روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن

روض البيان على فيض المنان في الرد على من ادعى قدم القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحہ 37

المقدمة ... سبحانك يا من تفرد بالتنزيه ، وتعالى عن النظير (¬1) والشبيه ، واتصف بالكمال الذاتى فلا مكان يحويه ، ولا زمان يوجد فيه ، وجب له الوجود والقدم ، واستحال عليه الفناء والعدم ، قضى على جميع ما سواه بالحدوث وحكم ، ننزهك تنزيه من عرف حق الربوية ، واعترف بالعجز والعبودية ، ونصلي ونسلم علة مهبط وحيك ، ومبلغ أمرك ونهيك ، وعلى من اخترتهم له أصحابا فكانوا له من أعدائه كنفا (¬2) وحجابا على من دعا إلى ما دعوا إليه ، ودرج على ما درجوا عليه ، ما اضمحلت شبهة عن الأذهان ، وما قام ببيان الحق برهان .

أما بعد :

فإن الله تعالى قد من علينا بعقول نفهم بها معاني خطابه ، ونفقه بها أحكام كتابه ، وقد قال عز شأنه وجل (¬3) سلطانه (( ليس كمثله شئ )) (¬4) و (( خالق كل شئ )) (¬5) ، وقد أطبقت الأمة قبل ظهور المخالف ، على أن المراد من الآيتين ظاهرهما ، ثم نقضت المشبهة (¬6) أولاهما، والمعتزلة أخراهما، ونقضت الحنابلة (¬7) في ادعائهم قدم القرآن وعدم خلقه كلتيهما .

صفحہ 38

فأما نقضهم للآية الأولى، فلأن القدم مختص به المولى ، وبجعلهم قديما سواه فوصفوا غير الإله بصفة يختص بها الإله، وأما نقضهم للآية الأخرى فلأخراجهم عن الخلق بعض المخلوقات كما ترى، حتى غلا بعضهم في المين (¬1) ،وزعم الجلد والغلافة قديمين .

أما غير الحنابلة ، فقد اتفقوا على خلق ما بين الدفتين، لكن جعلته الأشاعرة (¬2) ترجمانا عن معنى قائم بالذات، زعموا أنه في حقيقة القرآن ، وأن ما بين الدفتين عبارات عنه ، فلزمهم إنكار إنزال القرآن ، ودعوى قديم ثان هو أحد المعاني ، ولما كان مذهب الأصحاب (¬3) - رحمهم الله تعالى - أن صفات الذات هي عين الذات لا غيرها وإن جميع ما عدا الخالق فهو مخلوق ، علمنا يقينا مخالفتهم لما عليه الحنابلة من دعوى قدم القرآن ، ولما عليه الأشعرية من أنه عبارات عن معنى ثان وأنه ليس هو حقيقة القرآن ، فتحصل من مذهبهم ان ما بين الدفتين هو القرآن ، وأنه ليس مع الله قديم ثان لا من الذوات ولامن المعاني ، بهذا صرح المغاربة (¬4) -رحمهم الله تعالى - وبعض المشارقة (¬5) -رضي الله عنهم- وقد قسموا الكلام الإلهي إلى : كلام ذاتي وفعلي . فالذاتي : هو عبارة عن نفي الخرس عنه تعالى ، والفعلي : هو الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن .

صفحہ 39

لكن بعض العوام ممن يحجر عليهم الكلام في هذا المقام ، قد اختلط عليهم الكلام بالكلام ، فقرروا البراهين على قدم الكلام الذاتي ، وأدخلوا في حكمه جهلا الكلام الفعلي .

