مشکلات مع الغرباء: دراسہ فی فلسفہ الاخلاق

کابد رحمان مجدی d. 1450 AH

مشکلات مع الغرباء: دراسہ فی فلسفہ الاخلاق

مشكلات مع الغرباء: دراسة في فلسفة الأخلاق

اصناف

تمهيد‏

الجزء الأول: إلحاح النظام الخيالي‏

تمهيد: طور المرآة‏

1 - العاطفة والإحساس‏

2 - فرانسيس هتشسون وديفيد هيوم‏

3 - إدموند بيرك وآدم سميث‏

الجزء الثاني: سيادة النظام الرمزي‏

تمهيد: النظام الرمزي‏

4 - سبينوزا وموت الرغبة‏

5 - كانط والقانون الأخلاقي‏

نامعلوم صفحہ

6 - القانون والرغبة في مسرحية «الصاع بالصاع»‏

الجزء الثالث: سطوة النظام الواقعي‏

تمهيد: الرغبة المحضة‏

7 - شوبنهاور وكيركجارد ونيتشه‏

8 - النظام الواقعي في الأعمال الأدبية‏

9 - ليفيناس ودريدا وباديو‏

10 - ابتذال الخير‏

خاتمة‏

تمهيد‏

الجزء الأول: إلحاح النظام الخيالي‏

نامعلوم صفحہ

تمهيد: طور المرآة‏

1 - العاطفة والإحساس‏

2 - فرانسيس هتشسون وديفيد هيوم‏

3 - إدموند بيرك وآدم سميث‏

الجزء الثاني: سيادة النظام الرمزي‏

تمهيد: النظام الرمزي‏

4 - سبينوزا وموت الرغبة‏

5 - كانط والقانون الأخلاقي‏

6 - القانون والرغبة في مسرحية «الصاع بالصاع»‏

الجزء الثالث: سطوة النظام الواقعي‏

نامعلوم صفحہ

تمهيد: الرغبة المحضة‏

7 - شوبنهاور وكيركجارد ونيتشه‏

8 - النظام الواقعي في الأعمال الأدبية‏

9 - ليفيناس ودريدا وباديو‏

10 - ابتذال الخير‏

خاتمة‏

مشكلات مع الغرباء

مشكلات مع الغرباء

دراسة في فلسفة

الأخلاق

نامعلوم صفحہ

تأليف

تيري إيجلتون

ترجمة

عبد الرحمن مجدي

مصطفى محمد فؤاد

مراجعة

مصطفى محمد فؤاد

إهداء إلى روح تشارلز سوان

رجل الإحسان المطلق والشجاعة اللامتناهية.

تمهيد

نامعلوم صفحہ

إن فكرة هذا الكتاب مباشرة إلى حد كبير، وهي تتلخص في فرضية ترى أن معظم النظريات الأخلاقية يمكن تصنيفها ضمن أحد نظم أو مستويات التحليل النفسي الثلاثة لجاك لاكان؛ الخيالي والرمزي والواقعي، أو مزيج ما من الثلاثة. وباستخدام هذه النظم على نطاق أوسع نسبيا، أحاول تحديد نقاط القوة والضعف في كل من نظريات الفكر الأخلاقي هذه، ومقارنتها بالجانب الأخلاقي الأكثر ثراء في نظري للاشتراكية والعقيدة اليهودية المسيحية.

سينزعج بعض أصدقائي وقرائي لرؤيتي أضيع وقتي مرة أخرى في تناول اللاهوت. صحيح أن الدين ثبت أنه من أكثر المنظومات المضرة بالعقل في تاريخ البشرية، إلا أن ذلك السرد الجدير بالازدراء عن الاضطهاد والخرافة مستبعد من نسخة المسيحية المطروحة في هذا الكتاب. ومن مفارقات عصرنا أنه بينما يغذي الدين أشكالا مختلفة ومقيتة من الأصولية الدينية، فقد أفرز كذلك تيارا من الفكر اللاهوتي الراديكالي؛ تيارا يمثل - للمفارقة - أحد الجيوب القليلة الباقية للفكر المادي في هذه الأيام المضطربة سياسيا، ويعد في الغالب أكثر تمردا في تداعياته السياسية من معظم الفكر العلماني اليساري. وربما من المحزن في هذه الأيام أن يكون علم الدين - دون غيره - هو ما ينبغي أن نلتفت إليه فيما يخص مثل تلك الأفكار التي تقلب الموازين؛ لكن لا داعي لأن نرفض الدين كلية بسبب سلبياته.

يقول لودفيج فتجنشتاين: «إن أتيح لرجل أن يؤلف كتابا في الأخلاق يكون بحق كتابا عن الأخلاق، فسينسف هذا الكتاب كل ما عداه من الكتب في العالم نسفا.»

1

يؤلمني أن أقول إنني عندما رفعت عيناي عن آخر جملة كتبتها في كتابي هذا، ظلت المراجع الموجودة في أرفف مكتبتي حول نفس الموضوع لم يمسسها سوء. وأثق مع ذلك أن هذا العمل يقدم إسهاما جديدا في تناول نظرية الأخلاق، حتى وإن كان السبب هو أن قليلا من تلك الأعمال يتناول كلا من هيوم وليفيناس، وبيرك وباديو. وآمل ألا يعجب الكتاب الفلاسفة الأنجلوساكسونيين بسبب أخذه الباريسيين على محمل الجد، وأن يزدريه الباريسيون بسبب عثوره على بعض الجوانب القيمة في الفكر الإنجليزي. وكما هو الحال دوما، أنقذني أساتذتي في الفلسفة، بيتر ديوز وسايمون كريتشلي وبيتر سيجويك وسلافوي جيجك، باعتباري رجلا مبتدئا في هذا المجال، من بعض زلاتي وأخطائي المعتادة، وأنا أقدر لطفهم وما تحملوه من عناء في سبيل ذلك.

وفي حال ظن أي شخص أن كبار الكتاب في مجال الأخلاق الذين تثار حولهم الشكوك فيما يتعلق بأخلاقهم، هم وحدهم المخولون بالكتابة عن الأخلاق، فلا يسعني سوى أن أستحضر تعليقات ماركس على أعماله - بعد إدخال التعديلات اللازمة - عندما قال إنه لم يكتب رجل عن المال بقدر ما كتب هو، ونال من المال أقل مما نال هو.

تيري إيجلتون

دبلن، 2007

هوامش

الجزء

نامعلوم صفحہ

إلحاح النظام الخيالي

تمهيد: طور المرآة

يبدو أنه لم يخل أي عمل نقدي ثقافي يساري في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين من إشارة إلى نظرية جاك لاكان الخاصة بطور المرآة، وهي لحظة في نمو الطفل الصغير يسر فيها وهو يتأمل صورته في المرآة من التوافق السحري بين حركاته وحركات الصورة المقابلة له.

1

إن التوافق السحري والتشابه الإعجازي هما المادة الخام للأسطورة، وإذا كان مقال لاكان الذي بعنوان «طور المرآة» قد تناول هذه الأسطورة، فقد صار المقال سريعا أسطورة في ذاته؛ فحدود الحقيقة والوهم - كما يقول لاكان - مشوشة في هذه المرحلة المبكرة؛ فالأنا التي هي نافذتنا على ما يسمى بالعالم الحقيقي هي في الواقع نوع من الخيال؛ حيث يتعامل الطفل الواقف أمام المرآة مع صورته باعتبارها حقيقية، مع أنه يعلم أنها وهمية. وهناك لبس مماثل في كلمة «الخيالي» التي تعني عند لاكان «المرتبط بصورة» وليس غير الواقعي أو غير الحقيقي، والتي مع ذلك تتضمن إيهاما وخداعا (مثل نظرية الأيديولوجيا التي اشتهر لوي ألتوسير باستنباطها منه).

وعلى نحو مماثل، أصبح ارتباط أطروحة لاكان بالخيال في مقابل الواقع محل تساؤل، فهل كان يقصد بطور المرآة أنه حقيقي أم مجازي؟ وهل كان هذا الرجل الأكثر تأثيرا من بين المفكرين الفرنسيين يتحدث فعلا عن شيء تجريبي مربك بقدر الأطفال الصغار؟ كيف لنا أن نعرف بحق ما قد يمر به الطفل في هذا الموقف؟ وماذا عن المجتمعات التي لم تتمتع بميزة امتلاك مرايا (وهو ما يثير الاعتراض البديهي الذي لا يمكن أن يطرحه سوى الإنجليز)؟ هل تعوضها البرك أو الأنهار؟ أم أن المرآة الحقيقية للطفل هي والده أو ولي أمره الذي يبني - بتوظيف أجزاء مختلفة من جسمه (كالوجه والفتحات وغيرهما) بدرجات متفاوتة من الشدة - صورة ذاتية جسدية للطفل؟ هل تتشكل رؤيتنا لأجسادنا - مثل رغباتنا - على يد الآخرين؟ وكم من الغريب - على أي حال - أن تنبني نظرية محورية كتلك على أكثر الأنشطة الإنسانية اتصافا بالخيال والبساطة؛ اللعب والتقليد! التقليد بالتأكيد وكذلك اللعب؛ إذ إن الطفل الذي يبتهج بمحاكاة حركاته الخاصة في المرآة هو مقلد، وساحر صغير يمكنه تغيير الواقع بمجرد رفع يده، وممثل يؤدي دوره أمام جمهور ممتن مكون من فرد واحد، وفنان صغير جدا يستمتع بشدة بقدرته على تشكيل منتجه وتحويله بنقرة إصبع أو إدارة رأس. فالتمثيل أمام المرآة يتضمن ارتدادا غير متناه أو تقعيرا من نوع ما، حيث ينعكس الشكل الكلي الموجود في المرآة موافقا جهود الطفل، ومن ثم يحفز ابتسامته، التي تستتبع بدورها مظهرا تشجيعيا آخر من مظاهر السرور في الصورة المنعكسة، وهكذا. وسنرى شيئا في نفس هذا الإطار لاحقا في الفلسفة الأخلاقية للقرن الثامن عشر.

