وإلا فإن المرء لو سلم بأن الله يفعل ما يناقض قوانين الطبيعة، لاضطر إلى أن يسلم بأنه يفعل ما يناقض طبيعته الخاصة، وهذا ممتنع كل الامتناع، ويمكننا أن نبرهن أيضا على ذلك بسهولة، بقولنا: إن قدرة الطبيعة هي نفسها قدرة الله وصفته المميزة، وأن قدرة الله هي ذاتها ماهيته، ولكني أفضل ألا أتعرض لهذا الموضوع الآن؛ إذ لا يحدث شيء في الطبيعة
2 ⋆
مناقض لقوانينها العامة، أو حتى لا يتفق مع هذه القوانين أو لا يصدر عنها بوصفه نتيجة لها. إن كل ما يحدث يحدث حقيقة بإرادة الله وبأمره الأزلي، أي إنه لا يحدث شيء، كما بينا من قبل، إلا وفقا لقوانين وقواعد تتضمن ضرورة أزلية. فالطبيعة إذن تسير دائما وفقا لقوانين قواعد تنطوي على ضرورة وحقيقة أزليتين، وإن لم نكن نعرفها كلها، وبالتالي فهي تتبع نظاما ثابتا لا يتغير. وليس هناك سبب معقول يدعو لأن ننسب إلى الطبيعة قوة وقدرة محدودة، أو أن نعتقد بأن قوانينها لا تنطبق إلا على أشياء معينة فقط، لا على كل الأشياء، ذلك أنه لما كانت قوة الطبيعة وقدرتها هي قوة الله وقدرته، وكانت قوانين الطبيعة وقواعدها هي أوامر الله ذاتها، فمن الواجب أن نعتقد بلا تردد بأن قدرة الطبيعة لا نهائية، وأن قوانينها من الاتساع بحيث تسري على كل ما يتصوره العقل الإلهي، أما لو تصورنا غير ذلك، لكان في ذلك اعتراف منا بأن الله قد خلق طبيعة عاجزة وسن قوانين وقواعد عقيمة إلى حد يضطر معه دائما إلى مساعدتها لكي تظل باقية، وتظل الأشياء تسير حسب رغبته. وإني لأرى أن اعتقادا كهذا مناقض للعقل تماما. ويترتب على هذه المبادئ القائلة بأن لا شيء يحدث في الطبيعة إلا واتبع قوانينها، وأن هذه القوانين تسري على كل ما يتصوره العقل الإلهي، وأن للطبيعة نظاما ثابتا لا يتغير؛
3
يترتب على هذه المبادئ بوضوح تام أن لفظ المعجزة لا يمكن أن يفهم إلا في صلته بآراء الناس، ويعني مجرد عمل لا نستطيع أن نبين علته قياسا على شيء آخر معروف، أو هو على الأقل عمل لا يمكن لراوي المعجزة أن يفسره. وأستطيع أن أقول حقيقة: إن المعجزة حادثة لا نستطيع أن نبين علتها اعتمادا على مبادئ الأشياء الطبيعية كما ندركها بالنور الفطري. ومع ذلك لما كانت المعجزات قد أجريت على مستوى فهم العامة الذين يجهلون مبادئ الأشياء الطبيعية جهلا تاما، فمن المؤكد أن القدماء قد أدخلوا في باب المعجزات كل ما لم يستطيعوا تفسيره بالوسيلة التي اعتاد العامة الالتجاء إليها لتفسير الأشياء الطبيعية، أي بالالتجاء إلى الذاكرة لتذكر حالة مشابهة يتصورنها عادة دون دهشة؛ إذ يظن العامة أنهم يعرفون جيدا ما يرونه دون أن تعتريهم الدهشة. وإذن فلم يكن لدى القدماء وعند البشر جميعا، على وجه التقريب، حتى العصر الحاضر، أية قاعدة أخرى يمكن تطبيقها على المعجزات؛ ومن ثم لا نشك في أن الكتب المقدسة قد روت كثيرا من الوقائع التي يقال عنها معجزات، ويمكن دون عناء تعيين علتها بالمبادئ المعروفة للأشياء الطبيعية، وهذا ما أشرنا إليه من قبل في الفصل الثاني عندما تحدثنا عن توقف حركة الشمس في زمن يشوع ونكوصها في زمن أحآز.
4
ولكننا سنطيل الحديث في هذا الموضوع بعد قليل؛ نظرا إلى أننا قد وعدنا بالحديث في هذا الفصل عن تفسير المعجزات.
والآن حان الوقت لكي ننتقل إلى القضية الثانية، وهي أنه لا يمكن معرفة ماهية الله أو وجوده أو عنايته
5
عن طريق المعجزات، بل إننا، على العكس من ذلك، نستطيع أن ندرك ذلك كله بطريقة أوضح عن طريق نظام الطبيعة الثابت الذي لا يتغير. وللبرهنة على ذلك سأتبع الطريقة الآتية: لما كان وجود الله غير معروف بذاته،
نامعلوم صفحہ