذي القعدة/6 سبتمبر
أثرة وإيثار
في الناس أثر همه نفسه، لا يبالي غيره. ونفسه التي تهمه ضيقة الحدود، صغيرة الهمة، فهي مطامعه ومآربه، وشهواته أو أهواؤه. كل ما أدى إلى هؤلاء يحبه ويحرص عليه ويشح به.
وفي الناس من تتسع نفسه، وتبعد همته فيرتقي إلى رعاية القوانين ومراعاة الآخرين. فهو ينظر إلى نفسه وإلى غيره، يأخذ بالحق ويدع بالحق، ما كان له استأثر به، وما كان لغيره آثره به، فهو عادل بين نفسه وبين الناس، يأخذ ويعطي بالقسطاس. ونعم الإنسان هذا، ونعم خادم الجماعة هو!
وفي الناس من يعلو مستوى العدل إلى مستوى الفضل، فيحرم نفسه ما تستحق أحيانا ويعطي غيره ما لا يستحق أحيانا. تسمو نفسه وتعلو همته إلى درجة الإيثار كما وصف القرآن الكريم الأنصار فقال:
نامعلوم صفحہ