كل الأشياء التي لا تنام في الطبيعة؛ الغدير المتسرب بين الأعشاب، والأعشاب نفسها، الأشجار الباسقة، وأوراقها المتحركة بحركة الحياة الدائمة، الصخور النامية من دقائق الأثير تحت جنح الليل كما بالنهار، كل الطبيعة التي لا تنام لأن إرادتها مقيدة بغير هذا العالم وحركتها مربوطة ما وراء المنظور في الأزل، كل منظور انتباهه كرقاده، هزته حركة خفية لدى ملامسة نور القمر له، فكأن ذلك النور يد الأم الساهرة، تمر بخفة وحنان على وجه الطفل الراقد.
كل موجود شعر بانبثاق نور الشمس الغائبة وراء مدار الأرض والمرسلة صورتها على مرآة القمر الصافي، ذلك الجرم المنطفئ، ذلك المظلم المنير، ولكن الحيوان بفرعيه الناطق والأعجم فقد بات كما هو ولم يتحرك؛ لم يشعر بنور القمر؛ لأنه قسم من الطبيعة، خرج منها وانفصل عنها، فهو نائم لرضوخ إرادته للضرورة.
أما الجماد فإنه لا ينام، نظامه متعلق بقوة خارجة عنه تديره كقلب صبية الكوخ الساهدة التي أصبحت حياتها في حياة كائن ينفصل عنها، وأضحت إرادتها مندغمة في إرادته، فهي ككل جماد الطبيعة لا تنام، هي كالزهرة التي تحيي الليل بأسره، تمتص جراثيمها خلاصة الأرض لتهدي عبيرها نسيم الصباح، وذلك النسيم يذبلها ويطرحها ميتة على التراب الذي تغذت منه.
مع الغدير الجاري على الحصباء، ومع النبات والجماد، شعرت الصبية بامتداد نور القمر على الأرض، وأول أشعة اخترقت النافذة الحقيرة كانت ميعاد خروجها لتحت القبة الزرقاء، فجلست على فراشها بتحذر، ونظرت إلى ما حولها، وإذ تأكدت استغراق الكل بالوسن قامت وفتحت الباب مندفعة إلى الخارج، ودمها يكاد أن يتفجر من صمامات فؤادها النابض بشدة، كأنه يريد الخروج من صدرها.
تقابل القمران وجها لوجه فارتعشت الأشجار كأنها تنحني أمام الجمالين؛ جمال الفتاة المستعير الإشراق من الجرم السماوي التائه في الفضاء، وجمال ذلك الكوكب الذي انعكست عليه آيات المحاسن الحية، وهي معلنة مجد الدائم على الزائل.
وهنالك تحت الصفصافة القديمة المدلية أغصانها على ماء الغدير كأنها تحنو عليه وهو يتململ متألما على الحصباء، هنالك على مرج نضر رصعته الأزاهر كالنجوم على الأطلس المستدير، هنالك كان فتى ... هو في عنفوان شبابه، جميل الطلعة، طويل القامة، ملتف بدثار رمادي طويل مشقوق من وسطه؛ حيث يغطي الكتفين، وينفرج عن عنق جمع القوة والجمال، وكان الشاب واقفا وأنظاره مصوبة نحو باب الكوخ كأنها كرة النار موجهة لافتتاح قلعة حصينة.
فتح الباب وظهرت الفتاة، فأسند الشاب قلبه بيده الشمال، وبيده اليمنى ألقى بالدثار على المرج، فظهر لعين الغادة بكل جمال الفتوة تحت نور القمر المتألق، وقد ارتفع عن الجبل كأنه يتملص من رءوس الأشجار ليشاهد مأساة هائلة جديدة، تمثلها الأهواء على ملعب الأرض الأبدي. - جميل! - سلمى! - نعم أنا ... أتيت؛ لأنني لا أريد الإخلاف بوعدي لك، رغما عن تعب النهار الذي أنهك قواي، لم يغمض لي جفن، وقد حملني الشوق إليك ... أحب لقاءك يا جميل؛ لأنني لا أشعر بالحياة إلا بقربك، ولكن شيئا خفيا لا أعلم ما هو يكاد أن يقعدني عن ملاقاتك كلما ضربت لي ميعادا، كلما فتحت الباب تحت جنح الليل وأنت تنتظرني هنا، أتبين من بعيد على نور النجوم القاتم قبة الكنيسة المرتفعة فوق كل القرية، كأنها تسود على ما أرى، كما يعلو الكاهن المذبح وهو أعلى من الشعب يقرأ في ذلك الكتاب الذي يوحي بالابتعاد عن كل قبيح ... - سلمى! ... دعي الأوهام بحق حبنا، وهو أقوى من الموت وأحر من النار، دعي الكنائس المرتفعة إلى عنان الجو؛ فإنها مبنية من تعب الفقير لتسخر به، دعي الكاهن فهو ضعيف العزم يفضل المتاجرة بالأوهام من أن يشتغل كباقي الناس، ويعيش منعتقا من ربقة الضلال الذي يأسر نفسه به ويأسر الناس.
