وفي أمريكا الإسبانية ترددت الأغنية التي تعبر عن العبقرية الإسبانية في هذا الجو العالمي الفسيح، الذي لا يستوعبه التراث القديم، ولا يأبى الانطلاق مع دواعي الاستقلال، والمباراة في المجال العالمي حيثما اتصل بالغرب والشرق في الأمريكتين أو في القارة الأوروبية، وربما ترامت به الصلات العالمية إلى أطراف الصين وجزر البحار الشرقية حيث بقيت للغة الإسبانية بقية حية من عهود الكشف والاستعمار.
وأبلغ ما يكون الشعر تمثيلا لهذه الطلاقة العالمية؛ إذ تنشده امرأة باللغة التي لم يتعود أبناؤها أن يستمعوا صوتا للمرأة من صفحات كتاب. فلم يكن عجبا أن يشتهر النساء الشاعرات، ويبلغن من الشهرة ما لم يبلغه أندادهن الشاعرون، ولم يمض غير قليل على ظهور الباكورة الأولى من الشواعر الإسبانيات في أمريكا الجنوبية، حتى كانت أكبرهن وأنبغهن - جابرييلا مسترال - أشهر أعلام الأدب وأحبهن غناء إلى قراء لغتها، وقد نشأت في «شيلي» ولكنها لم تلبث بعد ذيوع ديوانها الأول أن نسبتها قرابة الأدب واللسان إلى كل أمة من أمم أمريكا اللاتينية، فدعاها المكسيكيون إلى زيارة بلادهم، ودعتها جامعة (بويرتريكو) للمحاضرة فيها وإلقاء أناشيدها على أسماع طلابها وطالباتها، وأتاحت لها الرحلة الطويلة خارج بلادها أن تمثل عبقرية قومها في أوسع آفاقها، وأن تحس ما حولها من مشكلات العصر الحديث في كل مجتمع تعيش فيه أو تسمع أخباره، فأصبحت بحق لسانا ناطقا بلواعج النفس الإسبانية كما ينبغي أن يهتف بها هاتف الشعر في القرن العشرين. وقد كانت جابرييلا - واسمها الأصيل لوسيلا - تقارب الستين حين خصتها لجنة نوبل بجائزتها عند نهاية الحرب العالمية الثانية (سنة 1945)، وكان اسمها وأغانيها يومئذ على كل لسان يترنم بلغة الإسبان.
وفي (بويرتريكو) التي نضجت فيها عبقرية الشاعرة بعد الأربعين ثبت (خط نصف النهار) حتى استمع العالم الإسباني منها إلى صوت شاعره الجديد، الذي كتب له أن يمثل العبقرية الإسبانية بعد غاشية الثورة السياسية والحرب الأهلية؛ إذ كان لا بد لها أن تثوب - ولو في جانب من جوانبها - إلى فترة من فترات العبرة والتأمل أو من فترات التعب والسكون، وفي أمثال هذه الفترات تحن النفوس حنين السآمة والانقباض من معارك الصراع ودوافع اللجاجة والنزاع، فينجم بينها من هنا وهناك من يهيب بها تارة أن ترجع إلى الله، أو ترجع إلى أحضان الطبيعة، أو ترجع إلى بساطة الفطرة وسلامة الطفولة، وكذلك حدث في المغرب يوم سئم الناس قوارع الحروب والغارات بعد القرون الوسطى فتنادوا بالعودة إلى الدين، ويوم سئموا قوارع الثورات الصناعية فتنادوا بالعودة إلى الطبيعية، ويوم سئموا أخيرا هذه النوازع المذهبية، وهذه الضلالة وراء الأهداف الكاذبة، فراحوا يتنادون ما استطاعوا إلى تقشف الزهد أو وداعة الطفولة أو براءة الأمن والسلام في ظلال الريف.
