مروج الذهب ومعادن الجوهر
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ذكر ذو معرفة بأخبار البرامكة أنه لما بلغ جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ويحيى بن خالد والفضل وغيرهم من آل برمك ما بلغوا من الملك، وتناهوا إليه من الرياسة، واستقامت لهم، الأمور، حتى قيل: أن أيامهم عروس وسرور دائم لا يزول، قال الرشيد لجعفر بن يحيى: ويحك يا جعفر!! إنه ليس في الأرض طلعة أنا بها آنس، ولا إليها أميل، وأنا بها أشد استمتاعا وآنسا مني برؤيتك وأن للعباسة أختي مني موقعا ليس بدون ذلك، وقد نظرت في أمري معكما، فوجدتني لا أصبر عنك ولا عنها، ورأيتني ناقص الحظ والسرور منك يوم أكون معها، وكذاك حكمي منك في يوم كوني معك دونها، وقد رأيت شيئا يجتمع لي به السرور، وتتكاثف لي به اللذة والآنس، فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين! وعزم لك على الرشد في أمورك كلها! قال الرشيد: قد زوجتكما تزويجا تملك به مجالستها والنظر إليها والاجتماع بها في مجلس أنا معكما فيه لا سوى ذلك فزوجه الرشيد بعد امتناع كان من جعفر إليه في ذلك، وأشهد له من حضره من خدمه وخاصة مواليه، وأخذ الرشيد عليه عهد الله ومواثيقه وغليظ أيمانه أنه لا يخلو بها، ولا يجلس معها، ولا يظله وأياها سقف بيت إلا وأمير المؤمنين الرشيد ثالثهما، فحلف له جعفر على ذلك، ورضي به، وألزمه نفسه، وكانوا يجتمعون على هذه الحالة التي وصفناها وجعفر في ذلك صارف بصره عنها، مزور بوجهه هيبة لأمير المؤمنين، ووفاء بعهده وأيمانه ومواثيقه على ما وافقه الرشيد عليه وعلقته العباسة، وأضمرت الاحتيال عليه وكتبت إليه رقعة، فرد رسولها وشتمه وتهدده، وعادت فعاد لمثل ذلك، فلما استحكم اليأس عليها قصدت لأمه، ولم تكن بالحازمة، فاستمالتها بالهدايا من نفيس الجواهر والألطاف، وما أشبه ذلك من كثرة المال وألطاف الملوك، حتى إذا ظننت أنها لها في الطاعة كالأمة، وفي النصيحة والإشفاق كالوالدة، ألقت إليها طرفأ من الأمر الذي تريده، وأعلمتها ما لها في ذلك من حميد العاقبة، وما لإبنها من الفخر والشرف بمصاهرة أمير المؤمنين، وأوهمتها أن هذا الأمر إذا وقع كان به أمان لها ولولدها من زوال النعمة وسقوط مرتبته، فاستجابت لها أم جعفر، ووعدتها بأعمال الحيلة في ذلك، وأنها تلطف لها حتى تجمع بينهما، فأقبلت على جعفر يوما فقالت له: يا بني، قد وصفت لي وصيفة في بعض القصورمن تربية الملوك قد بلغت من الأدب والمعرفة والظرف والحلاوة مع الجمال الرائع والقد البارع والخصال المحمودة ما لم ير مثله، وقد عزمت على اشترائها لك، وقد قرب الأمر بيني وبين مالكها، فاستقبل جعفر كلامها بالقبول، وعلفقت بذلك قلبه، وتطلعت إليها نفسه، وجعلت تمطله، حتى اشتد شوقه، وقويت شهوته، وهو في ذلك يلح عليها بالتحريك والإقتضاء، فلما علمت أنه قد عجز عن الصبر واشتد به القلق قالت له: أنا مهديتها إليك ليلة كذا وكذا. وبعثت إلى العباسة فأعلمتها بذلك، فتأهبت بمثل ما تتأهب به مثلها وسارت إليها في تلك الليلة، وانصرف جعفرفي تلك الليلة من عند الرشيد، وقد بقي في نفسه من الشراب فضلة لما قد عزم عليه، فدخل منزله، وسأل عن الجارية، فخبر