وذهبنا، وكانت المسرحية القائمة تلك الليلة هي «كرسي الاعتراف». لم أكن قد شهدت قبل ذلك في حياتي مسرحا، ولا عرفت كيف يكون! كنت أسمع عن دنيا المسارح، لكني كنت أحسبها بديهية من بديهيات الرياضة أنها لم تخلق لي ولا خلقت لها، أما وقد ذهبنا، وأما وقد رأيت ما رأيت، فلست أدري بأي لغة أستطيع أن أصور لك الهزة العميقة العميقة العميقة التي اهتزت بها نفسي لما رأيت؛ فكل ما رأيته جديد، وكل ما سمعته جديد، وعدت إلى داري ذلك المساء لأحلم بما قد رأيت وسمعت، والحق أنه كان فتحا جديدا في حياتي، لا لأن المسرحية والتمثيل يستحقان كل هذا الثناء؛ فأنا لم أكن ليلتها على أدنى درجة من العلم بدنيا المسرح؛ فقد تكون تلك المسرحية جيدة وقد لا تكون، وقد يكون الممثلون أجادوا أو لم يجيدوا، لم يكن ذلك هو مدار انتباهي، بل كان المدار هو هذه الدنيا الجديدة نفسها حين انكشف عنها الستار. •••
نهض الأحدب واقفا بغير تمهيد، ودون أن تبدو على وجهه معالم الضجر المألوفة عنده حين يضيق صدره، قال: لماذا لا نخرج في الهواء الطلق ساعة أو ساعتين، وقد نكمل الحديث هناك؟ - أنت وما تريد.
وخرجنا معا، وكأني بالأحدب قد استقام ظهره بعض الشيء، لكنني لم أمعن النظر حتى لا أعكر عليه الصفو الذي هو فيه، وسرنا في الطريق لا يبدو على سيرنا أنه هادف إلى مكان بعينه؛ فلم أكن من ناحيتي أريد التدخل، وتركت له القياد، قانعا بأن يكون الحديث بيننا في أثناء الطريق مسترسلا في مجراه الطبيعي الهادئ، على أنني ما لبثت أن تبينت خطة سيره؛ إذ أراد لنا الجلوس في مكان يقع على النيل في مكان قصي شمالي القاهرة، كثيرا ما مررت به وسألت نفسي: ترى أي مجنون تحدثه نفسه بالجلوس في هذا المكان البعيد عن كل عمران، ومع ذلك فلا بد أن يكون له زائرون وإلا لأغلق صاحب المكان أبوابه وانصرف إلى سواه.
جلسنا هناك وكنا وحدنا؛ فقد يكون زبائن مكان كهذا من ذوي المزاج الشاذ الذين إذا اختار سائر الناس ساعات النهار اختاروا هم ساعات الليل، ولم نكد نستوي على مقاعدنا ونطلب شراب الليمون، حتى حركت في صديقي شهوة الحديث فيما كان بصدده ونحن في غرفة مسكنه.
قال: الذكريات حلوة حتى وإن كانت في حينها مصدرا للمرارة والألم، وإن حياتنا في تلك السنوات الأربع التي قضيناها - أخي وأنا - في مدرسة المعلمين العليا، لهي في الحق حياة لم تخل من ضنك وضيق، لكننا برغم ذلك لم نكن نحس مما نحن فيه إلا بالحيوية الدافقة تدفعنا إلى العب من ثقافة أيامنا عبا ليمتلئ الإناء! كنا نجمع كل ما كان يخرجه أعلام الفكر والأدب من كتب خلال العام الدراسي لنجعله زادنا في أثناء إجازة الصيف، على أن كل ما كانت تخرجه المطابع عندئذ خلال العام كله لم يكن ليجاوز أصابع اليدين، ولم تكن أثمان الكتب بحيث نعجز عن الشراء.