لم يكن الأمر - بالتأكيد - وكأن المنظرين الثقافيين وقتئذ كانوا مهتمين بموضوع تطور الطفل على نحو خاص؛ فأهمية محاضرة لاكان كانت تكمن في توضيحها للنظام الخيالي؛ ذلك العالم الغريب للنفس الإنسانية، الذي يبدو فيه أن الذوات والأشياء (إن كان بإمكاننا أن نتحدث عن هذا التقسيم في هذه المرحلة المبكرة من الكتاب) يتبادلان باستمرار الأماكن، ويعيش كل منهما حياة الآخر. وخلال عملية الإسقاط والانعكاس هذه، يبدو أن الأشياء تدخل وتخرج بعضها من بعضها دون وسيط، ويشعر كل منها بالآخر من الداخل بنفس الصورة الحسية المباشرة التي تدرك بها دواخلها، فكأنك تستطيع أن تضع نفسك في ذات المكان الذي ينظر إليك منه، أو ترى نفسك في ذات الوقت من الداخل والخارج. وعلم النفس ليس إلا في بداية الطريق فيما يتعلق بفهم الآليات العصبية التي يقلد بها الطفل الصغير جدا وهو يلهو، تعبيرات وجه شخص بالغ، في مجموعة معقدة من الانعكاسات من الخارج إلى الداخل ثم إلى الخارج مرة أخرى.

2

وفي هذا الشأن كتب موريس ميرلو-بونتي يقول:

يفتح الرضيع البالغ من العمر خمسة عشر شهرا ثغره إن داعبته بوضع أحد أصابعه بين أسناني والتظاهر بأني أعضه. إلا أنه نادرا ما ينظر إلى وجهه في مرآة، ولا تشبه أسنانه أسناني بأي نحو. والحقيقة هي أن فمه وأسنانه، كما يشعر بهما من داخله، هما في نظره وبصفة مباشرة أداة للعض، وفكي، كما يراه الطفل من الخارج، قادر في نظره مباشرة على الفعل ذاته.

نامعلوم صفحہ

3

إن النظام الخيالي هو عالم تعيد فيه الأشياء نفوسنا إلينا، إن كانت لدينا ذات عازمة بدرجة كافية على تقديره؛ فهو مجال نقي تكون فيه المعرفة سريعة وقاطعة كالإحساس.

وفي هذا التكوين المميز للفضاء النفسي حيث لا يوجد بعد أي ذات أو مركز للوعي واضح التنظيم، لا يمكن أن تكون هناك أي غيرية حقيقية، فمكنوني «موجود بالخارج» نوعا ما باعتباره ظاهرة من بين غيرها من الظواهر، بينما يرتبط ما هو بالخارج برابطة حميمية معي، وهو جزء من مكنوناتي الداخلية. لكنني أشعر أيضا بأن حياتي الداخلية غريبة ومنفصلة، كما لو أن جزءا من كينونتي وقع أسيرا لصورة وتجسد على يديها. ويبدو أن هذه الصورة قادرة على التأثير في ذاتي تأثيرا ينبع من نفسي ولا ينبع منها في الوقت ذاته. إذن، ففي نطاق النظام الخيالي ليس من الواضح إن كنت أنا أم كنت شخصا آخر، إن كنت داخل نفسي أم خارجها، إن كنت خلف المرآة أم أمامها. قد يتصور أي شخص أن هذا يجسد جزءا من تجربة الرضيع الذي ترضعه أمه والذي يستخدم ثدييها كما لو كانت أحد أعضائه؛ لكنها كذلك - كما هو حال الأشياء الملتبسة التي بداخلنا وخارجنا - مسألة تتعلق ب «الأشياء الجزئية»، أي أجزاء الجسم المنبثقة إلى العالم الخارجي (البراز ولبن الرضاعة وما شابه)، وهي التي تصفها ميلاني كلاين بأنها أشياء انتقالية بين النفس والآخر، بين الذات والشيء، والتي يقول لاكان نفسه عنها إنها نفس الأشياء التي تبطن الذات البشرية أو يتصور أنها تملؤها.

وهذا هو السبب في أن النظام الخيالي يتضمن ما يعرف من الناحية المتخصصة بالعبورية، التي فيها - في رابطة تعاطف بسيطة - قد يبكي الطفل عندما يرى طفلا آخر يتعثر، أو يدعي أنه هو نفسه قد ضرب عندما يضرب أحد أقرانه. ولقد حازت هذه الظاهرة على اهتمام فيلسوف ظهر في القرن الثامن عشر وهو آدم سميث؛ إذ تحدث في كتابه «نظرية العواطف الأخلاقية» عن كيف أننا «عندما نرى ضربة موجهة وعلى وشك أن تصيب ساق أو ذراع شخص آخر، فإننا بطبيعتنا ننكمش ونسحب ساقنا أو ذراعنا.» فالعبورية مجرد مثال واضح للمحاكاة المتعاطفة في حد ذاتها، وهو ما يظل إلى حد ما مسألة جسدية حتى لدى هؤلاء الذين نجحوا في التحرر من إغواءات طور المرآة. وهذا هو السبب في أن الابتسام معد، أو السبب - كما يشير سميث - في أن: «المتفرجين عندما يشاهدون راقصا يمشي على حبل متراخ يلوون أجسامهم ويوازنونها كما يرونه يفعل، وكما يشعرون أن عليهم فعله في هذا الموقف.»

4

ويبدو أن سميث يفترض أن هذه المحاكاة التلقائية هي نتيجة لما يسميه لاكان التبادل الخيالي؛ حيث نتخيل إسقاط أنفسنا في جسد الراقص. لكن هؤلاء المشاهدين هم سحرة مستقبليون يسعون لا إراديا للتحكم في حركات الساحر من خلال تمايلهم المتعاطف، مثلما يسيطر الطفل في طور المرآة بصورة كبيرة على صورته المنعكسة في ذات اللحظة التي يخضع فيها لسيطرتها؛ فالجمهور عند سميث يبقى بشخصه في نفس اللحظة التي يتقلد فيها هوية شخص آخر، وهذا الامتزاج مميز للنظام الخيالي.

فالعبورية إذن هي نوع من انطباق أو تناغم الأجسام، فأصحاب التركيب الحساس - حسبما يشير سميث - يشعرون بعدم الارتياح أو بالرغبة في الحك عندما يرون تقرحات في جسم متسول، بينما من الأرجح أن النظر إلى عينين متقرحتين لشخص آخر سيجعل عينيك تفيضان حنانا. وفي النهاية، فإن التصور الوحيد المرضي لهذه الحالة هو وجود جسدين اتحدا معا في جسد واحد، مثلما كان كليم يوبرايت وأمه في رواية توماس هاردي «عودة المواطن» يتحدثان معا كما لو أن «أحاديثهما كانت ... تجري بين اليد اليمنى واليد اليسرى لنفس الجسم.» ويحقق جود فولي وسو برايدهيد في رواية هاردي «جود الغامض» «هذا التفاهم المشترك التام الذي تكون فيه لكل لمحة وكل حركة نفس فاعلية الكلام في نقل المعلومات بينهما، وتجعلهما تقريبا كجزأين لكل واحد.» والرابطة العاطفية بين والتر شاندي والعم توبي في رواية لورنس ستيرن - وهي علاقة تقوم على الإيماءات والبديهة والتواصل غير اللفظي - مثال آخر على ذلك. وستتاح لنا الفرصة للعودة إلى فكرة الجسد باعتباره لغة، لاحقا في هذا الكتاب.

على نحو ما، يمكن النظر إلى الصداقة باعتبارها نسخة البالغين من النظام الخيالي؛ ففي الصداقة - حسبما يشير أرسطو في كتاب «الأخلاق» - يكون الآخر هو أنت وليس أنت؛ بحيث يعيد هذا الامتزاج والتداخل في الهويات صناعة طول المرآة لكن على مستوى أعلى. وكما كتب ميشيل دي مونتين في مقاله الرائع عن الصداقة: «الشيء الوحيد الذي يسعدني في أن يكون لي صديق هو أن ما ليس لي صار لي.»

