نهاية الإقدام في علم الكلام
نهاية الإقدام في علم الكلام
اصناف
ومما يتصل بهذا الموضع الكلام في النسخ وأن هذه الشريعة ناسخة للشرائع كلها وهي أتمها وأكملها وأن محمدا المصطفى صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وبه نختم الكتاب.
قال بعض العلماء النسخ رفع الحكم بعد ثبوته وقال بعضهم النسخ تبيين انتهاء مدة الحكم وكأنه تخصيص بزمان وهو بظاهره كان شاملا لكل زمان وبالنسخ يتبين أنه لم يشمل الأوقات كلها وقالت اليهود النسخ رفع تكليف بعد توجهه على العباد وذلك لا يجوز في حق الباري تعالى فإنه يؤدي ذلك إلى البدا والندم على ما قال ولو أن واحدا منا أمر غلامه على كل حال أن يفعل فعلا ثم منعه من ذلك إما في الحال أو في ثاني الحال دل ذلك على أنه بدا له ذلك أي ظهر له أمر بخلاف ما تصور في الأول أو ندم بالقلب على تكليفه الأول وهاتان القضيتان مستحيلتان في حق من لا تخفى عليه ذرة في الأرض ولا في السماء ومن له الملك والملك والتصرف في عباده بما يشاء.
يقال لهم المستحيل على نوعين مستحيل لعينه كاجتماع السواد والبياض في محل واحد في حالة واحدة ولا شك أن رفع التكليف وحكم التكليف بعد ثبوته ليس من ذلك القبيل ومستحيل لما يفضي إلى المحال كخلاف المعلوم ولا محال ها هنا يفضي إليه النسخ إلا البدا والندم والبدا يطلق على معنيين أحدهما الظهور يقال بدا له الشيء إذا ظهر " وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون " وهذا لا يجوز على الله تعالى فإن المعلومات كلها ظاهرة لديه مكشوفة عنده والنسخ لا يؤدي إلى ذلك لأنه كان عالما بذلك التكليف عند توجهه على العبد وكان عالما برفعه عند النسخ فلم يظهر له أمر متجدد لم يعلمه ولا رفع الحكم لأنه ظهر له شيء آخر.
ويطلق البدا على الندم على ما كان والندم هو أن يقول قولا أو يفعل فعلا لغرض ثم يرى أن المصلحة في غير ما صدر عنه قولا وفعلا وهذا أيضا لا يجوز في وصف الباري تعالى فإنه لا يفعل فعلا لغرض وإذا فعل بخلاف ذلك لم يفعله لمصلحة وغرض آخر بل أقواله وأفعاله لا تعلل كما بينا قبل فلم يتصور في حقه الندم ولا أفضى النسخ إلى الندم فتعين القول بأن النسخ غير مستحيل عقلا ثم وقوعه شرعا من أدل الدليل على أنه غير مستحيل عقلا.
فنقول لا شك أن موسى عليه السلام تأخر وجودا عن آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب وجماعة من الأنبياء والأسباط عليهم السلام أهل كان جميع ما ورد به موسى مشروعا لهم أو منها ما كان مشروعا ومنها ما لم يكن مشروعا فإن كان كله مشروعا لهم فلم يرد موسى بشريعة أصلا بل قرر الشرائع الماضية وإن ورد بحكم واحد غير ما ثبت في شرعهم فقد تحقق أن الحكم الأول مرفوع بذلك الحكم أو قد انتهى مدة الحكم الأول وتجدد هذا الحكم فثبت النسخ وإن أنكروا ذلك فنكاح الأخوات في زمن آدم عليه السلام حتى قيل أنه استمر ذلك الحكم إلى زمن نوح مما يجب الاعتراف به ليتحقق النسل والذرية وتوبة عبدة العجل بقتل أنفسهم كان حكما لم يكن قبل ذلك وصار مرفوعا عن غيرهم في التوراة والختان في اليوم السابع من الولادة حكم لم يكن لنوح وغيره بل ترك الختان كان مشروعا لهم وأمر بذلك إبراهيم عليه السلام على الكبر وأطلق له أن لا يختتن إسماعيل في طفوليته حتى يصير مراهقا وحظر على موسى ترك الختان فوق سبعة أيام والتمسك بالسبت ما كان واجبا على الأنبياء قبل موسى عليه السلام ثم صار واجبا على موسى فما المستحيل أن يعود إلى ما كان مباحا وكذلك الصيد في يوم السبت وجميع الأفعال الدنياوية كان مباحا قبل موسى عليه السلام فصار محظورا على موسى والمواعدة من أدل الدلائل على النسخ إذ واعده الميقات ثلاثين ليلة ثم أتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وكذلك تلك التكاليف الشديدة على بني إسرائيل ما كانت واجبة على من قبلهم.
صفحہ 175