وشنعوا على القول بخلاف ما ذهبوا إليه ، ونظمت في ذلك نونية نسبت إلى ابن النظر - حاشاه عن ذلك - فإن مذهبه (¬1) رحمه الله تعالى معلوم ، حيث نفى الكلام الذاتي رأسا بقوله :

وأما كلام الله فهو كتابه كذلك قال الله للطاهر الشيم (¬2) (¬3)

... وحيث صرح بأن الجعل المسند إلى الله عز وجل خلق كله بقوله :

قال : فالجعل هو الخلق ، أم الجعل شيء غيره فيما ذكر

قلت : جعل الله خلق كله ومن الناس مقال اشتهر (¬4)

... وقد أشار أبو القاسم البرادي (¬5) عند شرحه هذه الأبيات (¬6) إلى إنكار تلك النونية عن هذا الإمام حيث قال ما نصه :

((

صفحہ 40

قال المؤلف : فيا سبحان الله العظيم من هذا الرجل - مع حذقه وفضله - كيف نقض هذه القاعدة (¬1) التي وضعها ها هنا ، وجعلها هنا أسا وأصلا يعتمد عليه ، واحتج بها على القدري وناظره بها وتأول إليها قوله تعالى { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } (¬2) وقال : (( قلت : جعل الله خلق كله )) ثم خالف إلى غيرها في القصيدة النونية أيكون مثله يطرأ (¬3) عليه هذا التناقض ؟ فلعل القصيدة النونيه كتبت عليه ودست في كتابه ، والله أعلم )) .

صفحہ 41

هذا كلامه هنا ، ولم أقف على شرحه لتلك النونية لتعذر وجوده ، لكن أخبرني شيخنا الهاشمي (¬1) - رحمة الله - وقد وقف عليه بأن هذا الشارح قد أنكر نسبة هذه النونية إلى هذا الإمام من طريق آخر هو اختلاف لهجة نظمها عن لهجة نظمه وقال فيه : (( إنها شعر فصيح لا شعر عالم )) . وساق هنالك مراثي يسدل بها على الفرق بين شعر الشاعر وشعر العالم وشعر الفصيح ، وقد صدرت منا في انكار نسبتها إليه رسائل (¬2) - جعلها الله إلى رضوانه من أعظم الوسائل - ثم أن شيخنا وأخانا سعيد بن حمد الراشدي أسعده الله وحمد صنيعه قد تكفل لنا برد شبهة (¬3) تلك النونية حيث عرضها (¬4) بنونية أخرى - جعل الله بسببها حسنة في الدنيا وحسنة في الأخرى - وقد سماها : (( فيض المنان على من ادعى قدم القرآن )) وقد كنت وعدت بشرحها في غير موضع ، وها أنا شارع في تمام ما به وعدت ومن الله أستمد العون على إتمام ما قصدت وأسأله (¬5) أن يجعله خالصا لوجهه الكريم فهو حسبي ونعم الوكيل .

قال المصنف مستعينا بالبسملة ومتبركا بها :

بداية المنظومة

بسم الله الرحمن الرحيم

1- أنكرت جهلا فطرة القرآن وجعلت كالمولى قديما ثان

... أي جحدت يا هذا الناظم بسبب عدم علمك بالتحقيقات الكلامية خلق القرآن المنزل للإعجاز على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، المنقول عنه تواترا، المتحدى بأقصر سورة منه . وسميت قديما غيرنا صرنا وخالقنا تعالى، فكان يلزم على قولك هذا، أن يكون مع الله قديم ثان، وهو باطل لما سنأتي به من الأدلة .

صفحہ 42

للمخاطب المذكور (¬1) ، فهو ناظم تلك النونية أو لكل مخاطب أنكر خلق القرآن، فالخطاب حينئذ للشمول على حد قوله تعالى { ولو ترى إذ وقفوا على النار } (¬2) ، لأنه لم يرد مخاطبا بعينه .

وجهلا : مفعول لأجله أو مصدر ، وقع موقع الحال على حد خرج زيد بغتة ، والجهل نوعان : بسيط ومركب ، فالبسيط : عدم العلم بالشيء مما من شأنه العلم به (¬3) .والمركب : اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وعليه قول القائل :

ومن عجب الأيام أنك جاهل وأنك لا تدري بأنك لا تدري (¬4)

... وفطرة القرآن : خلقه ومنه قوله تعالى { فاطر السموات والأرض } (¬5) ، والقرآن هو النظم المنزل على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، المنقول عنه تواترا ، المتحدى بأقصر سورة منه ، وفي حكمه التوراة والإنجيل والزبور والصحف ، بل وجميع الكتب السماوية ، لاشتراكها في موجب الخلق ، وهو كونها كلاما فعليا له تعالى .