5

ويضيف أن علاقته بأعز أصدقائه لم تترك لأي منهما شيئا يخصه؛ فلا شيء يخص صديقه أو يخصه هو. ويعلق قائلا: «إن اضطررت لأقول سبب حبي له، فأشعر أن إجابتي الوحيدة يمكن أن تكون: «بسببه، بسببي ...» فمثل هذه الصداقة ليس لها نموذج إلا هي ذاتها، ولا يمكن مقارنتها إلا بنفسها.»

نامعلوم صفحہ

6

فالنظام الخيالي يقاوم ترجمته بصورة عقلانية أو مقارنة. بعكس الرمزي الذي فيه - كما سنرى - التبادل والتناسب هما الأهم، وكل عناصره مميزة بصورة لا يمكن اختزالها.

على العموم، لم يستحضر اليسار الثقافي في سبعينيات القرن الماضي النظام الخيالي إلا كي يشيطنه؛ فمن ناحية لم تكن أطوار ما قبل اللغة محور تركيز المنظرين، الذين أصبح الخطاب شاغلا كبيرا لديهم أكثر من الأطفال الرضع. ومن ناحية أخرى، كان النظام الخيالي متمحورا حول الاتحاد والثبات، والتشابه والتوافق، والاستقلال والمحاكاة، والتصور والتناغم، والوفرة والكلية، ولا يمكن أن توجد مفاهيم أقل شيوعا من هذه المفاهيم لدى طليعة كلماتها الأساسية هي الافتقار والغياب، والاختلاف والصراع، والانقسام والتشتت، والتشرذم والتباين. فيسار ذلك العصر لن يقبل فكرة التصور إلا إن كانت وسائل التصور وظروفه متوفرة معه، وكل هذا مكبوت في طور المرآة للأسف.

7

والأسوأ أن التصور محل الجدل تصور زائف؛ فالصورة المنعكسة من المرآة نسخة موحدة زائفة لجسم الطفل الحقيقي غير المتسق، وفرحته بها تنبع من مقارنة هذا الكل المثالي بحالة جسمه المختلة، فالمرآة تتيح له استقلالا لا يتوفر له في الواقع. ويمكننا التكهن بأنه يقارن كذلك بين هذا الشكل المتماسك على نحو مرض ببعض التخيلات الكلاينية لجسده بوصفه ممزقا ومشوها ومقطعا إلى أجزاء.

إذن، فالبراءة التي تسبق الأنوية في طور المرآة بدت مهيأة للتدمير، اعتمادا على ما كان في الحقيقة مفهوما نموذجيا للهوية. فهذه المرآة هي لوح من زجاج لا نرى فيه، بحسب تعبير سان بول، إلا رؤية قاتمة. إن الطفل المفتتن بصورته في المرآة مثال على الإدراك الذاتي الزائف بقدر الفكرة القائلة إن كل دال - كالأيقونة مثلا - يتقيد برابطة داخلية مع مدلول واحد يمكن القول إنه يمثل معناه، ففي المرآة - كما يقول جون لابلانش وجيه بي بونتاليس - «ثمة نوع من الالتحام بين الدال والمدلول.»

8

والموضع الآخر الذي يفترض أن يحدث فيه هذا هو الشعر الذي يبدو فيه هذان الجانبان من الدلالة - من خلال نوع من الخداع اللفظي - غير قابلين للانفصال.

9

لكن لن يجدي كذلك النظر للكلمات والمعاني على نحو منفصل، طالما أن الفرد لا يزال يتخيل أنهما نفس الشيء تقريبا، «فالكلمة هنا والمعنى هناك» كما يقول لودفيج فتجنشتاين متهكما، «وكذلك البقرة والمال الذي يمكنك أن تشتريها به؛ لكن عليك التفريق بين المال واستخدامه.»

نامعلوم صفحہ

10

فالكلمة عند فتجنشتاين تكتسب معناها من استخدامها؛ وهذا يتضمن الدخول في علاقات خاضعة لقواعد مع الدلالات الأخرى في شكل معين من أشكال الحياة. وهذه، كما يمكن أن نقول، هي نسخته مما سيسميه لاكان بالنظام الرمزي. والفارق أن لاكان يبين أن ما يسري على الدلالات يسري على الذوات البشرية أيضا، فالطفل الذي يتخيل أن صورته في المرآة هي التجسيد الملموس لكينونته هو شخص لم يبلغ مرحلة الإدراك البنيوي ولم يستوعب بعد أن الهوية الإنسانية - كالدلالات - مسألة تفاضلية؛ أي أنها مسألة شغل موضع ما في نظام رمزي، نظام من الأدوار والعلاقات التي تكون فيها وظيفة قابلة للاستبدال وليس حيوانا حيا متميزا لا يمكن استبداله؛ فالطفل إذ يسره وهم أنه متسق كليا مع ذاته، سيدرك مع ذلك أنه - كما يعلق فتجنشتاين في كتابه «تحقيقات فلسفية» - لا يوجد افتراض عديم الفائدة بقدر افتراض تطابق الشيء مع نفسه؛ فالطفل الصغير قد سقط فريسة، إن جاز التعبير، لخطأ فلسفي وهو أن ثمة نوعا من اليقين وإمكانية الوصول فيما يتعلق بالكينونة الإنسانية.

لذا فإن إدراك الطفل لذاته في دائرة النظام الخيالي هو إدراك خاطئ في الحقيقة؛ إدراك يمهد للنسخة الأهم نسبيا من الإدراك الخاطئ التي سيمر بها الطفل في النظام الرمزي. وهويته مستلبة «مغتربة» كذلك؛ حيث تخلط الأنا الناظرة - أو الذات - بين كيانها المراوغ وكيان الأنا المنظورة، التي هي شيء محدود في مرآة انعكاسها الذاتي. ومن ثم تستعصي عليها معرفة حقيقة الذات؛ أي - كما أعاد لاكان صياغة كلمات ديكارت بصورة براقة - «أنا أفكر حيث لا أكون، إذن فأنا موجود حيث لا أفكر.» فالطفل سيدرك أن الذات التي تتطابق مع نفسها ليست ذاتا على الإطلاق؛ فالكينونة التي يعتبرها الطفل النرجسي الصغير الذي في طور المرآة ثابتة ومحدودة هي في الحقيقة منقسمة وغير كاملة، وهي مثل عملية الدلالة نفسها يحركها عدم اكتمالها.

إن معارضة النظام الخيالي، الذي يعتمد فيه كلا الطرفين (الطفل والصورة) اعتمادا تكافليا على الآخر، يجب أن تتحقق في النهاية عنوة أو بإدخال طرف ثالث يمكن أن يتوسط بين الطرفين. وهذه في نظر لاكان هي اللحظة الأوديبية؛ فالنظام الخيالي المغلق يجب أن ينفتح أمام الاختلاف والغيرية؛ فالطفل الصغير عليه أن يكسر مرآة إدراكه الخاطئ ليخرج إلى النطاق البين-ذاتي حيث لا يسعه وحده أن يصل إلا لأجزاء صغيرة جدا من الحقيقة. والتحول في نظر هيجل - الذي استمد منه فكر لاكان الكثير - من حالة إلى أخرى له بعد أخلاقي. فالذات يجب فطامها من الوقوع في خطأ اعتقاد نفسها كيانا مستقلا وأن تبدأ بدلا من ذلك في الاعتراف باعتمادها على الآخرين في النطاق البين-ذاتي، وهو مجال يسميه هيجل الروح، ويطلق عليه لاكان الآخر الكبير أو النظام الرمزي. وكما قال لاكان، يتضمن هذا في أكمل صوره «القبول الكامل للذات من الذات الأخرى.»

11

ولم يكن ذلك أحد مثل المعاملة بالمثل لدى البشر التي كان ليحتفظ بها طويلا؛ إذ علينا أن نتوقف عن استمداد صورتنا الذاتية من الآخر كما نفعل في النظام الخيالي، ونستمدها من الآخر الكبير (عالم الاجتماعية ككل) كما نفعل في النظام الرمزي. ويرى هيجل أن أكثر أشكال الحياة الإنسانية بدائية تتضمن انغماسا غير تأملي في نظام اجتماعي مغلق لا يختلف كثيرا عن مفهوم النظام الخيالي عند لاكان. وحين يتجرأ الفرد على التبادلات البين-ذاتية الخاصة بالنظام الرمزي، عندها فقط يصير مدركا لنفسه باعتباره فردا؛ لكن سنرى لاحقا أن هذا الإنجاز في نظر لاكان لا يبعد كثيرا عن الكارثة.

