أما السبب المحتمل الثاني لمعارضة الفلسفة العلمية فهو الرأي القائل إن الفيلسوف العلمي لا يفهم الجانب الانفعالي للحياة، وأن التحليل المنطقي بسلب الفلسفة دلالتها الانفعالية. فكم من دارس للفلسفة يقبل على محاضرات الفلسفة بحثا عن المواعظ والإرشادات، ويقرأ أفلاطون مثلما يقرأ الإنجيل أو شكسبير، ويشعر بخيبة الأمل حين يضطر، في درس للفلسفة، إلى سماع عرض للمنطق الرمزي أو نظرية النسبية. وكل ما أستطيع أن أقوله إزاء هذا الموقف هو أن على من يريدون مواعظ وإرشادات أن يحضروا دروسا في الإنجيل أو شكسبير، وليس لهم أن يتوقعوا الاهتداء إليها في مكان لا مجال لها فيه. إن الفيلسوف العلمي لا يود أن يقلل من قيمة الانفعالات، ولا يود أن يعيش بدونها، وقد لا تقل حياته، من حيث ما فيها من مشاعر وأحاسيس، عن حياة أي أديب غير أنه يرفض الخلط بين الانفعال والمعرفة، ويحب أن يستنشق الهواء النقي للبصيرة والعمق المنطقي. وإذا جاز لي أن أستخدم تعبيرا أقرب إلى الأمور الواقعة، فإني أقول أن طعم التحليل المنطقي مشابه لطعم المحار، من حيث إن على الإنسان أن يتعلم كيف يحبه. ولكن مثلما أن ذلك الذي يأكل المحار يقبل عن طيب خاطر كأسا من النبيذ، فإن دارس المنطق ليس في حاجة إلى التخلي عن نبيذ التجارب الانفعالية الذي تقدمه الاهتمامات ذات الطابع الأبعد عن المنطق.
والحق أن القول بأن العقلية الرياضية والمنطقية لا تقدر قيمة الفن إنما هو أسطورة. ذلك لأن رياضيا مشهورا قد قام بطبع مؤلفات شاعر غنائي، وكثير من مشاهير علماء الفيزياء يعزفون على «الفيولينه» في ساعات فراغهم، وهناك عالم بيولوجي مشهور كان مصورا، وتتضح مواهبه الفنية في تصويره لملاحظاته المجهرية. إن الفن والعلم لا يستبعد كل منهما الآخر، ولكن من الواجب الامتناع عن التوحيد بينهما. فالقول أن «الحقيقة هي الجمال، والجمال هو الحقيقة.» هو تعبير جميل ، ولكنه لا يعبر عن حقيقة، وبذلك يكون فيه تفنيد لمضمونه ذاته.
وربما قيل إن الحجة التي أقدمها لا تمس صميم الموضوع. فقد يعترض على بأن الموقف الشخصي للفيلسوف العلمي ليس هو موضوع المناقشة، ولن ينكر أحد أن الفيلسوف العلمي قد يكون صاحب ذوق سليم، ومتفتحا للمشاعر، ولكن ما يعاب عليه هو أنه لا يعزو مكانا للفن والانفعال في مذهبه الفلسفي، أما الفلاسفة التأمليون فكانوا ينسبون للفن مكانة رفيعة؛ إذ يضعون الفن على قدم المساواة مع العلم والأخلاق. فالحق والخير والجمال كانوا في نظرهم التاج الثلاثي لكل ما يسعى الإنسان إليه ويصبو إلى بلوغه. أما تاج الفيلسوف العلمي فيبدو أنه لا ينطوي إلا على درة واحدة. فلماذا نبذ الأخريين؟
إن ردي على ذلك هو أن السبب ينحصر في أن العلاقة بين الحقيقة والجمال ليست مسألة تيجان أو شرف، فمسألة كيفية تصنيف الفنون هي مسألة منطقية، وبالتالي فهي مسألة متعلقة بالحقيقة. ولكن مسألة الطبيعة المنطقية للتقويمات هي التي لا ينبغي أن تقدم الإجابة عنها من خلال تقويمات. أما كون الإجابة ترضي رغباتنا الانفعالية أو لا ترضيها فهي مسألة خارجة عن الموضوع.
إن الفن تعبير انفعالي، أي إن الموضوعات الجمالية رموز تعبر عن حالات انفعالية. والفنان، فضلا عن الشخص الذي يتطلع إلى العمل الفني أو يستمع إليه يضفي معاني انفعالية على موضوعات فيزيائية تتألف من طلاء موزع على قماش أو أصوات تحدثها آلات موسيقية. فالتعبير الرمزي عن المعاني الانفعالية هدف طبيعي، أي إنه يمثل قيمة نصبو إلى الاستمتاع بها. والتقويم هو صفة عامة لأوجه النشاط الهادفة لدى الإنسان، ومن المستحب دراسة طبيعته المنطقية في أهم صورها، دون اقتصار على تحليل الفن وحده.
