فتذكر عماد الدين الركب الذين رآهم قادمين في ذلك السهل فقال: «رأيت ركبا قادما إلى هذا الجبل منذ بضعة أيام لعله كان فيه؟»
قال: «نعم هو جاء في ركب. أعلم أني أسر إليك أمرا خطيرا.»
وخفض صوته، فقال عماد الدين: «علمت ذلك، ولكنني أستغرب قدوم هذا العدو ليلقي حياته بين يدي عدوه.»
قال: «ليس هو عدوا للشيخ، بل هو من أصدقائه وأخص أخصائه. تفارقا وهما صغيران قبل أن تصير المشيخة إلى مولانا راشد الدين. ولعلك تعلم أن مولانا هذا قبل أن صارت إليه الإمامة كان يقيم في مكان اسمه «عقر السدن» وخدم شيخ الإسماعيلية في «ألاموت» بالديلم، وتفقه على يده في العلم والدين، ثم انتقل إلى سوريا ونزل في حلب وأخذ يعظ ويعلم واشتهر بالتقوى، فتقاطر إليه الناس أفواجا. وكان يجلس على صخر ويعظهم وهو جامد كالصخر. وإنما سحر الناس ببيانه فكثر أصحابه ومريدوه. وكان شيخ الإسماعيلية يومئذ رجلا اسمه أبو محمد فخافه على منصبه وبعث إليه من يقتله فاختفى في كهف قرب حلب وما زال مختفيا حتى ضعف أمر أبي محمد فخلفه وانتقل إلى هذا المكان. هذه خلاصة سيرة مولانا. فضيف اليوم من أعز أصدقائه الذين جاهدوا في نصرته ورافقه إلى الكهف ثم شغل عنه بالأسفار. وعاد الآن في مهمة لا أعلم ما هي، فلاقاه مولانا أحسن ملاقاة واختلى به غير مرة لا أدري ما دار بينهما خلالها، لكن الشائع بين رجالنا أن مولانا فرح به كثيرا وأنه من أعز أصدقائه. ومع ذلك فإنه بعث إلي بالأمس سرا وأخبرني عن تقديره بسالتك حق قدرها، وسألني إذا كنت تليق بمهمة خطيرة، فأكدت له اقتدارك على ذلك وأنك راغب في مهمة يعهد فيها إليك. ولم أكن أحسب أنها داخل هذا الحصن. فرأيته أبدى اهتماما كثيرا ووضع في ثقة كبرى وأسر إلي بأنه يحب أن يتخلص من هذا الصديق القديم على يدك.»
وكان عماد الدين في أثناء حديث عبد الرحيم مصغيا يفكر في دهاء هذا الطاغية وكيف أنه عمد إلى الفتك بصديق قديم له؛ لأنه رأى بقاءه حجر عثرة في طريقه. فضعف اعتقاده بكرامته لأنه لا يعرف ولاية أو كرامة تأمر بخيانة الأصدقاء. وأخذ ظنه يتغير فيه. وأصبح يخافه على نفسه، ولكنه لم يجسر على التصريح به فقال: «الحقيقة أنها ثقة عظيمة في كلينا، ولكن هل أنت واثق أن الرجل المشار إليه كان من أصدقاء مولانا الشيخ؟»
قال: «إني على ثقة تامة. وقد يخطر لك أن تنتقد عمل الشيخ؛ لأنه عمد إلى قتل صديقه ولكنك ستحمد عمله بعد حين. فالآن.»
فقطع كلامه قائلا: «ربما كان مصيبا بعمله من حيث دفاعه عن سلطته فأعذره عليه. لكنني أصبحت منذ الآن أخاف على حياتي وحياتك.» قال ذلك بلحن التصريح عما في الضمير ولو تحت الخطر.
ووافق ذلك التصريح هوى في نفس عبد الرحيم، فابتسم ابتسامة المصادقة وقال: «لا ألومك على هذا الشك؛ لأنه خطر لي أيضا. وهناك أمور ظهرت لي بعد انتظامي في سلك المستنيرين، ربما سنحت الفرصة لبيانها. وأما الآن فالمطلوب أن تعلم المهمة التي سيعقد فيها إليك ، فلا تتردد في قبولها، وسترى أني ناصح لك.»
الفصل العاشر
مقتل أبي الحسن
نامعلوم صفحہ