كان هذا التحول في النظم الأنطولوجية بالنسبة للطليعة الثقافية في سبعينيات القرن العشرين تحولا سياسيا أكثر منه أخلاقيا؛ إذ لم يكن الهدف تعزيز الذات البرجوازية من خلال إلقاء الضوء على رضاها عن نفسها، بل إدخالها في أزمة دائمة؛ فالتحول الأول مرتبط بالأيديولوجيا بينما الآخر مسألة تتعلق بممارسة ثقافية ثورية؛ فالأمور التي تجعلنا ما نحن عليه - أي النقص والنظام الواقعي والكبت والخصاء وقانون الأب والقوانين الخفية للتكوين الاجتماعي - تتجاوز التصور تماما، فهي الشروخ والنقاط العمياء في مرآة الوعي، وهي ظاهرة عادة ما يتم تصورها هي ذاتها في سياق المرآة («الانعكاس»، و«التبصر»، و«التأمل»). وكما يقول إيرل شافتسبري: «أي كائن عاقل أو مفكر قادر بطبيعته على رؤية عقله وأفعاله، وامتلاك تصورات لنفسه ومكنوناته الداخلية وهي تمر أمامه باستمرار وتتضح له وتدور في عقله.»

12

فالتأمل الذاتي بهذا المعنى نظام خيالي داخلي على نحو ما؛ أي مسألة تأمل لذاتنا في مرآة عقلنا، ذلك المسرح العقلي الذي نظهر فيه كممثلين أمام نظرتنا المتفرجة كما لو كنا شخصا آخر. إن هذا الانغلاق الذاتي النرجسي نسبيا هو ما رأى اليسار الثقافي أن من الضروري تحطيمه، وأن تصبح الذات الخيالية غير متمركزة، إذا أردنا أن ينكشف أي شيء من المحددات الحقيقية لوجودنا.

وكتب فتجنشتاين في كتابه «تحقيقات فلسفية» يقول: «الصورة تأسرنا، ولا يمكننا الخروج منها؛ لأنها تكمن في لغتنا، واللغة على ما يبدو تكررها لنا بلا هوادة.»

نامعلوم صفحہ

13

إن كان الطفل عند لاكان رهن أسر صورة أو أنا مثالية، ومضللا مثل العامل المغترب عند ماركس بفعل قوة ما لا يعرف أنها تخصه، فإن البالغ الذي سحرته اللغة عند فتجنشتاين قد وقع فريسة لبنى قواعدنا اللغوية المجسدة بطبيعتها التي تكون هويات زائفة مما لا يتعدى في حقيقته نسيجا من الاختلافات. وكان رأي فريدريك نيتشه مماثلا إلى حد كبير؛ حيث كتب عن الفكر باعتباره أسيرا ل «سحر وظائف لغوية معينة.»

14

فهذه عند فتجنشتاين هي صورة مزمنة من الوعي الزائف حيث تكون اللغة أداة إحداث التجانس فيها، مثلما أن النظام الخيالي عند لاكان ليس مجرد طور يمكن أن نتجاوزه مثل مص الأصابع، بل هو عين الهيكل الداخلي للأنا، وبهذا يكون بعدا غير قابل للمحو للتجربة الإنسانية، فهذا التبجح والزهو الطفولي أمام المرآة يستمر في كل جهودنا الشهوانية اللاحقة، حيث نتماهى مع الأشياء التي تحمل شبها مطمئنا بأنفسنا. فكما يقول لاكان: «إن كل الأشياء الموجودة في العالم «الإنساني» تنتظم وتتركب حول الظل المتجول لأنا الطفل.»

15

فما يحتاجه الطفل في طور المرآة كي يتحول إلى شخص هو ما نحتاجه نحن البالغين المنخدعين لغويا أيضا، وهو احتياج يلخصه اقتباس من مسرحية «الملك لير» رأى فتجنشتاين أن يستخدمه كاستشهاد في مطلع كتابه «تحقيقات فلسفية»: «سأعلمك الفروق.»

إن العلاج الكلامي المطرد الذي عرفه فتجنشتاين باسم الفلسفة هو ما يمكننا من تحطيم أصنام المعاني؛ فالفلسفة في نظره نوع من العلاج يمكننا من تحرير تلك الدوال الجامدة المنعزلة غير الواضحة التي التصقت بنا كالعديد من أعراض الاضطرابات العصبية وإعادتها إلى ملعب الاختلافات الذي يشكل صورة ما من صور الحياة، أو إخراجنا من غياهب الضباب إلى الشمس الساطعة، كما يقول فتجنشتاين في موضع آخر؛ إذ يقول: «عندما يأتي الفلاسفة بكلمة ما - «معرفة» أو «كينونة» أو «شيء» أو «أنا» أو «قضية» أو «اسم» - ويحاولون الوصول إلى «جوهر» هذا الشيء، فعلى الإنسان أن يسأل نفسه دائما: هل تستخدم هذه الكلمة فعلا على هذا النحو في سياق اللغة الذي تنتمي إليه؟ فما نفعله هو إعادة الكلمات من استخدامها الميتافيزيقي إلى استخدامها اليومي.»

16

بالتأكيد ثمة فارق رهيب بين تأملات فتجنشتاين البسيطة - التي لا تتجاوز في أدنى أحوالها التركيز على المألوف - والتأملات المنمقة والمعقدة للاكان. إلا أن هدف المحلل النفسي كذلك أن يستعيد المدلولات الضائعة عند هؤلاء الذين أصبحوا في أزمة والذين صار خطابهم من ثم جامدا ومكررا؛ ففك عقدة أحد الاضطرابات العصبية وكشف مدلول مجسد ليسا شيئين مختلفين، بل قد يشكلان في مجال التحليل جانبين لعملية واحدة؛ فمن بين وظائف التحليل النفسي تحريرنا من أي وهم أو تكرار قهري يصيبنا، وتحويل هذا المأزق أو حجر العثرة الكامن في قلب كيان الفرد إلى حجر أساس لشكل جديد من الحياة.

17

نامعلوم صفحہ

فطور المرآة إذن لم يكن مطلقا حالة من البراءة الفردوسية الخالصة، بل على العكس، يمكن اعتباره لمحة من عملية السقوط من الفردوس وهي تحدث. فمن ناحية، تتضمن النرجسية ذاتها بعض الاشمئزاز والإيذاء الذاتيين، ومن الناحية الأخرى، فإن الحدود المشوشة بين الذوات تغذي المنافسة بقدر ما تغذي التناغم؛ فهي تشبه الجمع بين الهوية والعداء الذي يمكننا ملاحظته في حالات جنون الارتياب التي يكون فيها الطرف المضطهد هو الشخص نفسه وأنا بديلة هلامية. وهي ما يطلق عليه كيركجارد «التعاطف المتنافر» في كتابه «مفهوم الهلع»؛ فالجار - كما يشير فرويد في كتابه «مشروع سيكولوجيا علمية» ويقصد على الأرجح الأخ/الأخت - هو أقرب شخص صديق وعدو لنا في نفس الوقت. فبعض ملامح هذا الشخص (الوجه، على سبيل المثال) كما يقول فرويد ستكون غريبة ومفعمة بالتهديد؛ لكن البعض الآخر - كحركة اليد مثلا - تستدعي التشابه. ومن اللافت في هذا الصدد أن كلمة «يباري» تعني كلا من: «ينازل» و«يحاكي»، «يشبه» و«ينافس». وكما يقول لاكان مقتبسا كلمات أوسكار وايلد دون أن يدري: «الشخص الذي تحاربه هو أكثر من يحوز على إعجابك.»

18

فالأنا المثالية، وهي الصورة التي يرتسم بها انعكاس الطفل أمامه، هي ما ينبغي عليك قتله.

ويسعى الطفل الغارق في هذا التواطؤ اللاعقلي مع صورته والأشياء المحيطة بها إلى كسر حالة الجمود تلك من خلال العدوان. ويمكن تصور الطفل إذ يخضع لسطوة العبورية، وهو ينتقل دون توقف من دور الصياد إلى دور الضحية أو يؤدي كلا الدورين في الوقت ذاته.

19

ويتحدث ماكس هوركايمر وتيودور أدورنو في كتاب «جدل التنوير» عن الرغبة في المحاكاة للاندماج مع العالم؛ لكن يتحدثان أيضا عن الخوف من الوقوع تحت سيطرة قوى خارجية قد تولدها هذه الرغبة. وفي فقرة غريبة ومشئومة إلى حد ما، يكتب مارتن هايدجر عن كيف كان الجنود في الحرب العالمية الأولى من كلا طرفي النزاع قادرين على مواجهة بعضهم لبعض وجها لوجه على الجبهة، فصار بعضهم يتماهى مع بعض، «ممتزجين في جسد واحد» (بتعبير إرنست يونجر).

20

ويتحسر هايدجر قائلا إن مثل هذه المواجهة الخيالية لم تكن ممكنة في المواجهة الآلية في الحرب العالمية الثانية؛ فموقع يجري فيه قتال تلاحمي بالأيدي مشهد تكافلي مرض بقدر أكبر من القتل المجرد الخسيس من عن بعد.

