فقلت بذلك أعمال الصعلكة.
وليست الأعمال الاشتراكية التي تقوم بها إنجلترا وأمريكا اليوم إلا عملا منظما من أعمال الصعلكة، تجمع المال الكثير من الأغنياء، ثم تصرفه فيما ينفع الجميع من بناء مستشفيات وملاجئ ومدارس مما اقتضاه العقل الحديث في التنظيم.
فهي فكرة صعلكة متبلورة.
ومن حين لآخر كانت تظهر في الإسلام حركات تشبه حركات الصعلكة. كالذي فعله أبو ذر الغفاري في الشام إذ نادى بالمساواة. وأنذر الذين يكنزون الذهب والفضة بالعذاب فتلا قوله تعالى:
والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
وألب الناس على معاوية حتى شكاه لعثمان فنفاه عثمان إلى الربذة.
وكالذي قبض على عنق قريب للرشيد إذ كان دخله اليومي مائة ألف درهم في اليوم وقال له: إني لا أجد نصف درهم في اليوم أقتات به، وأنت تقبض مائة ألف لا تدري كيف تصرفها.
وكان لهؤلاء الصعاليك فضيلة، وهي أنهم كانوا يأخذون ما يأخذون في عزة نفس وإباء وشمم، علما منهم بأن هذا حق من حقوقهم، لا إحسان يصيبهم، ثم لا يستأثرون بما يأخذون، بل يؤثرون به من كان بهم خصاصة، ولو أنصف العرب لاستولوا على هاتين الفكرتين ونظموهما وفلسفوهما، وجعلوا منهما مؤسسات تؤدي أغراضهما، ولكن مع الأسف تركوهما فوضى، لا يخضعان لترتيب ولا نظام.
لقد وزعت المدنية الحديثة فكرتي الفتوة والصعلكة على مؤسسات عجيبة، فمثلا أخذت من الفتوة نجدتها، ومعونتها فوضعتها في نظام أطلقت عليه الكشاف، وجعلت للإحسان نظاما خاصا حتى لا يعطى المال لمن لا يستحقه. ولم تكتف بالمال يصرف على الفقراء، بل أنشأت المستشفيات والمدارس والجامعات، وأوجدت هيئات توجب عملا لأهل البطالة وهيئات أخرى للتدخل في النزاعات التي تقوم بين العمال وأصحاب رءوس الأموال إلى غير ذلك.
ونظمت الصعلكة بضرب الضرائب، وزيادة الجمارك على الكماليات ونقصها على الحاجيات إلى غير ذلك، وكلها داخلة في مفهوم الفتوة والصعلكة.
نامعلوم صفحہ