نهاية الإقدام في علم الكلام
نهاية الإقدام في علم الكلام
اصناف
ومدار المسئلة على أن الجسم عند المتكلم هو المركب من أجزاء متناهية وما تحصره النهايات والأطراف لا يشتمل على ما لا نهاية له وعند الفيلسوف الأجزاء إنما تحدث بالفعل في الجسم إما رضا وكسرا وإما بانتشاره وإما باختلاف عرضين وإما بالوهم والقوة والجسم مركب من هيولى وصورة لا من أجزاء متحيزة.
ودليل المتكلم في المسئلة أن المتناهي أطرافه وأضلاعه يستحيل أن يشتمل على منقسمات بلا نهاية فإن المحصور بالنهايات لا يكون حاصرا بما لا نهايات له وأيضا فإن الاتصال المحسوس في الجسم متناه بالحس والانفصال يستدعي سبق اتصال لا محالة فلو كان الجسم مما ينفصل عن النهاية فليكن فيه الاتصال غير النهاية فإن كان الانفصال بالفعل فيسبقه الاتصال بالفعل وإن كان الانفصال بالقوة والوهم فليكن فيه الاتصال بالقوة والوهم ثم اتصاله متناه قوة وفعلا فانفصاله يجب أن يكون كذلك وأيضا فإن المقدار الذي اشتمل عليه الجسم متناه معدود مقدور فلو نصف الجسم نصفين وكان أحد المقدارين يقبل التجزي إلى غير النهاية حتى يصير ذا مقادير بغير نهاية فيلزم أن يكون الأقل وهو النصف مثل الأكثر وهو الجملة ويلزم أن يكون فيما لا يتناهي من المقادير تفاوت الأقل والأكثر وكلاهما محال.
فإن قيل ما ذكرتموه صحيح في تقدير أجزاء الجسم بالفعل فإن الجسم المتناهي لا يشتمل على أجزاء بالفعل غير متناهية لكنا نقول هو يشتمل على أجزاء بالقوة غير متناهية فالمحصور في الفعل لا يحصر غير المتناهي بالفعل فلم لا يجوز أن يحصر غير المتناهي بالقوة وفيه النزاع قلنا ما قدرتموه بالقوة أيجوز في العقل أن يخرج إلى الفعل فإن لم يجز ظهرت الاستحالة وبقي الوهم المجرد الذي دل على خلافه برهان العقل وإن جاز خروجه إلى الفعل وقدرنا خروجه إلى الفعل لزم المحال الذي ذكرنا هذا كما يقال ما من جسم إلا ويمكن أن يتصل به جسم آخر بحيث لا يقف الوهم إلى حد ونهاية ثم لا يدل ذلك على أن جسما لا يتناهى متصور الوجود بل الاتصال في الجسم يجوز إلى حد لا ينتهي إلى هذا المحال وهو تصور جسم لا يتناهى وإن بقي الوهم في حال التقدير الوهمي وذلك مما يتمثل في الوهم من خلا خارج العالم فإنه يتوهم حدا ونهاية للعالم ثم يقدر فضاء وخلاء ينتهي به وإلا فيثبت خلاء فارغا وذلك خلاف العقل وبرهانه.
ويسلك إمام الحرمين في إثبات الجزء الفرد مسلكا آخر فقال نفرض الكلام في كرة حقيقية وبسيط حقيقي ونضرب بالكرة على البسيط أفيلاقيه أم لا فإن لاقاه أفيلاقيه بمنقسم أم لا فإن لاقاه بمنقسم فليست كرة بل هو بسيط وإن لاقاه بغير منقسم فذلك الجوهر الفرد ويمكن أن يطرد هذا البرهان أيضا في البسيط المتناهي بحده فإن الحد خط والخط طول لا عرض له فقد تناهى الجسم فإن كان الحد الذي يتناهى به منقسما لم يكن خطا وإن لم ينقسم عرضا وانقسم طولا فينقسم إلى نقط وهو أمر لا ينقسم وذلك هو الجزء الفرد عند المتكلم وعلى كل حال متناه فإنما يتناهى بأمر لا ينقسم سطحا وخطا ونقطة وإلا لم يكن نهاية.
فإن قيل السطح والخط والنقطة أعراض عندنا فالنقطة عرض الخط والخط عرض في السطح والسطح عرض في الجسم وما كان عرضا لا يقبل الوصف بالتجزئة والجوهر الفرد عندكم حجم له جثة ومساحة فلذلك لزمكم ما لا يلزمنا في إبعاده الثلاثة قلنا هب أنه أعراض قائمة بالجسم أليست هي أعراضا تنقسم بانقسام الجسم فإن النقطة على أصلكم شيء ما لا تنقسم والخط ينقسم طولا ولا ينقسم عرضا والسطح ينقسم طولا وعرضا ولا ينقسم عمقا والجسم ينقسم طولا وعرضا وعمقا وكما أن الأعراض تنقسم بانقسام المحل وتتحد باتحاد المحل ويتحد المحل باتحاده وكما أنكم سميتم هذه الأعراض نهايات الجسم كذلك الجوهر عندنا أطراف ونهايات وليست بذي أطراف كما سنبين.
صفحہ 177