577

مروج الذهب ومعادن الجوهر

مروج الذهب ومعادن الجوهر

فلما كان في أول الليل جاءنا خادم ومعه سدة من الأتراك وفرسان، فحملت على جنيبة كانت معهم، وأتى بي إلى المستعين فإذا هو جالس في الجوسق، فقربني وأدناني، ثم أخذ بعد أن انسني في أخبار العرب وأيامها، وأهل التتيم، فانتهى بنا الكلام إلى أخبار العذريين والمتيمين، فقال لي: ما عندك من أخبار عروة بن حزام، وما كان منه مع عفراء فقلت: يا أمير المؤمنين، إن عروة بن حزام لما انصرف من عند عفراء بنت عقال توفي وجدا بها وصبابة إليهما، فمر به ركب فعرفوه، فلما انتهوا إلى منزل عفراء صاح صائح منهم:

ألا أيها القصر المغفل أهله ... نعينا إليكم عروة بن حزام

ففهمت صوته، وأشرفت عليه، وقالت:

ألا أيها الركب المجدون ويحكم ... بحق نعيتم عروة بن حزام.

فأجابها رجل من القوم، فقال:

نعم قد تركناه بأرض بعيدة ... مقيما بها في سبسب وأكام

فقالت لهم:

فإن كان حقا ما تقولون فأعلموا ... بأن قد نعيتم بدر كل ظلام

فلا لقي الفتيان بعدك لذة ... ولا رجعوا من غيبة بسلام

ولا وضعت أنثى شريفا كمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام

ولا لا بلغتم حيث وجهتم ... له ونغصتم لذات كل طعمام

ثم سألتهم: أين دفنوه؟ فأخبروها، فصارت إلى قبره، فلما قاربته قالت: أنزلوني فإني أريد قضاء حاجة، فأنزلوها فانسلت إلى قبره فأكبت عليه، فما راعهم إلا صوتها، فلما سمعوه بادروا إليها، فإذا هي ممتدة على القبر قد خرجت نفسها، فدفنوها إلى جانب قبره. قال: فقال لي: فهل عندك من خبره غير ما ذكرت؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، هذا ما أخبرنا به مالك بن الصباح العدوي ، عن الهيثم بن علي بن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: بعثني عثمان بن عفان مصدقا في بني عذرة في بلاد حي منهم يقال لهم بنو منبذة، فإذا ببيت جديد منحاش عن الحي، فملت إليه، فإذا بشاب قائم في ظل البيص، وإذا عجوز جالسة في كسر البيت، فلما رآني ترنم بصوت ضعيف يقول:

جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني

فقالا: نعم، نشفي من الداء كله ... وقاما مع العواد يبتدران

فما تركا لي رقية يعرفانها ... ولا شربة إلا بها سقياني

وقالا: شفاك الله، والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان

فلهفي على عفراء لهفا كأنه ... على النحر والأحشاء حد سنان

فعفراء أحظى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتداني

وإني لأهوى الحشر إذ قيل: إنني ... وعفراء يوم الحشر ملتقيان

ألا لعن الله الوشاة وقولهم: ... فلانة أضحت خلة لفلان

ثم شهق شهقة خفيفة، فنظرت في وجهه فإذا هو قد مات، فقلت: أيها العجوز، ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلا قد مات، قالت: وأنا والله أظن ذلك، فنظرت في وجهه، وقالت: فاض ورب الكعبة، فقلت: من هذا. فقالت: عروة بن حزام العذري، وأنا أمه، والله ما سمعت له أنة من سنة إلا في صدر يومي هذا، فإني سمعته يقول:

من كان من أمهاتي باكيا أبدا ... فاليوم إني أراني فيه مقبوضا

تسمعيه فإني غير سامعة ... إذا علوت رقاب القوم معروضا

قال: فأقمت حتى شهدت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، قال: فقال عثمان: ومما دعاك إلى ذلك؟ قلت: إكتساب الأجر فيه والله، قال: فوصل الجماعة وفضلني عليهم في الجائزة.

حديث عن مجنون بني عامر

صفحہ 106