وفي أواخر يوليو وصل «أبو أنجة» إلى أم درمان مصحوبا بقوة تقدر بعشرين ألف رجل، وبعد أسابيع قليلة أرسل جزء من هذه القوة تحت قيادة «زكي طومال» لإخضاع «أبوروف» شيخ قبيلة جهينة الذي لم يلب نداء الخليفة ويذهب إلى أم درمان، فدحر زكي طومال معظم رجال تلك القبيلة، وأرسل كثيرا من السبايا وأسرى الأطفال هدايا للخليفة، وأحضر الباقي بعد ذلك إلى أم درمان؛ حيث اشتغلوا في نقل الماء وعمل الحصر. وبيعت قطعانهم بأبخس الأثمان في الأسواق؛ فبيع الثور أو الجمل الذي قيمته 40 أو 60 ريالا بريالين أو ثلاثة.
وتلقى أبو أنجة الأوامر لكي يوالي السير من أم درمان إلى القلابات بعد تشتيت شمل قبيلة جهينة، ويتولى هناك قيادة الجيوش. فعند وصوله جمع القوات المرابطة في المراكز الجنوبية عند أبي هرر، وأخذ ينظمها ويعد العدة للأخذ بثأر «واد أرباب» من الأحباش، واجتمعت تحت إمرته أكبر قوة جمعت من عهد الخليفة عبد الله؛ إذ كان مجموع ما تحت قيادته 45 ألفا من حاملي الرماح و800 من الخيالة و50 ألف بندقية، فغادر القلابات بهذه القوة مخترقا ممر «منتك» قاصدا «رأس أوال»، ولست أعلم حتى هذه اللحظة لماذا لم يهاجم الأحباش أعداءهم أثناء اختراقهم هذه الممرات الضيقة والوديان السحيقة التي كان يتعذر عليهم فيها استعمال نيران بنادقهم، فإذا لم يتمكنوا من صد أعدائهم فإنهم على الأقل يستطيعون أن يلحقوا بالدراويش خسائر تذكر. وكل ما أمكنني إدراكه هو أن الأحباش ربما تأكدوا من فوزهم النهائي وعملوا على جرهم بعيدا داخل المملكة حتى يقطعوا عليهم خط رجعتهم، وبذلك يبيدونهم عن آخرهم. فابتدأ القتال على سهل «دبراش»، وكان تحت قيادة الرأس «عدل» ألفان من المحاربين، واتخذ له موقعا يهدد به جناح أبو أنجة الشمالي، ولكن أبو أنجة كان لديه من الوقت ما يسمح له بالانسحاب من التلول وأن ينظم صفوفه وهو يتقهقر، فحمل الأحباش المرة تلو الأخرى على الدراويش إلا أن هؤلاء تمكنوا من صدهم بعد أن حملوهم خسائر فادحة، وأخذ أبو أنجة بعد ذلك في الهجوم حتى انتصر في معركة حاسمة.
وكان يتولى القيادة في كسلا «أبو حرجة»، وقد أمر باللحاق «بعثمان دجنة» ليعاونه في القتال، وترك «أحمد واد علي» نيابة عنه في كسلا، وعرج في طريقه على أم درمان ليرفع إلى الخليفة تقريرا عن حالة القبائل العربية النازلة بشرقي السودان، ورغم أنه وصل إلى أم درمان في ساعة متأخرة من الليل، إلا أن الخليفة قابله مقابلة طويلة خصوصية، وقد أبلغني أثناء خروجه أن خطابا ورد لي من أهلي.
وبعد بضع دقائق طلبت عند الخليفة وأبلغت بأن حاكم سواكن بعث بخطاب إلى «عثمان دجنة» يظن أنه من عند أهلي، وأمرني الخليفة بفتحه في الحال وإخباره عما يحتويه، فتصفحته بسرعة وأشد ما آلمني خبر وفاة والدتي، وقد أخبرني إخوتي بأنها ما كانت تطلب في آخر حياتها وهي على فراش الموت إلا أن يجمع البارئ بيني وبينهم.
ولما لاحظ الخليفة طول الوقت الذي استغرقته في مطالعة الخطاب سألني عن اسم من أرسله لي، وما هي محتوياته، فأجبته بأن إخوتي هم الذين بعثوا به إلي وأني سأترجمه؛ إذ لم يكن هناك داع لكتمان أي شيء فيه؛ فهو عبارة عن بضعة أسطر سطرها إخوة بؤساء إلى أخ بعيد عنهم.
وقد أبلغته مقدار جزعهم علي لطول غيابي عنهم، وكيف أنهم على استعداد لعمل أي تضحية في سبيل خلاصي واستردادي لحريتي، ولما وصلت في الخطاب إلى الجزء الخاص بوالدتي قلت للخليفة إنه بسبب بعدي عنها كانت في كل أوقات مرضها تتضرع إلى الباري كي تراني قبل موتها، كانت تتمنى ذلك ولكن أمنيتها لم تتحقق ففاضت روحها قبل أن تراني، وفي تلك اللحظة التي نضب فيها لعابي ولم أقو على الاستمرار في الكلام، بادرني الخليفة قائلا: «ألا تعلم والدتك بأني أرحم عليك من أي مخلوق كان؟ وعلى كل حال إني لا أتصور أنها كانت على ما تذكر من الحال، فعليك أن تحزن لوفاتها، ولكن يجب أن تعلم أنها ماتت مسيحية ولم تعتقد في الرسول والمهدي، وعلى ذلك هي لا تلاقي رحمة ربها.»
فهاجت أعصابي عند سماع قوله هذا ولكني لم أفه بكلمة، ثم استرجعت قواي وصرت أتلو عليه ما جاء في الخطاب عن زواج أخي هنري، وأن «أودلف» وأخواتي البنات بخير، وطلبوا إلي في آخر خطابهم أن أكتب إليهم عن الطريقة التي يمكن عملها لاسترداد حريتي، كما طلبوا إلي الإسراع في الإجابة عليهم. فقال لي الخليفة: «اكتب إلى واحد من إخوتك كي يسرع في الحضور إلى هنا وأخبره بأنه سيكون موضع إجلال واحترام، وسوف لا يحتاج إلى شيء بالمرة ما دام مقيما هنا، ومع ذلك سأتكلم معك في هذا الشأن مرة أخرى.» وبعد ذلك أشار علي بالانصراف، فانصرفت وكان رفاقي الذين علموا بوصول هذا الخطاب ينتظرونني بفارغ الصبر ليسمعوا مني ما حواه، وبمجرد أن تلاقوا معي وجهوا لي عدة أسئلة كنت أجاوبهم عليها بكل اقتضاب.
ولما ذهب الخليفة إلى راحته اتكأت على سريري «عنجريبي»، فسألني خدمي عن الأخبار فكنت أطلب إليهم عدم محادثتي.
ثم أخذت أحدث نفسي قائلا: «وا أسفاه عليك يا والدتي! فإنني أنا الذي كنت سببا في لحظاتك السيئة الأخيرة.» وقد أخبرني إخوتي في خطابهم بآخر كلماتها التي كانت تفوه بها، فعلمت أنها كانت تقول:
إني على استعداد لملاقاة الخالق، إني على استعداد للموت، ولكني أرجو أن أرى وأقبل رودلف قبل أن تفيض روحي.
نامعلوم صفحہ