البداية والنهاية
(1) عودة إلى السدم
بينما كانت المجرات اليقظة تسعى إلى تحقيق الاستفادة الكاملة من المرحلة الأخيرة من صفاء وعيها، وبينما كنت - أنا العقل الكوني المعيب - أسعى إلى ذلك أيضا، بدأت أمر بتجربة جديدة وغريبة. بدا أنني كنت أتعثر تخاطريا بكائن أو كائنات من رتبة لم أستطع أن أفهمها في بداية الأمر.
افترضت في البداية أنني قد تواصلت عن غير قصد مع كائنات من الرتبة دون البشرية في العصر البدائي على أحد الكواكب الطبيعية؛ فربما تواصلت مع كائنات أميبية دقيقة دنيا تطفو في بحر أولي. لم أكن واعيا بأي شيء سوى مشاعر الشغف الصريحة للجسد؛ كالتلهف على امتصاص الطاقة الفيزيائية للحفاظ على الحياة، والتلهف على الحركة والتواصل، والتلهف على الحصول على الضوء والدفء.
رحت أدفع عني هذه الأشياء التافهة على عجل، غير أنها ظلت تطاردني وتصبح أكثر توغلا ووضوحا. وتدريجيا راحت تتحلى بعنفوان مادي شديد وثقة إلهية لم تتمتع بها أي من الأرواح على مر العصور منذ أن ظهرت النجوم.
لن أذكر المراحل التي عرفت من خلالها أخيرا معنى هذه التجربة. لقد اكتشفت تدريجيا أنني لم أتواصل مع كائنات دقيقة ولا حتى مع عقول عالمية أو نجمية أو مجرية، بل مع عقول السدم العظيمة قبل أن تتحلل مادتها إلى نجوم لتكون المجرات.
صرت الآن قادرا على تتبع تاريخها منذ أن تيقظت للمرة الأولى، حين كانت توجد على هيئة غيوم منفصلة من الغازات، تطير بعيدا بعضها عن بعض بعد فعل الخلق الانفجاري، حتى الوقت الذي سقطت فيه في الشيخوخة والموت حين ولدت حشود النجوم من مادتها.
في مرحلتها الأولى، حين كانت هي الغيوم الأقل كثافة من الناحية الفيزيائية، لم تكن عقليتها بأكثر من اشتهاء مبهم للحركة وإدراك فاتر للاحتقان الطفيف للغاية في مادتها الفارغة. شاهدتها وهي تتكثف إلى كرات متماسكة ذات معالم أكثر تحديدا ثم إلى أقراص عدسية الشكل تظهر عليها خطوط براقة وصدوع قاتمة. ومع تكثف هذه الكرات، اكتسب كل منها قدرا أكبر من الترابط، وصار تركيبها أكثر تناغما. وبالرغم من أن الاحتقان كان طفيفا للغاية، فقد جلب قدرا أكبر من التأثير المتبادل على ذراتها والتي لم تكن قد أصبحت متراصة مقارنة بحجمها كالنجوم الموجودة في الفضاء. كل سديم قد صار الآن تجمعا كبيرا من الإشعاع الخافت؛ نظاما واحدا من الموجات الشاملة النفاذ والتي تنتشر من ذرة إلى ذرة.
وعلى المستوى الذهني، بدأت هذه الوحوش العظيمة، هؤلاء الجبابرة الأميبيون، في أن تتيقظ الآن على حالة غامضة من وحدة الخبرة. وفقا للمعايير البشرية، بل حتى وفقا لمعايير العقول العالمية والنجمية، كانت خبرة السدم بطيئة الحركة على نحو لا يصدق؛ فنظرا لأحجامها العملاقة، وبطء مرور التموجات التي كانت ترتبط بوعيها من الناحية الفيزيائية، كانت تشعر بالألف عام كأنها لحظة فحسب. أما الفترات التي يدعوها البشر بالحقب البيولوجية، والتي تتضمن ظهور أنواع واندثار أخرى، فقد كانت تشعر بها مثلما نشعر نحن بالساعات.
كل من هذه السدم العظيمة كان يدرك وجود جسده العدسي الشكل على أنه كتلة واحدة محتشدة بالتيارات الوخازة. كل منها كان يشتهي استغلال قدراته الطبيعية، والتخلص من ضغط الطاقة الفيزيائية التي تتدفق داخله بهدوء، وكذلك التعبير الحر عن جميع قدراته في الحركة، وكان يشتهي أيضا شيئا أكثر من ذلك.
نامعلوم صفحہ