يرى لاكان أن طور المرآة يؤشر لأول ظهور للأنا، وهي وظيفة تعد صورة من صور الاغتراب الذاتي؛ فالوعي ذاته هو بنية من الإدراك الخاطئ؛ إذ يصير انعكاس الطفل المرتسم في المرآة نموذجا لكل الإدراكات الذاتية النرجسية اللاحقة التي تصنع الأنا. في هذا الشأن، يقول لاكان: «إن الأنا التي نتحدث عنها يستحيل تماما فصلها عن الأشياء الخيالية التي تكونها من الألف إلى الياء.»

21

نامعلوم صفحہ

وهذه «البنية الجامدة» - بوصفها قريبة منا لكن خارجة عنا كالدرع المزرد - هي سراب للوحدة والتضامن، وهي بذلك تؤدي إلى إخفاء حقيقة أن الذات يغلب عدمها على وجودها؛ فالنظام الخيالي، باختصار، هو نوع من الأيديولوجيا.

هذا هو النحو الذي يرى من خلاله الفيلسوف الماركسي لوي ألتوسير - أشهر من فشل لاكان في علاجه - النظام الخيالي، مستخدما المصطلح بالمعنى الواسع الذي سنتبناه في هذا الكتاب.

22

فالأيديولوجيا عند ألتوسير هي نوع من الإدراك الخيالي الخاطئ الذي يبدو فيه الذات والشيء، أو النفس والعالم، معدا خصوصا كل منها للآخر. ويبدو العالم في تآلف معنا بدلا من أن يكون غير مكترث تماما بغاياتنا، فيتوافق طواعية مع رغباتنا ويتبع حركاتنا في طاعة بقدر ما يفعل انعكاس الإنسان في المرآة؛ لكن بما أن هذه الصورة متماسكة بقدر مرض، كما الحال في الطفل عند لاكان، يقع خطأ في إدراك كل من الذات والواقع الاجتماعي في نفس الوقت. وتعتبر الذات الإنسانية من الجانب النظري كيانا غير متمركز تماما مثل الطفل الفوضوي الواقف أمام المرآة، أي مجرد شيء مرتبط بهذه البنية الاجتماعية أو تلك ؛ لكن بما أن تلك المخلوقات الفوضوية لن تكون قادرة على العمل الهادف، فإن نظام الأيديولوجيا الخيالي يتدخل ليمنحها إحساسا بالوحدة والاستقلال؛ وبذلك فقط تتحول إلى عناصر فاعلة تاريخية، أيا كان تبعيتها السياسية. ومن هذا المنطلق فإن الثورة البلشفية تتضمن دائرة الأيديولوجيا بقدر الاحتفال بيوم القديس باتريك.

إن وصف ذات الأيديولوجيا بأنها «خيالية» يعني الزعم بأنها - كالطفل أمام مرآة لاكان - تشعر بأن العالم جزء من تكوينها الداخلي، وأنه متمحور عليها، وأنه خاضع لها تلقائيا، وأنه يرتبط بها برباط داخلي؛ فالأيديولوجيا من هذا المنطلق هي نوع بليد من المركزية الأنثروبولوجية. وتكتب جورج إليوت في روايتها «ميدل مارش»: «نولد جميعنا في حالة من الغباء الأخلاقي، معتبرين العالم ثديا يرضع ذواتنا السامية.» فالأيديولوجيا تعيد صياغة النظام الخيالي على مستوى المجتمع ككل عند الأشخاص المكتمل تطورهم الذين ربما يدركون بشيء من التخوف المفاجئ أن العالم لا يدين لهم بأسباب المعيشة، وأنه لا يبالي بهم بقدر ما يبالي بالطقس. وفي ضوء هذا الوهم المريح، يمكن أن تطمئن الذات إلى أن المجتمع سيدعي انتماءها له بنحو خاص ويخصها بتميز وفرادة ويناديها باسمها، إن جاز التعبير. إن الذات العليا للأيديولوجيا؛ إذ تجذبنا من بين حشود المواطنين المجهولين حولنا، وإذ تطل علينا بوجهها الحميد، تغرس فينا إيمانا يبعث على السرور بأن الواقع يمكن ألا يستمر من دوننا، وأنه سيضطرب حزنا إن اختفينا من الوجود، تماما كما نتصور الرضيع وهو يؤمن بأحد الأوهام البيركلية بأنه إذا اختفى، فسيتلاشى معه كل ما سواه في طرفة عين.

هناك بعض المشكلات الشائكة في نظرية ألتوسير؛ لكنني لا أنوي أن أتناولها هنا،

23

بل أريد أن أستكشف أوجه الشبه بين هذه الأفكار الحديثة الخاصة بالتحليل النفسي وما يمكن أن نسميه بالأخلاق الخيالية عند بعض فلاسفة الأخلاق الإنجليز في القرن الثامن عشر؛ لكن قبل ذلك علينا أن نأخذ جولة سريعة في موضوع المذهب العاطفي في القرن الثامن عشر.

هوامش

الفصل الأول

نامعلوم صفحہ

العاطفة والإحساس

من الشائع في يومنا هذا الإقرار بأن القرن الثامن عشر كان عصر العاطفة بقدر ما كان عصر العقل. ومن المؤكد أنه شهد قدرا كبيرا من الصراخ ومشاعر النشوة والألم والاعتراض والإثارة والتوهج والذوبان.

1

فالإحساس - وهو مصطلح ذلك العصر الرئيسي - يمثل نوعا من بلاغة الجسد، ومنظومة سيميائية اجتماعية تقوم على الخجل والخفقان والنحيب والإغماء وما شابه. كما أنه رد ذلك العصر على الثنائية الفلسفية الروح والجسد؛ ففي أيديولوجية العاطفة يكون الجسد والروح في انسجام معا كسترة ضيقة وبطانتها. والإحساس في القرن الثامن عشر - باعتباره نوعا من المادية الأولية - هو خطاب الألياف والنهايات العصبية، والأبخرة والسوائل، والنبضات والذبذبات، ونوبات الاستثارة والتهيج. يقول ويكيسيموس نوكس إن «المشاعر هي كلمة أنيقة ورائجة حلت محل العمليات الذهنية وتسوغ قدرا كبيرا من المادية.»

2

إن كلمة «الشعور» ذاتها - التي تحمل معنيي الإحساس المادي والدافع العاطفي، كاللمس باعتباره فعلا والإحساس به باعتباره حالة - تقدم للعصر رابطا بين إثارة الألياف العصبية وتفاعلات النفس الخفية.

تتحسر الروائية الأيرلندية سيدني أوينسون (ليدي مورجان) في مذكراتها على ما سمته «تركيبي المادي غير السعيد، هذه الحساسية العصبية لكل انفعال يدور في جسمي ويلهب الجسد كله»؛

3

لكنها في الحقيقة ليست إلا تباهي بما تتمتع به من إحساس. وكتب زوجها السير تشارلز مورجان رسالة في الفسيولوجيا، ربما متأثرا بملاحظة زوجته الشديدة الحساسية. وينظر كتاب إسحق نيوتن «الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية» - تماما مثل عمل الأسقف بيركلي الغريب «الحلقات» - إلى الوجود في مجمله باعتبار أنه يمتلئ بروح الأثير الخفية، التي تخلق الإحساس بذبذبة الأعصاب؛ فالإحساس هو ملتقى الجسد والعقل، والآن يعد الجهاز العصبي وليس الروح هو ما يتوسط بين العالمين المادي وغير المادي؛ فالأخلاق مهددة بأن يحل محلها علم الأعصاب. ويسخر لورنس ستيرن من العاطفة باعتبارها نوعا من الباثولوجيا الاجتماعية في روايته «رحلة عاطفية»، على الرغم من نشره هو للكثير منها في الرواية. ويرى نقاده الكثيرون أن الافتتان بالعاطفة علامة تميز المهذبين المصابين بوهن الأعصاب،

4

نامعلوم صفحہ

فالرجل الحساس كبجعة أخلاق تتغذى على عواطفها المرهفة.

وبعكس ترفع النبلاء البارد، ظهر عند الطبقة الوسطى افتتان راسخ بالشفقة والخير والمشاركة الوجدانية. يكتب ريتشارد ستيل :

إننا بتأثير سحر خفي نحزن مع الشقي ونفرح مع السعيد؛ إذ يستحيل على القلب البشري أن ينفر من أي شيء يميز الإنسان؛ لكن ملامح السعداء والأشقياء ذاتها تأخذنا إلى حالتهم؛ وبما أن السعادة تنتقل من شخص لآخر، فمن المنطقي أن يكون الحزن كالعدوى، وكلاهما يرى ويحس بنظرة، فعينا الإنسان نافذة لغيره على قلبه.

