إذا كان الكريم قليل مال
تحجب بالحجاب عن الغريم
ومع الرقعة صرة فيها خمسمائة دينار، فتعجبت من سخائه مع قلة ما بيده، فقلت في نفسي: والله لأتحفن هارون الرشيد بهذا الخبر، فانطلقت حتى أتيت قصر الخلافة، فاستأذنت ودخلت فسلمت عليه بالخلافة، فلما رآني قال لي: من أين يا أصمعي؟ قلت: من عند رجل من أكرم الأحياء من بعد أمير المؤمنين، قال: ومن هو؟ فدفعت له الصرة وسردت عليه الخبر، فلما رأى الصرة قال: هذه من بيت مالي ولا بد لي من الرجل، فقلت: والله يا أمير المؤمنين إني أستحي أن أكون سبب روعه بإرسالك إليه، فقال: لا يغمك ذلك، ثم التفت إلى بعض خاصته وقال له امض مع الأصمعي، فإذا أراك دارا فادخل وقل لصاحبه: أجب أمير المؤمنين، وليكن دعاؤك له بلطافة من غير أن تزعجه، قال الأصمعي: فمضينا ودعونا الرجل فجاء ودخل على أمير المؤمنين وسلم بالخلافة، فقال له هارون الرشيد: ألست أنت الذي وقفت لنا بالأمس وشكوت لنا رقة حالك وقلت: إنك في ضيق شديد من الاحتياج فرحمناك ووهبنا لك هذه الصرة لتصلح بها حالك، وقد قصدك الأصمعي ببيت من الشعر فدفعتها له، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، والله ما كذبت فيما شكوته لأمير المؤمنين من رقة حالي وشدة احتياجي، ولكنني استحييت من الله تعالى أن أعيد قاصدي إلا كما أعادني أمير المؤمنين، فقال هارون الرشيد: لله در بطن أتاك فما ولدت العرب أكرم منك ، ثم بالغ بإكرامه وخلع عليه وجعله من خاصته.
والي البصرة والخيزران
لما ولي محمد بن سليمان البصرة أهدى إلى الخيزران مائة وصيف بيد كل وصيف جام من ذهب مملوءا مسكا، فقبلت ذلك وكتبت إليه وقالت: «عافاك الله إن كل ما وصل إلينا منك ثمن رأينا فيك فقد بخستنا بالقيمة وإن كان وزن ميلك إلينا فظننا فيك فوقه».
إكرام ثلاثة أصدقاء مخلصين بعضهم بعضا
نقل عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي وكنا في الصداقة كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة وقد حضر العيد، فقالت لي امرأتي: يا مولاي أما نحن فقد نصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد تقطع قلبي عليهم حزنا ورحمة لأنهم يرون صبيان جيراننا ومعارفنا وقد تزينوا في العيد وهم فرحون، فلا بأس إذا احتلنا في ما يمكننا أن نصرفه في كسوتهم، فرأيت كلامها صوابا وقد قطعت فؤادي من هذا الحديث، ففكرت في الحيلة وكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي بما يمكنه ويحضره، فوجه إلي كيسا فيه ألف درهم، فما استقر قراره حتى كتب لي صديقي الآخر يشكو إلي مثلما شكوت أنا إلى صديقي الهاشمي، فوجهت إليه بالكيس على حاله، وخرجت إلى المسجد وأنا مستحي من امرأتي، فلما دخلت عليها وقد علمت بما فعلت لم تعنفني، فبينما أنا كذلك إذ دخل علي صديقي الهاشمي ومعه الكيس وهو باق بختمه فقال: اصدقني عما فعلته بما وجهت به إليك، فأخبرته بالحكاية على حقيقتها، فقال: إنك أرسلت تطلب مني التوسعة وأنا والله ثم والله لا أملك شيئا سوى هذا الكيس الذي بعثت به إليك، ثم إني بعدما أرسلته لك كتبت إلي صديقنا أسأله المواساة إن كان يمكنه فوجه إلي الكيس بذاته وهو بختمي وها أنا ذا أتيت به إليك، وبحيث إننا كلنا في ضيق ولا يوجد عند أحدنا غير هذا الكيس فهلم نقتسمه، ثم إنه فتحه وأخرج منه مائة درهم للمرأة وفرق علي كل منا أنا وصديقي ثلاثمائة ألف درهم وأخذ هو مثلنا ثلاثمائة، وبلغ المأمون ذلك فأرسل استدعاني وسألني عن القضية فشرحتها له كما هي، فاستدعى صديقي وأمر لكل منا بألفي دينار ولامرأتي بألف دينار.
قيل في إسحاق بن عبد الرحمن
كان في بغداد رجل من أهل السخاء رفيع القدر رقيق الجانب قال فيه أحد الشعراء:
نفى الجوع من بغداد إسحاق ذو الندى
نامعلوم صفحہ