وفي بعض الأحيان يعمد السياسي الحازم اللبق الحكيم إلى استخدام الكياسة بكلمة طيبة، أو بإظهار الصبر والأناة، أو بإقامة الأمثولة الصالحة، أو برواية نادرة فكهة تناسب المقام، ومعنى هذا أن استخدام الكياسة يقتضي بوجه عام براعة كبيرة، وحذقا عظيما، ومهارة بالغة.
فقد جاء إلى الزعيم الأمريكي إبراهام لنكولن خلال الحرب الأهلية وفد من النواب يحتجون ويتذمرون، فلم يكن منه إلا أن ردهم من حيث أتوا راضين مقتنعين، إذ راح يقص عليهم القصة الآتية، أو يستشهد بها على سبيل الاستعارة والتمثيل، قال:
أيها السادة، افرضوا أن كل الثروة التي تملكونها كانت ذهبا خالصا فأسلمتموه جميعا إلى بلوندين الحاوي الماهر في الرقص على الحبال ليحمله مجتازا به شلالات نياجرا وهو فوق الحبل، فهل تهزون الحبل أو تروحون تتصايحون به «يا بلوندين، استو قليلا في مشيتك، أو انحن قليلا في خطرانك، أو اعتدل هونا ما في تنقيل خطاك؟!» كلا، ولكنكم تقفون بلا ريب لاهثي الأنفاس، فاغري الأفواه، معقودي الألسنة، مبتعدين من الحبل حتى يجتازه بلوندين بسلام، ذلك مثل أضربه لكم لكي تعلموا أن الحكومة تحمل عبئا ثقيلا على عاتقها، وهي تؤدي عملها بكل قصارى جهدها، فلا تزعجوها بكثرة الكلام وطول الصياح، وإنما التزموا الصمت حتى تحملكم إلى بر الطمأنينة بسلام آمنين.
ويوم تستحيل اللباقة إلى ملق ومداهنة وتمويه وخداع تفسد على الزعامة أمرها، وتروح عيبا من أسوأ عيوبها، وكذلك إذا هي غالت وبالغت أو وقفت عند حد الأدب والمصانعة، أو إذا هي حالت دون بلوغ محجة الصواب وتقرير أحكم الخطط وتدبير أرجح الوسائل، فإن ذلك كله من شأنه أن ينقص من قيمة الزعامة في الميزان.
وليس من شك في أن الظرف، أو روح الفكاهة، أو الروح المرحة إذا تهيأت للزعيم أعانته كثيرا على عمله، ومهدت له أحسن تمهيد، ويسرت له الصعب، وسهلت له الشأن العسير، فهي أولا لا تجعله في كل الأحوال والظروف يبدو العابس المتجهم، الجاد الرزين، ولا تدع الناس ينفضون من حوله، وإنما تحببهم إليه، وتزين لهم الطاعة له والنزول على أمره.
وليس يخفى أن الذين هم في مراكز السلطان والنفوذ في الناس لا يزالون غرضا لكثير من الإغراءات، عرضة لبعض الهوى، كأن تأتي عليهم لحظات يحسون فيها أنهم أعظم شأنا مما يحسبهم الناس، وأقوى إرادة وأشد إصرارا وأفخم مظهرا وأروع رواء، فلا يني هذا الغلو في تقدير عظمتهم أن يكشفهم ويسيء إليهم ويفسد عليهم كل إفساد، ولكن الظرف أو روح الفكاهة هو الذي يمنع ذلك ويحول دونه ويصلح ما فسد منه؛ لأنه يمكن للزعيم من جعل مشاعر أنصاره وأشياعه والتابعين له ودية متحببة صافية الأديم، وهذا قد يقتضيه في بعض الأحيان ألا يتكره من أن يشعرهم في المناسبات بأنهم أسمى منه، وأنه إنما يستمد مكانه من فضلهم، أو أنهم أعرف منه بما هو مطلوب وأعلم بما هو واجب.
ولعل النادرة التي نبسطها فيما يلي خير مثل يساق على تواضع الزعماء، وعملهم على إقناع أنصارهم بأنهم أعلم منهم وأكثر فضلا.
حين انتخب ودرو ويلسون حاكما لولاية نيوجرسي أدبت له مأدبة حافلة تقدم الخطيب الأول فيها إلى المدعوين قائلا على سبيل تعريفهم بويلسون: «إنه الرئيس العتيد للولايات المتحدة.» وكانت تلك فرصة عظيمة أمامه يحسن انتهازها، فوقف أمام الحشد الحاشد يقول بعد الشكر والتمهيد: «وإني لأحسبني من ناحية واحدة - وأرجو أن يكون من ناحية واحدة لا أكثر - أشبه شيء بقوم سمعت عنهم قصة فكهة أنا محدثكم الساعة بها، كان لي صديق سافر إلى كندا مع جماعة من الصائدين، وكان بين القوم رجل خطر له أن يأخذ معه نوعا من الشراب، يسمى «السنجاب»، ولما سئل عن سر هذه التسمية قال إنه إنما سمي السنجاب لأنه يجعل الذين يشربونه يحسون الرغبة في تسلق الأشجار فعل السناجب.
وفي ذات يوم راح هذا الشريب الملح على «السنجاب» يشرب حتى فقد صوابه ونزفت الخمر لبه، ولم يكد يؤذن الموعد المضروب للسفر في القطار مع إخوانه، وكانوا قد تواعدوا على أن يتوافوا إلى القطار قبل قيامه، حتى راح من فرط سكره يركب قطارا مسافرا إلى الجنوب على حين كانوا هم شخوصا إلى الشمال!
ولما أقبل صحبه وأدركوا ما جرى، خشوا عليه العاقبة وأشفقوا من أن يمسه سوء، فبعثوا ببرقية إلى «كومساري» القطار الذي ركبه صديقهم يقولون فيها: «ارجع رجلا قصيرا يدعى جونستون بين الركاب؛ لأنه ركب خطأ، وهو يريد قطار الجنوب؛ لأنه ... سكران!»
نامعلوم صفحہ