5

لدينا هنا بعض العناصر الأساسية للنظام الخيالي: إسقاط أو انتقال خيالي إلى داخل جسم آخر، والمحاكاة المادية المذكورة في «ملامح «الآخر» ذاتها تأخذنا إلى حالته»، و«قابلية العدوى» التي يتشارك من خلالها شخصان نفس الحالة الداخلية، والآنية البصرية التي تنتقل من خلالها حالة الآخر الداخلية؛ فيبدو الداخل منقوشا على الخارج، وتبادل المواقع أو الهويات («فعينا الإنسان نافذة لغيره على قلبه»).

أو انظر لهذه الكلمات من مواعظ جوزيف باتلر:

إن البشرية بطبيعتها متحدة تماما؛ إذ ثمة توافق بين الأحاسيس الداخلية لشخص ما ونظيرتها عند شخص آخر، فيصير الخزي مكروها كالألم الجسدي، ويصبح التمتع بالاحترام والحب مرغوبا كأي مكسب مادي ... يوجد مبدأ طبيعي يجذب الإنسان إلى أخيه الإنسان الذي يصبح - بعد أن سلك الاثنان نفس الطريق وتنفسا نفس الهواء، وهما بالكاد مولودان في نفس الضاحية أو المنطقة - فرصة لتكوين المعارف والأشياء المشتركة بعد عدة سنين ... فالناس إلى حد كبير كالجسد الواحد، وهم على نحو خاص يتعاطف بعضهم مع بعض، ويتشاركون مشاعر الخزي والخطر المفاجئ والبغض والشرف والرخاء والبؤس ...

6

مرة أخرى يقدم إلينا بعض المكونات الرئيسة للنظام الخيالي: التوافق، وتبادل الأحاسيس الداخلية، واندماج الجسدين، ومبدأ الجاذبية الشبه السحري، بجانب تجاهل جماعي نوعا ما للاختلاف يفترض أن دواخل الآخرين كدواخل الشخص. إن مثل تلك المشاعر الرقيقة - كما يرى كتاب أرسطو «الأخلاق النيقوماخية» - تعزى للنفس بقدر ما تعزى للآخرين؛ فأصحاب النزعة المحبة لأنفسهم وحدهم - كما يقول أرسطو - هم من يمكنهم حقا أن يحبوا الآخرين، بينما الذين لا يحملون أي حب لأنفسهم «ليس لديهم وعي حساس بمسراتهم وأحزانهم.»

7

نامعلوم صفحہ

والنتيجة اللازمة لمعاملة الآخرين كمعاملة النفس هي معاملة النفس كالآخر. والحالة التي تتم فيها كل منهما من منظور الآخر تعرف عند أرسطو بالصداقة.

لكن قبل أن نغوص أكثر إلى أعماق فكرة باتلر عن التوافق الداخلي، علينا أن نستقصي سياقها الاجتماعي بقدر أكبر قليلا؛ ففي ثقافة العاطفة تسعى فضائل التهذيب وحب الزوجة وتحرر النفس من القلق لإزاحة قيم الطبقة العليا الأكثر بربرية، المتمثلة في النزعة العسكرية والصلف الذكوري.

8

وهي موجهة بنفس الدرجة نحو تزمت البيوريتانيين من طبقة البرجوازية الصغيرة. ويشير آدم سميث إلى أن «فضيلة الود الإنسانية تتطلب إحساسا يتخطى الإحساس البذيء السوقي الذي لدى البشرية.»

9

إن رقة جهازك العصبي صارت مؤشرا موثوقا بقدر معقول للمكانة الاجتماعية. وصار نوع جديد من البطولة المضادة للأرستقراطية - بطولة تتمحور حول الرجل الوديع والزوج العفيف ورجل الأعمال المهذب - هو السائد؛ ليصل إلى ذروته في شخصية الرجل الشديد الالتزام بالمبادئ وقواعد السلوك المتمثل في السير تشارلز جرانديسون - الذي يعد من أهم شخصيات صامويل ريتشاردسون، والذي يشبه المسيح لكن يرتدي البنطال الذي يصل للركبتين المميز لهذا العصر. ويوجد تحول عام نحو البرجوازية في الفضيلة؛ إذ يقدم فرانسيس هتشسون الشخصيات المحمودة التي لا تقتصر على الأمير ورجل الدولة والجنرال، بل تتضمن «التاجر النزيه والصديق الوفي والناصح المخلص الحصيف والجار الكريم المضياف والزوج الحنون والأب العطوف والصاحب الرزين والمرح معا.»

10

فهي بتعبير رايموند ويليامز «مواجهة الشفقة بالأبهة.»

11

فاللين والبسالة والمرح أسلحة تستخدم ضد المنشقين ذوي الأوجه القاسية والهمجيين المولعين بالقتال الذين يشبهون الإقطاعيين القدامى. يعتبر آدم سميث المصلحة الذاتية الاقتصادية نوعا من الإزاحة أو التسامي عن الشهوة ونهم السلطة والطموح العسكري للنظام القديم، بينما يميز فرانسيس هتشسون رغبة «هادئة» في الثروة عن الأهواء الأكثر اضطرابا. ويتحدث إيرل شافتسبري بلطف مذهل عن حيازة الثروة باعتبارها «تلك الرغبة المرموقة باعتبارها «لافتة» على نحو خاص.»

نامعلوم صفحہ

12

بينما يحمل مونتسكيو - الذي يعد كتابه «روح القوانين» مصدر قدر كبير من فلسفة «التجارة الناعمة» هذه - إيمانا مؤثرا بالقوة المهذبة للحوالات المالية.

يتذكر المرء كذلك ملحوظة صامويل جونسون الشهيرة التي تقول إن الإنسان لا يشتغل أبدا ويؤمن أذاه بقدر اشتغاله وهو يجني المال، وهو تعليق يبين أن المغالطة التي تتسم بحجية كافية تبدو عكس ذلك فور قولها. وبقدر ما يخص الحياة الاقتصادية، يصل الفيلسوف التنويري الاسكتلندي جون ميلر إلى حد محاولة دمج طبقة البروليتاريا في المشروع العاطفي؛ إذ يضعهم في نظام حسي اجتماعي أو مجتمع عاطفي واحد، فعندما يتجمع العمال معا في نفس العمل و«نفس مجال التواصل»، بحسب تأكيده، فهم «يمكنون بسرعة كبيرة من التعبير عن كل أحاسيسهم ورغباتهم» وبذلك ترسى دعائم التضامن العامي.

13

وسيثبت للطبقات الوسطى الإنجليزية في حقبة تاريخية لاحقة أن هذا التضامن مصدر توتر أكثر منه مصدر تهذيب.

وفي ظل تسيد تأنيث الثقافة الإنجليزية هذا، أصبحت الشفقة والمسالمة شعارين لطبقة برجوازية بدا أن اللياقة الاجتماعية والسكون السياسي هما أفضل ما يضمن أهدافها التجارية؛ فالإحساس من ضمن أشياء أخرى كان ردا على الطائفية الدموية في القرن السابق، التي ساعدت على صياغة الوضع السياسي القائم، والتي بعد أن أنجزت عملها الهدام صارت كغيرها تراثا ثوريا ينبغي محوه من الذاكرة وإلقاؤه في اللاوعي السياسي. وفي ظل نظام أبوي لم يزل مستبدا، كانت هناك دعوات لتعميق الروابط العاطفية بين الرجل والمرأة، بالتوازي مع إبراز أهمية «الطفولة» وتمجيد الارتباط الروحي في إطار الزواج.

14

وكانت الثقة المتفائلة في العناية الإلهية المسيحية في طريقها لأن تحل محل الجبرية الوثنية القديمة. وصيغ نمط من الاعتدال المهذب على يد الكتاب الاجتماعيين مثل جوزيف أديسون وريتشارد ستيل، نمط بدا للأجيال اللاحقة جوهر الهوية الإنجليزية ذاتها. وأتاح الانغماس كما ينبغي في العاطفة للفرد أن يكون متقد المشاعر أو مبتهجا، مرحا أو بكاء، من دون أي خرق للأعراف. إن هذا هو ما لم تتعلمه بعد ماريان داشوود، الشخصية المشوشة عاطفيا في رواية جين أوستين «العقل والعاطفة».

وفي عالم الأفكار، سعى مذهب تجريبي مغوار إلى تشويه الأنظمة العقلانية المتبلدة، متبنيا في المقابل الجوهر الفطري للحس الذاتي، فكانت المفاهيم تتأصل جذورها في أرض التجربة العملية الثابتة حيث يشعر الرجل النزيه بألفة أكبر مقارنة ببساط التأمل الميتافيزيقي المضطرب. لقد كان ذلك أسلوبا للتفلسف يناسب عصرا شهد ظهور الرواية؛ فالإدراك والحس - بل جسم الإنسان ذاته - كانا مصدر كل تأملاتنا الأوضح. في الوقت ذاته شعر الكثيرون من النخبة المثقفة الذين شجعهم رخاء الأمة الاقتصادي وانتصاراتها السياسية بإمكانية بناء ثقة متفائلة في خيرية الطبيعة البشرية. وغمر جو من الخيرية والإحسان يسوده الرضا عن الذات النوادي والصحف والمقاهي. وعلى الرغم من شيوع الخبث والحقد والمنافسة في المجتمع، فلم يزل الفيلسوف الاسكتلندي آدم فيرجسون مؤمنا بأن «الحب والحنان [كانا] أقوى المبادئ الكامنة في داخل الإنسان.»