كان أحمد حسن الزيات قبيل ذلك الزمن بقليل، قد أخرج كتابيه المترجمين: «آلام فيرتر» لجيته، و«رفائيل» للامارتين، فكم مرة تظنني قد قرأت هذين الكتابين؟ لو قلت إنني قرأتهما على الأقل ثلاث مرات متوالية لما بالغت؛ لأن لغة الترجمة سحرتني إلى حد الفتنة! وإن لم تكن هي فتنة المسحور، فماذا تسمي هذا السلوك الآتي: أردت أن أكتب خطابا إلى أبي، وكان لم يزل في منصبه في حكومة السودان بالخرطوم، وكنت قد عدت من إجازة قصيرة قضيتها معه هناك، وكان طريق السفر تتخلله مرحلة بالسفينة البخارية فيما بين أسوان ووادي حلفا، وفي هذه المرحلة النهرية كان يحدث للسفينة أن تقف بركابها عند أبي سمبل، ليستطيع من أراد أن يزور ذلك المعبد القديم المنحوت في حجر الجبل، فلما أردت الكتابة إلى أبي بعد عودتي إلى القاهرة، أغرتني صفحات جميلة في «رفائيل» يتحدث فيها الكاتب عن معبد قديم، فانتحلتها لنفسي وكتبتها خطابا مستفيضا لأبي، دون أن أذكر له شيئا عن حقيقة ما كتبت، لأدهمه بأنني صاحب هذا الإبداع، ومن الفتنة نسيت أن أضع في الخطاب - لا في أوله ولا في آخره - التحية المألوفة في الخطابات يرسلها ابن إلى أبيه فأرسل إلي يعاتبني على إهمال تحيته في الخطاب، ولم يذكر لي شيئا عما ورد في الصفحات الطوال التي نسختها وبعثت بها إليه.
فتنت بأسلوب الزيات يومها، فلا هو الأسلوب الذي يفوح بالقدم لما يرد فيه من لفظ غريب وسجع أغرب، ولا هو الأسلوب الذي يخلو من العناية باختيار اللفظ وبصقل العبارة صقلا يعطيك شيئا من التوازن بين أجزائها؟ نعم كانت كتب المنفلوطي هي الأخرى أمرا يشبه أن يكون واجب الأداء؛ فليس قارئا بين الشباب من لم يقرأ «العبرات» و«النظرات» للمنفلوطي، ولكن كان شائعا بين هؤلاء الشباب من الكاتبين أن يستخدموا كثيرا من «لوازم» المنفلوطي في التعبير. ولست أقول: إني نجوت من هذه العدوى، لكنني أقول: إنني أضفت إلى ذلك ما لم يضفه كثيرون غيري، وهو الإعجاب بأسلوب الزيات إعجابا تمنيت أن يكون له أثر عندي وصدى.
وكانت «للمطالعات» و«المراجعات» وغيرهما مما أخرجه العقاد في ذلك الحين أو قبله بقليل، أثر في عقولنا أكثر منه أثرا في قلوبنا أو في أسلوبنا! فعند العقاد وجدنا زادا فكريا غزيرا، لقطناه ووعيناه ورددناه في أحاديثنا إلى حد الإسراف؛ فمن ذلك مثلا أننا حين عرفنا فكرة العقاد عن الجمال بأنه هو الحرية؛ بمعنى أن الشيء يكون جميلا بمقدار ما يتغلب على القيود وينساب في حركة سهلة، كالنهر الجاري بالقياس إلى الماء الآسن، وكالبدن الراقص بالقياس إلى البدن الثقيل البطيء، وكالزهرة الطبيعية التي تشف عما يجري في أوراقها من عصارة الحياة بالقياس إلى زهرة شبيهة بها صنعت من ورق ... وهكذا وهكذا؛ أقول: إننا حين عرفنا فكرة العقاد هذه في إرجاعه صفة الجمال في الشيء إلى ما يكون في ذلك الشيء من حرية الحركة وعفوية الحياة؛ ملكت علينا عقولنا إلى الحد الذي جعلنا - أخي وأنا - حين ذهبنا في إجازة الصيف إلى الريف، واعتدنا الجلوس أمام دكان لبقال كان يرحب بأمثالنا من طلبة العلم يجلسون للمناقشة أمام