بمكانها، فأدخلت على فتى سكران لم يكن بصورتها عالما، ولا على خلقها واقفا، فقام إليها فواقعها، فلما قضى حاجته منها قالت له: كيف رأيت حيل بنات الملوك، قال: وأي بنات الملوك تعنين، وهو يرى أنها من بعض بنات الروم، فقالت له: أنا مولاتك العباسة بنت المهدي، فوثب فزعا قد زال عنه سكره ورجع إليه عقله، فأقبل على أمه وقال: لقد بعتني بالثمن الرخيص، وحملتني على المركب الوعر، فانظري ما يؤول إليه حالي، وانصرفت العباسة مشتملة منه على حمل، ثم ولدت غلاما، فوكلت به خادما من خدمها يقال له رياش وحاضنة تسمى برة، فلما خافت ظهور الخبر وانتشاره وجهت الصبي والخادم والحاضنة إلى مكة، وأمرتهما بتربيته، وطالت مدة جعفر، وغلب هو وأبوه وأخوته على أمر المملكة، وكانت زبيدة أم جعفر زوج الرشيد من الرشيد بالمنزلة التي لا يتقدمها أحد من نظرائها، وكان يحيى بن خالد لا يزال يتفقد أمر حرم الرشيد ويمنعهن من خدمة الخدم، فشكت زبيدة إلى الرشيد. فقال ليحيى بن خالد: يا أبت، ما بال أم جعفر تشكوك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أمتهم أنا في حرمك وتدبير قصرك عندك، فقال: لا والله، لا تقبل قولها، قال الرشيد: فلست أعاودك، فازداد يحيى لها منعا ، وعليها في ذلك غلظة، وكان يأمر بقفل أبواب الحرم بالليل، ويمضي بالمفاتيح إلى منزله، فبلغ ذلك من أم جعفر كل مبلغ، فدخلت ذات يوم على الرشيد فقالت: يا أمير المؤمنين، ما يحمل يحيى على ما لا يزال يفعله من منعه إياي من خدمي ووضعه إياي في غيرموضعي، فقال لها الرشيد: يحيى عندي غيرمتهم في حرمي، فقالت: إن كان كذلك لحفظ ابنه مما ارتكبه، فقال: وما ذاك؟ فخبرته بالخبر وقصت عليه قصة العباسة مع جعفر، فسقط في يده، وقال لها: هل لك على ذلك من دليل أو شاهد؟ قالت: وأي دليل أدل من الولد؟ قال: وأين الولد؟ قالت: قد كان ههنا، فلما خافت ظهور أمره وجهته إلى مكة، فقال لها: أفيعلم هذا أحد غيرك؟ قالت: ما في قصرك جارية إلا وقد علمت به، فأمسك عن ذلك، وطوى عليه كشحا، وأظهر أنه يريد الحج، فخرج هو وجعفر بن يحيي، وكتبت العباسة إلى الخادم والحاضنة أن يخرجا بالصبي إلى اليمن.
فلما صار الرشيد إلى مكة وكل من يثق به بالفحص والبحث عن أمر الصبي والداية والخادم فوجد الأمر صحيحا، فلما قضى حجه ورجع أضمر في البرامكة على إزالة نعمهم، فأقام ببغداد مديدة، ثم خرج إلى الأنبار، فلما كان في اليوم الذي عزم فيه على قتل جعفر دعا بالسندي بن شاهك، فأمره بالمضي إلى مدينة السلام والتوكيل بدور البرامكة ودور كتابهم وأبنائهم وقراباتهم، وأن يجعل سرا من حيث لا يكلم به أحدا حتى يصل إلى بغداد، ثم يفضي بذلك لمن يثق به من أهله وأعوانه، فامتثل السندي ذلك، وقعد الرشيد وجعفر عنده في موضع يعرف في الأنبار بالعمر، فأقاما يومهما بأحسن هيئة وأطيب عيش، فلما انصرف جعفرمن عنده خرج الرشيد حتى ركب مشيعا له ثم رجع الرشيد فجلس على كرسي، وأمر بما كان بين يديه فرفع فمضى جعفر إلى منزله وفيه فضلة من الشراب، ودعا بأبي زكار المغني الطنبوري وابن أبي شيخ كاتبه ومدت ستارة، وجلس جواريه خلفها يضربن ويغنين، وأبو زكار يغنيه:
مايريد الناس منا ... ما ينام الناس عنا
صفحہ 17