15

نامعلوم صفحہ

كان الإحساس والعاطفة - إن جاز التعبير - يمثلان التحول الفينومينولوجي المميز للقرن الثامن عشر؛ المكافئ في عالم المشاعر للتحول إلى مسألة الفردية التملكية والنزعة الداخلية البروتستانتية. وفي المجلات فريدة التأثير مثل «تاتلر» و«سبيكتيتور»، اتخذ الإحساس صورة منهجية حيث يسلم القارئ العادي نفسه لدورة تعليمية مكثفة في اللياقة. مثل هذا الضرب من الصحافة، بمزجه البارع بين الفضيلة والجدية، صورة جديدة من السياسة الثقافية؛ إذ علم عن وعي الجمهور القارئ فضائل اللين والبساطة والاحترام ونبذ العنف والشهامة والحب في إطار الزواج. ويكتب ستيل في العدد الأربعين من مجلة «سبيكتيتور»: «لطالما راودني طموح بجعل كلمة «زوجة» أكثر الأسماء في الطبيعة قبولا وإدخالا للسرور.» لكنه لم يكن نموذجا للفضيلة؛ إذ كان يفرط في شرب الخمر، وقتل رجلا في منازلة، وسجن بسبب الدين، وتزوج أرملة لمالها، واتهم بالتحريض على العصيان، ومثل أمام مجلس العموم. لكن نطاق سلطته الثقافية هو وأديسون امتد من الحديث عن تهذيب الملبس إلى المواعظ التي تنهى عن المنازلة، ومن تناول أنماط الحديث المهذب إلى مدح التجارة.

16

وتضمن معرضهما الصحفي للنماذج الاجتماعية المواطنين ومستنشقي التبغ وكانسي أوراق الشجر والمفكرين الأحرار وذوي الجمال وذوي الجمال الفائق.

كانت الأعراف الأخلاقية تكتسب صبغة جمالية، وتمارس باعتبارها أسلوبا في المعيشة، ومكمنا للفضيلة والذكاء، ومنبعا للخفة والوجاهة، وتجسيدا للصراحة والرشد والعبقرية، ومدعاة لخفة الدم وحب الرفقة والحرية والتباسط وإنكار الذات. ويدرج فرانسيس هتشسون في كتابه «تحقيق عن الخير والشر الأخلاقيين» ضمن القيم الشبه الأخلاقية؛ «الثوب المهندم، والوقار الممزوج بالرحمة، والفرح بإدخال السرور على الآخرين» بجانب اللطف واللين والمرح والرقة وبعض التكلف والتناغم و«صفات يصعب تحديدها.»

17

إن هذه دعوة تختلف تماما عن الفلسفة الأخلاقية لأفلاطون أو كانط. كما هو الحال في روايات ريتشاردسون أو أوستين، يمكن للتفاصيل الملحوظة المفردة أن تكون ذات وزن أخلاقي، فبانحناءة إصبع أو طريقة فتح صديرية يمكن أن تنكشف نزعات الخير أو الشر، وهو مفهوم كان من شأن لايبنتس أن يعتبره سخيفا؛ فالجسد - والوجه بالتحديد - يعتبر عند هتشسون معبرا بصفة مباشرة عن الوضع الأخلاقي لصاحبه، فتصير المكنونات الداخلية والمظاهر الخارجية - كما في النظام الخيالي - سهلة الانعكاس ومتواصلة سلسة. وفي ظل هذا الاتحاد بين السلوك والأخلاق، تصير حالات الوعي أقرب ما يكون للأمور المادية؛ إذ تظهر منقوشة على لوحة السلوك البشري، وتتجسد في مشية ممعنة في التذلل أو في إمالة رأس متكبر. وسيرث ديكنز هذا المذهب المضاد لثنائية الروح والجسد. وتكشف أكثر شخصيات جين أوستين المحبوبة عن حس داخلي باللياقة الخارجية؛ لتنقض التعارض بين الحب والقانون وبين التلقائية والأعراف الاجتماعية.

18

فاللياقة تشمل كل شيء؛ فقواعد الذوق لا تقتصر على عدم البصق في الإناء وحسب، بل تعني أيضا تجنب الفجاجة والغرور وعدم المراعاة الشعورية.

لقد كان الافتتان بالعاطفة هو عامل الرضا في أمة تجارية ناجحة؛ لكنها كانت إحدى القوى الاجتماعية بجانب كونها حالة عقلية؛ فالشعور يمكن أن يدفع عجلات التجارة، وهو ما أتاح للشاعر والروائي الأيرلندي المولد هنري بروك أن يكتب بحماس عن كيف أن التاجر «يجلب أقصى البقاع إلينا ويدخلنا في حوار مع أهلها ... وهو بذلك يجمع في عائلة واحدة ويغزل في شبكة واحدة الألفة والأخوة بين البشرية جمعاء.»

19 (بالنظر إلى أن بروك كان شخصية مرتزقة جشعة ألفت كتيبات مؤيدة للكاثوليكية من أجل الربح، على الرغم من آرائه المناهضة للكاثوليكية؛ فقد علم بعض الأشياء عن السوق.) وهنا تبرز - باختصار - أيديولوجية ما يسمى بالإنسانوية التجارية التي تعتبر أن انتشار التجارة وزيادة التعاطف الإنساني يثري كل منهما الآخر.

نامعلوم صفحہ

20

ويستخدم لورنس ستيرن عبارة «التجارة العاطفية» مع أخذ المعنى الاقتصادي في الاعتبار تماما؛ فالعلاقات الاقتصادية بين الناس تعمق تعاطفهم المتبادل وتهذبهم وتزيد قنوات الاقتصاد سلاسة وفاعلية؛ فالتجارة باعتبارها صورة مادية من الحوار المتحضر تجعل الفرد أكثر انصياعا وأكثر اتفاقا مع الجماعة، وهي عقيدة قد يجد المرتبطون بشخصية مول فلاندرز لديفو أو شخصية السيد باوندربي صعوبة في الإيمان بها؛ فالثروة التجارية بصفتها ذات طبيعة انتشارية متقلبة تتوافق مع تقلبات التعاطف الإنساني، وتمثل نفس هذه الخاصية الزئبقية ثقلا كبيرا يوازن عجرفة السلطة الأوتوقراطية.

إلا أن شعائر القلب هذه كان لها جانب مثالي بالإضافة للجانب الأيديولوجي؛ فالإحساس - دون غيره - كان ربما أثرى نقد لعقلانية التنوير التي تمكنت الثقافة البريطانية فيما قبل الرومانسية من تكريسها. ربما دفع الشعور عجلات التجارة لكنه هدد كذلك بإخراج المشروع برمته عن المسار تحت شعار رؤية متمحورة على الذات وأقل بلادة للمجتمع الإنساني. تعلق جانيت تود قائلة: إن الرجل العاطفي «لا يدخل النظام الاقتصادي الذي يدينه؛ ويرفض العمل في سبيل تحسين نفسه أو المجتمع.»

21

فثمة مسحة من التسكع البنياميني فيما يتعلق بالرجل الحساس الذي يتعارض إحساسه الغزير ورفضه المعتد أو العاطفي للتفكير مع النظام النفعي البليد، فتجاهله المختال للتناغم - وكذلك اعتياده العطاء في سبيل ذلك تماما - يمثلان هجوما ضمنيا على عقيدة قيمة التبادل بصورة تشبه كثيرا المبالغات اللاحقة لأمثال أوسكار وايلد. وفي الوقت ذاته فإن تجاهل التناغم كان بالضبط ما لم يتمكن نقاد المذهب العاطفي من تحمله، فالإفراط في الإحساس يعني العجز عن تمييز الأساسي من الهامشي؛ حيث إن «الشعور» ذاته لن يقدم لصاحبه أي دليل على تلك الفروق الجوهرية، فالمذهب العاطفي - والأدب الذي نتج عنه - يميل نحو الغرابة والاستطراد والتفرد، حيث يفضل البريق الباهت لزهرة الثلج على قضية كإصلاح السجون، فهو نظام أخلاق مترف من جميع النواحي.