والواقع أن كل نشاط بشري يخدم، بمعنى ما، هدفا معينا، سواء أكان قوامه أداء عمل لازم لكسب العيش، أم حضور اجتماع سياسي يريد المرء عن طريقه أن يسهم في اتخاذ قرارات سياسية معينة، أم زيارة قاعة فنية يريد المرء أن يرى فيها صورا لمناظر طبيعية أو لأشخاص أو صورا تجريدية من خلال عين الفنان، أو أداء رقصة والاستمتاع بالتأثير الانفعالي للإيقاع والموسيقى. ومع ذلك، ففي كل أوجه النشاط هذه، تكون هناك لحظات يتعين فيها القيام باختيار، وفي هذه اللحظات يكشف السلوك عن تقويم. وليس من الضروري أن يذكر التقويم صراحة، أو أن يتم بالتفكير الواعي والمقارنة، بل إنه قد يتحقق في ذلك الدافع التلقائي الذي يدعو الإنسان إلى قراءة كتاب أو رؤية صديق أو حضور حفل موسيقى. ولكننا نعبر في القرار الذي نتخذه من تفضيلاتنا، وبذلك يدل سلوكنا على النظام التقويمي الذي يكون خلفية أفعالنا.
ويتولى عالم النفس مهمة الدراسة الواعية لهذا النظام التقويمي. فهو يعرف أن هذا النظام لا يكون واحدا في جميع الحالات، وأن التفضيلات تتفاوت تبعا للظروف الوقتية، وللبيئة، وللسن. وفي استطاعته أن يحاول إيجاد نوع من النظام المتوسط، الذي يستدل عليه من الدراسة الإحصائية للسلوك الهادف. كما أنه يستطيع الانتقال إلى تصنيف السلوك الهادف إلى أنواع متباينة. فهناك الميل الفسيولوجي للغذاء والجنس والراحة، وهناك الميل إلى الاعتراف الاجتماعي والنفوذ الاجتماعي، بل إلى السلطة الاجتماعية. وهناك الميل الخلاق الذي يدفع الإنسان إلى تأليف كتاب أو صنع سور لحديقته بنفسه. وهناك الرغبة في لعب كرة القدم أو في مشاهدة الآخرين وهم يلعبونها. وهناك الميل إلى التعبير الانفعالي الذي يتمثل في الاستماع إلى رباعية وترية أو التطلع إلى الألوان الزاهية للشفق. وهناك الميل إلى المعرفة، الذي نرضيه بقراءة الكتب العلمية أو القيام بتجارب علمية. على أن أي تصنيف كهذا لا بد أن يكون ناقصا، ولا بد أن يشوب النقص محاولات تكوين نظام منطقي محكم، نتيجة لتداخل مختلف الأهداف في كل سلوك.
ومع ذلك فهناك سمة مشتركة يمكن الاهتداء إليها في جميع ضروب النشاط الهادف. فاختيار هدف ليس فعلا يشابه إدراك الحقيقة. صحيح أن هذا الاختيار ينطوي على عناصر معرفية، مثلما يقتضي هدف كسب الرزق تحمل المتاعب المهنية، غير أن اختيار الهدف ليس فعلا منطقيا، وإنما هو تأكيد تلقائي للرغبات أو الإرادات التي تأتينا مصحوبة بميول لا تقهر، أو بلذة متوقعة طاغية، أو بالانسياب الطبيعي للعادات التي نقبلها على علاتها، فلا جدوى من أن نطلب إلى الفيلسوف تبرير التقويمات، كما أنه لا يستطيع أن يقدم سلما متدرجا للنظام التقويمي، نميز فيه بين القيم العليا والدنيا؛ ذلك لأن مثل هذا السلم هو في ذاته تقويمي لا معرفي. وقد يستطيع الفيلسوف، بوصفه رجلا مثقفا ذا خبرة، أن يقدم نصيحة قيمة يشأن التقويمات، أي أن يؤثر في الأشخاص الآخرين لكي يقبلوا سلمه التقويمي إلى حد أعظم أو أقل. غير أن المشتغلين بالمهن الأخرى قد لا يقلون عنه قدرة على أداء هذه الوظيفة التعليمية. بل إنهم لو كانوا مربين أو علماء نفس متخصصين، لكان من الجائز أن يكونوا أقدر منه على القيام بها.
إن الفيلسوف العلمي لا ينظر إلى مشكلات التقويم على أنها خارجة عن نطاق اهتمامه؛ إذ إنها تهمه بقدر ما تهم أي شخص آخر. غير أنه يعتقد أنها لا يمكن أن تحل بوسائل فلسفية. فهي تنتمي إلى علم النفس، ومن الواجب تقديم تحليلها المنطقي في سياق التحليل المنطقي للتصورات النفسية بوجه عام.
أما السبب المحتمل الثالث لمعارضة الفلسفة العلمية فهو أن نتائجها لا تؤدي إلى أي إرشاد أو توجيه أخلاقي. وكم من طالب تهرب من تعاليم الفلسفة العلمية خوفا من ذلك التمييز القاطع بين الأخلاق والعلم. أو بين الإرادة والمعرفة فقد كان فيلسوف الطراز القديم يقدم إليه نصائح توجهه في طريقة حياته. ويعده بأنه إذا درس الكتب الفلسفية دراسة كافية، فسوف يعرف ما هو خير وما هو شر. أما الفيلسوف العلمي فيقول له صراحة أنه إذا أراد أن يعرف كيف يحيا حياة طيبة فليس له أن ينتظر من تعاليمه شيئا.
نامعلوم صفحہ