وكان فم جميل لم يزل مفتوحا يريد أن يندفع بكلامه إلى حد بعيد، فمدت سلمى يدها إلى فمه وألقت أصابعها المحروقة على شفتيه الورديتين، وقالت: اسكت يا جميل وإلا أغلقت أذني عن سماع كلامك، لماذا تجدف على بيت الله وهو ملجأ النفوس المعذبة؟ إذا تركتني أنت، فإلى أين ألتجي؟ - أنا لا أتركك يا سلمى، ولكن اعتقادك بأن الكنيسة هي ملجأ الحزانى لهو اعتقاد فاسد، ولو نظرت كما نظرت أنا في أميركا والبلاد المتمدنة كيف أن الكنائس والكهنة ترتفع على قلوب التعساء لغيرت ظنك وضحكت من نفسك. - أنا لم أذهب لأميركا يا جميل، ولا أعلم ما يعبد الناس هنالك؛ إذ إنني خلقت في قريتي على سفح لبنان وطني؛ حيث الكنيسة مسقوفة بجذوع الأشجار كبيوتنا، والكاهن فقير مثلنا يشتغل بحقله مع أولاده ليعيش، أنا لست متعلمة في الكليات، ولا أعرف أن أقرأ بغير كتاب الصلوة الذي أهدتني إياه السيدة أولغا في الصيف الماضي، حينما أتت من بيروت لتصطاف في مزرعتنا، ومع ذلك مع كل جهلي يا جميل أراك مخطئا باعتقادك، مع أنك درست في بيروت وسافرت إلى أميركا، والناس يقولون عنك إنك فيلسوف. - سلمى! أنا أتيت تحت جنح الظلام من طرف القرية لهنا كي أراك وأسمع كلمة الحب من فمك الجميل، أتيت لألقي رأسي المتعب على صدرك البلوري، وها أنا ذا أرى بدل هيامك معارضات وهمية، وأجد نفسي مضطرا للتفلسف معك، أرى الكنيسة والكاهن واقفين حاجزا بيني وبين صدرك المشتعل بالوجد، فأريد أن أريك وهن هذين الحاجزين، أنت لم تعرفي شيئا من العالم يا سلمى، أنت لا تقدرين على التمييز لتعرفي بأن الكنيسة ليست إلا شركا يصطاد به القوي الضعيف، فاعلمي بأن الإنسان لا يحتاج لمعبد وكاهن ليعيش، أنت لا تجهلين بأنني عاقل ودارس فاسمعي مني، وأنا لا أريد أن تكوني على ضلال: إن الشريعة هي مثل الترتيب في المعمل الذي تشتغلين به، تتغير حسب إرادة الناس وضرورة الأيام، فالأديان كلها أكاذيب وأضاليل، ولا شريعة غير القوة، ولا إله إلا إله واحد وهو الحب، أنا آخذ حقي من الدنيا قدر قوة يدي ودماغي، وأنت تأخذين حقك قدر جمالك ولطفك، فاتركي الأوهام والكاهن والكنيسة إلى جانب، وتعالي نعبد قلوبنا، انطرحي على يميني؛ لأنها قوية ولا تخافي. - أخاف أن تتركني يا جميل فلمن ألتجي بعدك؟ أنا أحبك بكل سذاجة قلبي وقوة شبيبتي، ولكن باسم من تحلف، وأمام من تربط عهدك وأنت لا تعتقد بدين ولا بشريعة؟ - أحلف بشرفي وهذا القمر السائد في الفلك، كما تسودين في قلبي وهو شاهد علي، فسوف أحلك من قيود المعيشة الفقرية، سوف أنزع اليد المتسلطة عليك في معمل الحرير حيث أنت عبدة ذليلة، وأقودك معي إلى العالم الجديد فترين هنالك نور الحياة وتذوقين لذة العيش.
وباتت سلمى جامدة مسحورة بجمال حبيبها، كأن قوة غريبة تضغط على قلبها الضعيف، وكالعصفور المخلوب أمام الأفعى الهائلة، شعرت الصبية بانجذاب عواطفها إلى الهاوية المفتوحة أمامها.
وبقي جميل يتكلم طويلا عن فساد المبادئ الفاشية بين الشعب الساذج، فكانت كلماته تسقط كنقط السم على قلبها، وكان الفتى الضال يمد مباديه السافلة إلى قلب الفتاة الطاهر طاردا منه كل المحاسن التي أوجدها الإيمان به.
نامعلوم صفحہ