إلا أنه ثمة حاجة لمثل هذه «العلاقة» العاطفية في نظام اجتماعي لم يعد يحفظ تماسكه دولة مستبدة، فالمجتمع الفردي يحتاج لإطار من التضامن كي يحتوي نزعاته الفوضوية، وإلا فإن هذه النزعات تمثل خطرا يؤدي لتخريب المؤسسات التي تسمح لها بالازدهار؛ لكنه مع ذلك تضامن يزداد تحقيقه صعوبة نظرا إلى تعرض العلاقات الاجتماعية لخطر اختزالها إلى علاقات عقدية بحتة، والسلطة السياسية إلى مجرد أداة، والأفراد أنفسهم إلى وحدات معزولة. ويقارن آدم فيرجسون على نحو متشائم في عمله «مقال عن تاريخ المجتمع المدني» بين التضامن في الثقافة القبلية والأفراد «المنفصلين والمنعزلين» في الحياة المعاصرة الذين «انقطعت لديهم روابط العاطفة». وفي ظل هذه الظروف، ليس من الغريب أن يلجأ الرجال والنساء إلى العواطف الطبيعية ليضمنوا لأنفسهم درجة من الرفقة في ضوء توفرها المتضائل في العالم الاجتماعي، فما لا يمكن أن نجده في الثقافة الإنسانية يجب الآن إيجاده في الطبيعة الإنسانية.

في ظل نظام اجتماعي يقوم على المصلحة الذاتية، من المنتظر أن تبدو مكامن الفضيلة العامة غامضة. فكما قال آلاسدير ماكنتاير، لم يعد من الممكن في مثل هذه الظروف تناول القواعد والعلاقات الاجتماعية بطرق تشير ضمنيا إلى الالتزامات والمسئوليات الأخلاقية.

22

وعليه تترك مثل هذه الالتزامات معلقة، تماما مثلما تحررت المشاعر - عند العاطفيين الأكثر إفراطا - من الأشياء التي من المفترض أن ترتبط بها لتصير كيانات غريبة قائمة بذاتها شبيهة بالأشياء. وبما أنه لا يوجد في بنية المجتمع ما قد يدفع أفراده إلى المساعدة والعاطفة المتبادلة، فإن القدرة التعاطفية يجب أن تنقل إلى داخل كل رجل وامرأة، وأن تطبع كغريزة تشبه الجوع أو حماية النفس؛ فالإنسان يسر بالخير بقدر ما يستمتع برائحة عطر، أو يشعر بالغثيان بسبب رائحة نتنة. ومن هذا المنطلق يمثل عصر العقل - الذي تزداد فيه أهمية المنفعة والتكنولوجيا والتفكير العقلاني - أيضا ثقافة تنصب على القلب، على البكاء والحنان. وفي مملكة الفردية التملكية، يضطر الحب والخيرية إلى الانتقال من الدائرة الخاصة الداخلية ليصيرا مجازين ذوي مغزى أعم وأشمل. وعلى أكثر التقديرات المتشائمة، العاطفة - تلك الطريقة السريعة الغريبة غير اللفظية في تبادل الإشارات أو الحدس - ربما هي الصورة الوحيدة المتبقية من السلوك الاجتماعي في عالم من الأفراد المنعزلين البائسين.

إن التحول إلى الذات خطوة حكيمة؛ لكنها في الوقت نفسه خطيرة؛ إذ إن تثبيت المجتمع السياسي على دعائم العواطف الطبيعية يعني بوجه ما إمداده بأقوى أساس يمكن تصوره، وتركه من وجه آخر عرضة للخطر على نحو مقلق، فالمجتمع الإنساني عند ديفيد هيوم يظل متماسكا في النهاية بسبب عادات الشعور، وإذا لم يوجد ما هو أشد قسرا من الناحية الروحية فليس هناك ما هو أكثر استعصاء على الإثبات العقلاني؛ فأهمية المشاعر سببها أنها تقدم دوافع للسلوك بشكل قد لا يمكن للقواعد العقلانية وحدها فعله. وكذلك الحال مع العقلانية في الوقت الحاضر، فكما يشير جيه إم بيرنشتاين، فإن الأخلاق التواصلية لدى يورجين هابرماس تجريدية تماما، لكن إن أريد تجسيد قواعدها العامة في صورة دوافع مقنعة، فيجب أن يعاد ربطها بالممارسات اليومية.

نامعلوم صفحہ

23

والعقبة هي أنه قد لا يوجد الآن أي تفسير عقلاني للرحمة أو الكرم، كما كان الحال مع سبينوزا؛ فليس ثمة أساس منطقي براجماتي وراءها؛ إذ من المرجح أن رقة القلب هذه - كما توحي أعمال هنري فيلدنج - ستنتهي بصاحبها بالتعرض لمأزق شديد بدلا من أن توفر له الفوز بضيعة أو بمنصب وزاري في الحكومة. وهذا هو السبب في أن فيلدنج يثني على فضيلة أبطاله بينما يتهكم عليها ساخرا في الوقت نفسه؛ حيث إنها في مثل هذا المجتمع الوحشي لن تبدو إلا ساذجة.

لكن كذلك لا يوجد أي تفسير عقلاني لتذوق ثمرة خوخ أو استنشاق عبير زهرة، وهي تجارب يبدو أنها (كنوبة شفقة أو نفور أخلاقي مفاجئة) تحمل تفسيراتها في ذاتها؛ إذ هي فورية لا تقبل الجدل. وإذا لم يمكننا أن نؤسس للفضائل بأساس منطقي - مثلما سعى الفلاسفة الأخلاقيون أمثال صامويل كلارك وويليام وولاستون - فربما يرجع ذلك إلى أنها أساسية في ذاتها، وجزء لا يتجزأ من الجسم كالكبد والبنكرياس. ربما تشبه من هذا المنطلق الذوق الجمالي أو شيء لا يمكن وصفه لم نعد بحاجة لأن نعرف المزيد عنه؛ فربما يحمل الذوق والحكم الأخلاقي - مثل الرب والأعمال الفنية - أسباب وجودهما في ذاتهما. بالتأكيد يبدو أن فرانسيس هتشسون قد اعتقد ذلك؛ فإن سئل، بحسب قوله، عن السبب في استحساننا للخير العام، فسيجيب: «أتصور أننا لن يمكننا أن نجد «أي سبب» في هذه الحالات أكثر مما يمكننا أن نجده في حبنا لأي فاكهة لذيذة.»

24

فالتفسيرات - كما يعلق فتجنشتاين - يجب أن تنتهي في مرحلة معينة؛ فهي بالنسبة لهتشسون تصل إلى طريق مسدود، بتعبير فتجنشتاين، عندما تصل إلى فكرة معنى أخلاقي هو جزء من طبيعتنا المادية بقدر العطس أو الابتسام.

في كل الأحوال، يبدو أن «جيد» و«سيئ» كلمتان لهما حد، بمعنى أننا إذا استطعنا أن ندعم مثل هذه الأحكام بأسباب غير أخلاقية - كما يزعم العقلانيون أنه واجب علينا - فقد يظل من الممكن دائما أن يزحزح السؤال خطوة أخرى ليكون عن السبب الذي يجعل هذه الأسباب بدورها أسبابا وجيهة، أو لماذا يظن من الجيد الاقتداء بها. فالسؤال يتعلق جزئيا بالدافع، كما قد يوحي أصل كلمة حب الخير باللغة الإنجليزية

Benevolence ، فهتشسون وهيوم وزملاؤهما يخاطبون حضارة ترى أن ما تظنه حقيقيا هو بوجه عام ما يتم الشعور به من خلال النبضات أو العينين، وتشعر بالتبعية بشك طبيعي في التصرف وفقا لمبدأ مجرد. يقول هيوم عن صور الفضيلة القديمة: «إن الفضيلة التي تفصلها عنا تلك المسافة كالنجم الثابت الذي رغم أنه قد يبدو لعين العقل لامعا كما الشمس بعد توسطها في كبد السماء، فإنه على نحو لا متناه أبعد من أن يؤثر في الحواس سواء بالضوء أو بالحرارة.»

25

فمثل تلك المثل الباهرة الخالية من المشاعر تعوزها القوة النفسية. وفيما يتعلق بالدوافع، فإن فلسفة هتشسون وأدب ديفو ينتميان لنفس الوسط الثقافي، فإن أراد أحد أن يجري استقصاء للدوافع الإنسانية بكل تعقيداتها البراجماتية، استقصاء يغوص في أكثر خبايا النفس عمقا، فسينتهي به الحال على الأرجح بكتابة رواية.

كما أنه في ظل مجتمع تبدو فيه الفضيلة شحيحة، ولا يكاد ما بقي منها يتمتع بأي سحر (حسن التدبير والحكمة والعفة والانضباط الذاتي والطاعة والزهد والمواظبة والاجتهاد وغيرها)، فإن الأرجح أن الرجال والنساء في حاجة إلى دافع لحسن التصرف أقوى نوعا ما من الحرص العقلاني على تناغم النظام الكوني؛ فبمجرد أن يتحول حسن الخلق إلى تقليد اجتماعي رتيب، يحتاج الإنسان لمزيد من الحوافز من أجل الالتزام به. على أي حال، ما معنى الزعم بأن أسباب الفضيلة التي يقدمها العقلانيون تتمتع على نحو خاص بقوة أخلاقية؟ ما المبهر، على سبيل المثال، في الاتفاق مع طبيعة الكون؟ تصور الكثير من الأخلاقيين أن الحياة السعيدة تكمن في القيام بالعكس تماما.

نامعلوم صفحہ