دكانه، يسمع منهم معجبا وهو صامت؛ إلا ذات مرة طرقنا نحن فيها فكرة العقاد في الجمال! ففي هذه الحالة لم يستطع البقال الريفي - وكان على شيء يسير جدا من العلم الأزهري - أن يمسك لسانه بالصمت، فتدخل في حديثنا ساخرا من هذا الكلام الفارغ الذي نقوله أو يقوله العقاد عن الجمال، ثم زعم لنفسه المعرفة العملية - لا النظرية - بالموضوع، وهي عنده معرفة ترجح ألف مرة ما ينقله القارئون من الكتب؛ فهو - كما قال متحمسا - متزوج من أربع زوجات، ولم يكن للعقاد زوجة واحدة؛ فمن حق أمثاله أن تكون لهم كلمة في طبيعة الجمال أكثر جدا مما يكون ذلك من حق رجل كالعقاد، أو من حق شباب مثلنا لم يكن لهم بدنيا النساء علم! قال ذلك جادا، فلئن كان الرجل عجيبا في انعراجه بالحديث إلى ما لم نكن نعنيه، فذلك مفهوم من رجل مثله لم يتسع أفقه لأمثال هذه الأفكار النظرية في علم الجمال؛ أقول: إن كان هذا الرجل عجيبا، فنحن كنا أعجب منه وأغرب؛ لأننا قابلنا جده بجد مثله، وأخذنا بكل الحرارة المشتعلة ندافع أمامه عن فكرة العقاد تلك، بأن الجمال كائن في الحرية من القيود والمعوقات مهما يكن نوع الشيء الجميل، ومهما تكن ضروب القيد والتعويق.
وكان سلامة موسى داعيا آخر من دواعي انشغالنا الفكري في تلك السنين، خصوصا حين نشر كتابه عن «الحرية» وكتابه عن «التطور». وسأقص عليك القصة الآتية: إنني حين قرأت كتاب «حرية الفكر» - وهذا هو عنوان الكتاب كاملا - وجدت فيه قصة الإمام ابن حنبل وما تعرض له من محنة يقشعر لها البدن لما فيها من قسوة فظيعة بالرجل، لمجرد أنه خالف رأي الخليفة المأمون في مسألة القرآن: أهو قديم أم حديث مخلوق؟ فالخليفة يريد للناس أن يقولوا عن القرآن إنه مخلوق، والإمام أحمد بن حنبل يصر على أنه قديم، فكان ما كان من تعذيب له حتى يغير رأيه، لكنه لم يغيره.
لم أكن قبل ذلك سمعت بهذه المشكلة الغريبة، ولم أفهم شيئا من هذين المصطلحين «مخلوق» و«قديم» بالنسبة للقرآن، فانتهزت فرصة في أول محاضرة في التاريخ الإسلامي - وكان هو مقررنا في التاريخ لذلك العام - وسألت الأستاذ المحاضر عن المشكلة وما أصلها وفصلها؟ وكان الأستاذ قد عاد لتوه من بعثته بإنجلترا، وكنا قد لاحظنا عليه نواحي كثيرة من ضعف الشخصية ومن الخصائص التي تبعث على الاستخفاف به والسخرية منه، حتى لسرعان ما أصبحت نوادره حديث مجالسنا، لكن لم يكن لأي شيء من ذلك دخل في جدية سؤالي، وفي جدية المأخذ الذي توقعت أن أجاب به، فما كان أشد دهشتي حين ثار الأستاذ ثورة صبيانية، وأمرني بالخروج من قاعة الدرس، وبينما كنا نتجادل في عنف دق الجرس، فأسرعت لأشكو إلى العميد هذا التصرف من الأستاذ، وخصوصا وقد قضى بحرماني من حضور محاضراته إلى آخر العام؛ فلكم دهشت مرة أخرى حين رأيت الأستاذ يجري جريا في فناء المدرسة ليصل إلى غرفة العميد قبل أن أصلها، ودخل هو وأمرت أنا بالانتظار، حتى إذا ما خرج سمح لي بالدخول، ولم أبدأ الحديث إلا وقد تلقيت اللعنات والشتائم، والأمر بألا أحضر محاضرات التاريخ الإسلامي إلى أن يأذن لي الأستاذ بذلك.
نامعلوم صفحہ