فقد اختلطت في العالم الإسباني مذاهب الأدب ومذاهب الدعوات الثورية بين الحربين العالميتين وتباعدت الشقة بين أطراف المذاهب، كما يحدث دائما لكل مجتمع محافظ عريق التقاليد والموروثات يصطدم فجاءة بقضايا العصر الجديد على نطاق واسع يمتد بين قارات العالمين القديم والجديد، فبرزت في اللغة الإسبانية دعوات المحافظين الذين لا يترخصون في نزع حجر واحد من بنائهم التالد المجلل بقداسة الدين والتاريخ، وقابلت فيه دعوات الهدم التي لا تريد أن تبقي على حجر واحد من ذلك البناء ولا من سواه. ومضت فترة ما بين الحربين في تجربة الثورات من كل طرف وتجربة الخيبة بعد كل ثورة، فرانت على النفوس فترة من الملل والحيرة توحي الشك في كل دعوة وفي كل داع وتزعزع الثقة بالنيات، كما تزعزع الثقة بالأعمال والأقوال، وغلب على أصحاب المزاج الوادع الطيب من الفنانين والشعراء حب النجاة من غوائل هذه الفتن إلى الملاذ الأمين من حياة البساطة، حيث تكون بساطة الإنسان الفطري، وبساطة الطفل البريء، وبساطة المحبة الصافية التي تشع بها أغاني الرعاة ونجوى الريفيين والريفيات. ولم يبرز هذا الملاذ الأمين صوتا أعذب ولا أصدق ولا أقرب إلى الرضا بالأمل والغبطة بالحنين من صوت خيمنيز شاعر اللغة الإسبانية الذي ولد في أرض الوطن، وهاجر إلى الغرب فاستقر زمنا، حيث يتوسط العالم الإسباني، وحيث أوشك «نصف النهار» في ذلك العالم أن ينقل خطه الأخير إلى هناك، متصلا بين أدب المرأة الإسبانية والأدب الريفي المشوق إلى ظلال الريف.
وفي هذه الفترة ينظر نقاد السويد الباحثون عن ضالتهم «الإنسانية» بين مشتجر المذاهب والدعوات، فلا يجدون لها مثالا أوفى بالشرط المطلوب من هذا المثال؛ لأنه أقربها جميعا إلى حظيرة السلام والأمل، ولأنه الجهة الرابعة في هيكل العبقرية الإسبانية قد تمت عندها جهاته الأربع: جهة المسرح الموروث، وجهة المسرح المتجدد، وهاتان - بعد - جهة الغناء من صميم المجتمع، وجهة الغناء من صميم الريف.
إن خيمنيز يتقن الفن وهو يدعو إلى الطبيعة، وينتمي إلى الوطن الأصيل وهو ينتقل إلى وطن الهجرة، ويتصل بالحاضر وهو لا ينقطع عن التاريخ، فهو عنوان لا يتخطاه القارئ الذي يعرض أمامه أدب قومه، ولن يعرضه أمامه إلا رأى مكانه ثمة خاليا بعد أشيجاري وبينافنتي وجابرييلا مسترال.
ونحسب أن الناقد الأدبي كيفما كان لا يملك أن يغفل عن جوانب النظر في أدب الأمة الواحدة ليستوفي تمثيلها وإنصاف ممثليها كلما التفت إليها، فإذا كانت اللجنة السويدية لا تملك أن تستوفي هذا التمثيل في أدب العالم الإسباني كله، فهي مسوقة إلى استيفاء تمثيل الأدب في كل أمة على حدة حين تراجع السابقين واللاحقين من مرشحيها للجائزة، فلا تكرر نفسها في تزكية مذهب واحد، ثم تهمل غيره، وهو معروض لها موافق لشرطها، ونحسب أن شأن الآداب السكسونية عندها كشأن الأدب اللاتيني في هذه الخصلة؛ فإن قائمتها الإنجليزية - مثلا - تشمل: الشاعر، والفيلسوف، والقصاص، وشاعر الدولة، وشاعر الجزيرة المستقلة، وناظم الشخوص الاجتماعية، وناظم الشخوص الفنية. وقائمتها الأمريكية تشمل: أديب الشمال، وأديب الجنوب، وأديب المسرح والدرام، وأديب القصة والمقال، كما تشمل الكاتب والكاتبة، ومن يختار بيئته في دياره، ومن يختارها من ديار المشرق الأقصى في اليابان والصين، ويقال مثل هذا عن أدباء الألمان والسكندنافيين، كما يقال عن أدباء الفرنسيين والطليان، وهكذا تئول الشروط العالمية في منح الجوائز إلى تمييز «القوميات» بأجزائها وجوانبها على قصد لا مناص منه، ولعلها لا تحقق صفة «العالمية» في تقديرها إلا بما تحاوله من الموازنة العامة بين القوميات التي تعنيها، حسبما تراءى لها من أسباب العناية.
الأدب الإسباني في وطنين
عرفت أسبانيا ظاهرتين كبيرتين من ظواهر الأدب في وطنه الأصيل وفي وطن الهجرة، وهو أمر نادر في تواريخ الآداب لعله لم يعرف على هذا النحو في غير البلاد الإسبانية.
إحدى هاتين الظاهرتين نعرفها نحن أبناء اللغة العربية لأنها تشمل آداب هذه اللغة في المغرب، ويحسبها بعض النقاد والمؤرخين شطرا من شطرين متعادلين يسمى أحدهما أدب المغرب، ويسمى الآخر أدب المشرق، وقد يقصدون بذلك إلى المقابلة بينهما في القيمة والغزارة، ولا يقصرون على تقسيم الموقع والمدة الزمنية.
نامعلوم صفحہ