صفحہ 43

وسمي القرآن قرآنا، لاقتران سوره بعضها ببعض . وقيل : لاقترانه بالحكمة ، وسمي فرقانا ، قال أبو عبيدة (¬1) : لأنه يفرق بين الحق والباطل ، والمؤمن الكافر ، وقال ابن عباس : لأنه مخرج من الشبهات .

وقد اشتمل القرآن القرآن على تسعة أشياء ، جمعها بعضهم بقوله :

ألا إنما القرآن تسعة أحرف سأنبيكها في بيت شعر بلا خلل

حلال حرام محكم متشابه بشير نذير قصة عظة مثل

وجعلت : أي سميت - على حد قوله تعالى - { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا } (¬2) أي سموهم إناثا ز

كالمولى : أي مثل تسميتك للمولى ، أي الناصر لأوليائه والمراد به الرب (¬3) عز وجل .

وقديما : مفعول لجعلت التي هي بمعنى سميت، والقديم هو مالا أول له، فيختص بالمولى - عز وجل - ووصف غيره به كفر بين، لما فيه من القول بتعدد القدماء، محال عقلا لما سيأتي . فجعل القرآن قديما محال عقلا، فهو من أقوم البراهين على خلق القرآن ، فلذا جعلها المصنف له أساسا لأنها تبطل نقيض مذهبه رأسا .

قضية خلق القرآن عند المشارقة

صفحہ 44

فتذكروا في القرآن ، فقال محمد بن محبوب (¬2) : أنا أقول أن القرآن مخلوق . فغضب محمد بن هاشم (¬3) وقال : أنا أخرج من عمان ولا أقيم بها ، فظن محمد بن محبوب أنه إنما يعرض به فقال : بل أنا أولى بالخروج من عمان لأني فيها غريب ، فخرج محمد بن هاشم من البيت وهو يقول : ليت أني مت قبل اليوم ، ثم تفرقوا ، ثم اجتمعوا بعد ذلك ، فرجع محمد بن محبوب عن قوله ، واجتمع قولهم على أن الله خلق كل شيء ، وما سوى الله مخلوق. وأن القرآن كلام الله وكتابه ووحيه وتنزيله على محمد - صلى الله عليه وسلم - .

صفحہ 45

وأنت خبير بأن هذا لم يكن رجوعا من ابن محبوب عن القول بخلق القرآن ، بل هو عين ما قال به أولا ، وإنما كان (¬1) التسليم من محمد بن هاشم لقول ابن محبوب حين سلم ، أن الله خالق كل شيء ولا شك أن القرآن شيء (¬2) وحين سلم أن ما سوى الله (¬3) فهو مخلوق .

ولا شك أن القرآن شيء سوى الله أي غيره ، وحين سلم أنه وحي وتنزيل ، ولا شك أن الموصوف بهاتين الصفتين حادث قطعا لما يلزم المتصف بهما أو بشيء منهما من الانتقال من جهة إلى جهة أخرى، والمنتقل حادث قطعا .

أما ما روي عنهم أنهم أمروا بعد ذلك الإمام المهنا (¬4) بالشد (¬5) على من قال بخلق القرآن، فيحتمل أن يكون الآمر هو غير ابن محبوب ، لأن الراوي لم يقل : ((فأمروا جميعا)) (¬6)

وأما ما روي عن محمد بن محبوب - رحمه الله - مما نصه : (( لا يقال أن أسماء الله محدثه، ولكنها لم تزل له ، ولا يقال أنها هي هو ولا هي غيره ولا شيء منه ، لأنه غير محدود ولا يتبعض (¬7) ، تبارك وتعالى )) . ونقول : أن القرآن كلام الله ، ولا نقول : أنه هو ، ولا شئ منه ، ولا مخلوق ولكنه وحيه وكتابه وتنزيله على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والقرآن هو من علم الله ، وعلمه لم يزل ، وهو غير محدث ، والقرآن كلام الله ، والله تعالى لم يزل متكلما ، ومن حد صفات الله كمن حد الله .

صفحہ 46